إضاءات دعوية مع نبي الله عيسى عليه السلام - (1) نعم الله على عيسى عليه الصلاة والسلام

منذ 2021-08-12

يُذكِّر الله عز وجل نبيه عيسى عليه السلام بما أنعم عليه من نعم لم يُنعم بها على أحد من قبله من الأنبياء ولا المرسلين، فالله يريد منه أن يذكر هذه النِّعم بقلبه وبلسانه وأن يقوم بواجبها من الشُّكر

يقول تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} [المائدة: 110].

 

يُذكِّر الله عز وجل نبيه عيسى عليه السلام بما أنعم عليه من نعم لم يُنعم بها على أحد من قبله من الأنبياء ولا المرسلين، فالله يريد منه أن يذكر هذه النِّعم بقلبه وبلسانه وأن يقوم بواجبها من الشُّكر، ومن تلك النِّعم نعمته على أمِّه حيث جعله الله برهاناً على براءتها من تهمة الفاحشة عندما تكلم في المهد،، ومن تلك النعم أنه سبحانه أيَّده بروح القدس وهو جبريل عليه السلام، ومن النعم والمعجزات أنه جعله ينطق في صغره وهو ما زال طفلاً ببراءة أمه وبأنه عبد لله ونبي له، ويتحدث في كهولته بالدعوة إلى الله، وعلَّمه سبحانه الكتاب والحكمة أي الخط والفهم، والتوراة كذلك وهي الكتاب المنزل على موسى عليه السلام، ومن النعم والمعجزات التي أيَّده بها أنه جعله يصوِّر الطين ويُشكله ثم ينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وجعله يشفي من به برص وهو مرض في الجلد، ويشفي الأكمه وهو من وُلد أعمى، وقيل: هو من لا بصر له ولا عين، وكل ذلك بإذن الله، ومن المعجزات كذلك إحياء الموتى من قبورهم وإخراجهم أحياء بقدرة الله ومشيئته، ومن النعم أنه سبحانه كفَّ بني إسرائيل عنه بعدما جاءهم بالبينات والحجج والمعجزات، واتهموه بأنه ساحر مبين، فأرادوا قتله فرفعه إلى السماء ونجاه منهم.

 

 

من الإضاءات الدعوية:

1 - أنَّ الله عز وجل طلب من عيسى عليه السلام أن يتذكر النِّعم العظام التي أنعم بها عليه من معجزات وغيرها، ومنها نعمة الكتابة والحكمة والعلم والتوراة.

 

2 - في هذه الآية كرر الله عزو جل بعد كل معجزة وآية قوله: (بإذني) قال ابن جزي - رحمه الله -: "(بإذني) كرره مع كل معجزة ردَّاً على من نسب الربوبية إلى عيسى"[1].

 

3 - من النعم التي اختص الله بها الداعية اصطفاؤه على الآخرين، وجعلُه مُبلِّغاً عن الله، وقائماً بوظيفة الأنبياء، وداعية لله، وقائد الناس إلى الجنان، ومحذرهم من النيران.

 

4 - من النعم على الداعية أنَّ الله آتاه علماً وفهماً وربما زيادة على ذلك حفظ كتابه العظيم، وقدرة على مواجهة الناس والإلقاء، وحسن الخطاب والقول، والتأثير في الناس، وربما إقبال الناس عليه، وحبهم له، وتقبلهم لقوله ونصيحته.

 

5 - من النِّعم على كثير من الدُّعاة أنَّ الله أظهر للناس حسناتهم وصفاتهم الحسنة، وستر عنهم أخطاءهم وعيوبهم ومعاصيهم.

 

6 - على الداعية أن يتذكر تلك النعم كلها صغرت أم كبرت، وأن يحمد الله عليها صباح مساء، وأن يشكر الله عليها بلسانه قولاً، وبقلبه استشعاراً، وبجوارحه عملاً، فيزداد فرحاً بها واجتهاداً، وحقيقة الشكر في العبودية كما يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ: " هو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده: ثناء واعترافاً، وعلى قلبه: شهوداً ومحبة، وعلى جوارحه: انقياداً وطاعة"[2]، وعليه أن يسخر كل نعمة في الدعوة إلى الله، ويتذكر أن باب الدعوة فُتح له، وأُغلق على الكثير من الناس وحُرموا ما عنده من نعم، يقول تعالى: {لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد}[3].

 

7 - أن يحذر الداعية وطالب العلم أن يُسخِّر بعض النِّعم كالعلم وقدرته على الإقناع وثقة الناس فيه وحبهم إياه في قلب الحقائق، وإظهار الباطل حقاً، والحق باطلاً، فيكون بذلك أداة لأعداء الدِّين من المنافقين بالوقوف معهم وتأييد باطلهم،، وقد يفعل ذلك تعمُّداً إما انتقاماً من البعض، أو لطلب شهرة، أو كسب مال، فإنَّ ذلك واللهِ من أعظم الخزي والخسران والبوار، وقد يقع ذلك من البعض - أي من بعض الدعاة - بحسن نية، وغفلة منهم، وعليهم أن ينتبهوا وأن لا يُخدعوا.

 

8 - على الداعية أن يُذكِّر الناس بنعم الله عليهم التي لا تحصى ولا تعد، فإنَّ تذكر النِّعم يجعل العبد يُقبل على المنعم جل وعلا، ويعرف نعمته عليه وتقصيره تجاهه، يقول تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم} [4]، وعليه أن يحثهم على شكر هذه النعم بالقول واللسان، والعمل والجوارح بتسخيرها في طاعة الله وعدم معصيته بها، فليس من المروءة أن تُقابل نعمة الله بالإساءة والكفر والمعصية.

 

9 - عيسى عليه السلام أتى بمعجزات باهرة، فقد تكلم في المهد صبياً، ويخلق الطير كما شاء وينفخ فيه الروح، ويحيي الموتى من قبورهم، ويشفي الأعمى الذي ولد بلا عين ويرد له بصره وعينه، فمع كل هذه المعجزات والبراهين التي لم تؤتَ لنبي غيره كفر من كفر من قومه، فإذا كان هذا حال النبي ومع معجزات وخوارق فكيف بغيره من الدعاة.

 

10 - قد يدعو الداعية ويأتي بالحجج والأدلة الواضحة البينة، ومع ذلك يُكذَّب ولا تقبل دعوته وترفض، فعليه أن لا ييأس فقد سبقه الأنبياء من قبله فكُذِّبوا.

 

11 - قد يكون الكِبر والعناد -وهذا الغالب على كثير من المدعوين- هو سبب عدم قبول الدعوة ورفضها، فالكثير يردُّون الحق ليس لعدم تصديقهم به، بل لأنهم لا يُريدون أن يُصدِّقوه، وكما قال تعالى: {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا}[5].

 

12 - من النِّعم التي أنعم الله بها على عيسى عليه السلام وذكَّره بها نعمة كفِّ أذى الناس عنه، فكل داعية يأتي بالبراهين والأدلة يكون عُرضة للإيذاء، وقد يدفع الله عنه الأذى الكثير الذي يُصيبه من الناس، من أذى قولي أو فعلي، وإن وقع له أذى فهو قليل جداً، وما يزيده ذلك إلا رفعة في الدرجات، وزيادة في الحسنات، ومحبة عند الله.

 


[1] التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي: 1 /257.

[2] مدارج السالكين لابن القيم: 2 /234.

[3] إبراهيم: 7.

[4] الأحزاب: 9.

[5] الأعراف: 146.