الزواج العرفي

منذ 2021-11-14

الزواج العرفي باطل؛ لعدم وجود الشهود، ولعدم إشهاره وإعلانه، ويحرم الاتصال الجنسي، ولا تثبت به حقوق للطرفين

تعريف الزواج:

الزواج لغة: مأخوذ من الزوج، وهو الفرد الذي له قرين، ويطلق على الرجل والمرأة، ومنه قوله تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [النجم: 45]، فيقال للرجل: زوج، وللمرأة: زوج، ومنه قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35]، وقوله تعالى: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} [الأحزاب: 37]، ويقال للاثنين: زوجان، ولا يقال لهما: زوج[1]، ويقال للمرأة: زوجة، وهي لغة رديئة[2].

 

ويطلق الزواج ويراد به الاقتران، والاختلاط، يقال: تزاوج القوم، أي اختلطوا فيما بينهم، ومنه قوله تعالى: {كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ} [الدخان: 54]،أي قرناهم[3].

 

ويقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة: زوج، ولكل قرينين فيها وفي غيرها: زوج، كالخف والنعل، ولكل ما يقترن بآخر مماثلا له أو مضادًّا زوج، ومنه قوله تعالى: {فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [القيامة: 39][4].

 

ويطلق الزواج، ويراد به النكاح، يقال: تزوج في بني فلان، أي نكح فيهم[5]، ومنه قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: 37]، وهذا المعنى هو المراد هنا.

 

الزواج اصطلاحا: الزواج والنكاح اسمان لمسمى واحد، وقد تقدم في المسألة الثانية تعريف النكاح، فلا حاجة هنا إلى تعريفه مرة أخرى.

 

تعريف العرفي:

العرفي لغة: نسبة إلى العُرف، والعُرف: ضد النُّكْر[6]، وهو يدل على السكون والطُّمأنينة، والعرفُ: المعروف، سمي بذلك؛ لأن النفوس تسكن إليه، تقول: عرَف فلان فلانا عِرفانا ومعرفةً، وهذا أمر معروف إذا سُكن إليه؛ لأن من أنكر شيئا توحش منه، ونَبا عنه[7].

 

ويطلق العرف، ويراد به ما تعارف عليه الناس في عاداتهم، ومعاملاتهم[8]، ومنه قول الله تعالى: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199].

 

العرفي اصطلاحا: هو ما استقرَّ في النفوس من جهة شهادات العقول، وتلقتْه الطِّباعُ السليمةُ بالقَبول[9].

 

 

الزواج العرفي اصطلاحا: هو عقد نكاح بين رجل وامرأة مستكملا لأركانه وشروطه الشرعية، غير موثَّق بوثيقة رسمية حكومية[10].

 

وسمي عُرفيًّا؛ لأجل اعتياد الناس عليه منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى القرن التاسع عشر، فلم يكن المسلمون يهتمون بتوثيق الزواج، ولم يكن في ذلك حرج، بل اطمأنت نفوسهم إليه، فصار عرفا عُرف بالشرع، وأقرهم عليه[11]، وقد اتفق العلماء على أن تزويج الولي المرأة لا يفتقر إلى حاكم[12].

 

وقد جرت عادة الناس في جميع الأقطار أن يعقدوا عقد الزواج بدون التوثيق، ولا يُعد ذلك عيبا في العقد، بل لم يَشترط توثيق العقد أحد من الفقهاء، ولكن مع تبدل الأزمنة، وخراب الذمم لدى الكثير من الناس أصبحت الحاجة ماسة إلى توثيقه، وكتابته رسميا؛ لضمان الحقوق[13].

 

ومن ذلك يتضح أن الزواج العرفي يفارق الزواج الرسمي في كونه لا يُوثق في جهة رسمية.

 

صور الزواج العرفي:

الزواج العرفي له عدة صور، أشهرها ثلاثة:

الصورة الأولى:

أن يتم بجميع أركان وشروط الزواج الشرعي إلا أنه يخلو عن التوثيق، والكتابة[14]، وهذا يحدث غالبا بين الأعراب في البوادي، والقبائل، والأرياف، ويحدث أيضا في المدن حفاظا على استمرارية المعاش[15]، أو لصغر البنت عن السن القانونية للزواج.

 

وهذه الصورة صحيحة لا إشكال فيها؛ لأنه لا ينقصها إلا التوثيق فقط[16]، وقد سبق أن التوثيق ليس بشرط إلا أن الحاجة دعت إليه؛ لفساد الأخلاق، والذمم، ولضمان الحقوق.

 

 

الصورة الثانية:

أن يتم بإيجاب وقبول من الطرفين -الزوج، والزوجة- من خلال ورقة عرفية يوقِّعان عليها باسميهما، مع حضور شاهدين مستأجَرين، أو من أصدقاء الزوجين يوقِّعان على العقد العرفي مع عدم الولي، وعدم إعلان، وإشهار هذا الزواج العرفي، أو علم الأهل والأصدقاء به؛ إذ غالبا ما يتم في سرية تامة، وغالبا ما يُؤمر الشاهدان بكتمانه، وهذا منتشر في مصر[17].

 

 

الصورة الثالثة:

أن يتم بإيجاب وقبول من الطرفين من خلال ورقة عرفية فقط، دون ولي، أو حضور شهود للتوقيع عليه، ودون إعلانه وإشهاره بين الناس، ويتم هذا الزواج في سرية تامة جدًّا لا يَعلم به أحد إلا الزوجان فقط [18].

 

وهاتان الصورتان باطلتان؛ لأجل خلوهما من الولي، وخلو الصورة الثالثة من الشهود، ولا يصح الزواج بدون ولي، وشاهدين.

 

يتضح مما سبق أن الزواج العرفي نكاح فاسد لا يجوز؛ لخلوه من الولي الذي هو شرط في صحة النكاح، ولخلوه أيضا من الشاهدين -كما في بعض صوره- والشهادة شرط في صحته.

 

 

قال الشيخ عطية صقر رحمه اللهالزواج العرفي باطل؛ لعدم وجود الشهود، ولعدم إشهاره وإعلانه، ويحرم الاتصال الجنسي، ولا تثبت به حقوق للطرفين[19].

 

 


[1] ينظر: ابن سيده، المحكم والمحيط الأعظم، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، طبعة: دار الكتب العلمية- بيروت، ط1، 1421هـ، 2000م، مادة «زوج».

[2] ينظر: الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، صـ (384).

[3] ينظر: ابن سيده، المحكم والمحيط الأعظم، (7/526).

[4] ينظر: الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، صـ (384).

[5] ينظر: ابن سيده، المحكم والمحيط الأعظم، (7/526).

[6] ينظر: الفارابي، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، مادة «عرف».

[7] ينظر: ابن فارس، مقاييس اللغة، مادة «عرف».

[8] ينظر: مجمع اللغة العربية بالقاهرة، المعجم الوسيط، طبعة: مكتبة الشروق الدولية- القاهرة، ط4، 1425هـ، 2004م، مادة «عرف».

[9] ينظر:الجرجاني، التعريفات، صـ (617).

[10] ينظر: د. أحمد بن يوسف بن أحمد الدريويش، الزواج العرفي دراسة فقهية مقارنة، طبعة: دار العاصمة- الرياض، ط1، 1426هـ، 2005م، صـ (81).

[11] ينظر: د. عبد الملك بن يوسف المطلق، الزواج العرفي داخل المملكة العربية السعودية وخارجها دراسة فقهية واجتماعية نقدية، طبعة: دار العاصمة- الرياض، ط1، 1427هـ، 2006م، صـ (187).

[12] ينظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (32/34).

[13] ينظر: د. عبد الملك بن يوسف المطلق، الزواج العرفي داخل المملكة العربية السعودية وخارجها دراسة فقهية واجتماعية نقدية، صـ (187)، ود. أحمد بن يوسف بن أحمد الدريويش، الزواج العرفي دراسة فقهية مقارنة، صـ (82).

[14] ينظر:د. عبد الملك بن يوسف المطلق، الزواج العرفي داخل المملكة العربية السعودية وخارجها دراسة فقهية واجتماعية نقدية، صـ (186)، ود. سعيد عبد العظيم، الزواج العرفي، طبعة: دار الإيمان- الإسكندرية، ط3، 2002م، صـ (14)، وعبد رب النبي علي الجارحي، الزواج العرفي المشكلة والحل، طبعة: دار الروضة- القاهرة، بدون طبعة، وبدون تاريخ، صـ (38).

[15] ينظر: د. سعيد عبد العظيم، الزواج العرفي، صـ (14).

[16] يُنْظَر: الشيخ عطية صقر، موسوعة أحسن الكلام في الفتاوى والأحكام، (5/190)، وفتاوى وأحكام للمرأة المسلمة، صـ (87)، وموسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام، (1/385)، وأ.د. علي جمعة، الفتاوى الإسلامية من دار الإفتاء المصرية، (29/377، 382).

[17] ينظر: د. فارس محمد عمران، الزواج العرفي وصور أخرى للزواج غير الرسمي، طبعة: مجموعة النيل الدولية- القاهرة، ط1، 2001م، صـ (20)، ود. عبد الملك بن يوسف المطلق، الزواج العرفي داخل المملكة العربية السعودية وخارجها دراسة فقهية واجتماعية نقدية، صـ (186)، ود. سعيد عبد العظيم، الزواج العرفي، صـ (14)، وجمال بن محمد بن محمود، الزواج العرفي في ميزان الإسلام، طبعة: دار الكتب العلمية- بيروت، ط1، 1424هـ، 2004م، صـ (88).

[18] ينظر: د. فارس محمد عمران، الزواج العرفي وصور أخرى للزواج غير الرسمي، صـ (20)، ود. عبد الملك بن يوسف المطلق، الزواج العرفي داخل المملكة العربية السعودية وخارجها دراسة فقهية واجتماعية نقدية، صـ (186)،وعبد رب النبي علي الجارحي، الزواج العرفي المشكلة والحل، صـ (38).

[19] يُنْظَر: الشيخ عطية صقر، موسوعة أحسن الكلام في الفتاوى والأحكام، (5/190)، وفتاوى وأحكام للمرأة المسلمة، صـ (87).

______________________________________________

الكاتب: د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني