العصرانية - (1) العصرانية في حياتنا الاجتماعية

منذ 2022-01-14

مشكلة العصرانية في العالم الإسلامي من حيث انتقالها إليه من الغرب، وحال الأمة أمام هجمتها، ثم مواجهة الصحوة الإسلامية لها، وأخيراً رصد لبعض مظاهر العصرانية في حياة المسلمين الاجتماعية.

الحمدلله الواحد الأحد، الفرد الصمد، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه.
وبعد:
فقد كان المسلمون – في عصورهم المتأخرة – أمةً واحدةً، يجمعها التعلق بكتاب واحد هو القرآن الكريم، لا يداني قداستَه شيء، يسوقها هذا الكتاب إلى تعاليم هادية، هي: السنة النبوية، التي لا يماري في عظمتها وحُجَّيتها – إجمالاً – أحدً منهم.
 
ويعم هذه الأمة إلا القليل جهلٌ بدينها الذي تعظم كتابَه ونبيَّه وتفريطٌ في الإلتزام به، ومراوحةٌ بين العودة إليه، وعياً بضرورة الرجوع إلى منهاجه، من خلال محاولات الإصلاح والتجديد في تلك العصور، وبين التفلت منه إتباعاً للشهوات، وركوناً إلى الدنيا، وتلاعباً من قبل علماء السوء.
 
ولكن الأمر تغيّر في العصور الأخيرة حينما اتصلتْ هذه الأمة بأمة أخرى ذات نمط حضاري مغاير ومؤثر، فرض على من إتصل به من هذه الأمة المسلمة توجها وحركة جديدة في الحياة تغاير ما استمرأته أمتهم قبل ذلك.
 
حتى أصبح هؤلاء المتأثرون بفكرهم وَسَمْتهم أمةً داخل هذه الأمة، أي: أنه أصبح في داخل البيئة الإسلامية نمطان من الحياة مختلفان توجَّهاً وحركة، وأهدافاً.
 
وتفاعلت الحالة في هذه الأمة بني هذين النمطين:
الموروث الراكد.
والغريب الوافد.
ولقد كان حال الأمة السابق مرضاً، ولكنَّ النمط اللاحق الوافد أشد مرضاً، وأسوأ عاقبة.
لأن السابق – جهلاً وتفريطاً وإنحطاط همة – كان عرضاً ناتجاً عن فَقْد التوجيه السليم مع بقاء الفطرة سليمة، وقابلية الإنطلاق متوفرة.
 
أما اللاحق الذي تمثَّل في ولاء لغير الله، وحب لغير هذه الأمة، وتعلقٍ بغير دينها، فإنه وباء مدمر للفطرة، مفسد لقابلية الحياة الصحيحة، يوشك أن يكون قاتلاً لإنسانية المسلم.
 
وقد ظل المسلمون يقاومون آثار التردي الفكري والسلوكي الذي عم في العصور المتأخرة فترة من الزمن، ولمَّا يبلغوا الشأوَ المطلوب، وهم لمقاومة المرض الوافد، وما خلَّف من تشوهات بحاجة إلى جهود أوفر، وتركيز أكبر.
 
إنه لكي تصح نهضتهم التي يتوفَّزون لها الآن، والتي تطمح الصحوة الإسلامية إلى أن تكون فيها الإمَامَ الموجِّه، لابد من تقويم سليم وَجَرْدٍ مركَّز لحالة التردي التي رسَّخَتها – في المجتمعات المسلمة – تلك التوجيهاتُ الوافدة التي سارت بالمسلمين في غير الطريق الصحيح فترةً طويلة من الزمن، حتى تعمَّق ترديهم، وحاق بهم تَيْه كبير، ولابد أن يكون هذا التقويم شاملاً، وعميقاً، ومتواصلاً، من أجل أن يواكب خطورة هذا التردي.
 
هناك من يرى أنه آن لنا أن نتجاوز محاربة التخلف والفساد، ومقاومة عناصر الهدم في المجتمع الإسلامي بناءً على أن الصحوة بِمدِّها المتكائف قد اكتسحت كل ذلك وأنها تتطلع للبناء.
 
ومع إيجابية هذه المشاعر وشبابيتها المتوقدة، إلا أنه من الخطورة بمكان الانسياق العاطفي معها، وتجاوز مرحلة تهيئة الأرض، وإثبات صلاحيتها للبناء عليها.
مع إمكانية الجمع بين البناء على القدر الكافي من الصلاحية، ومزاولة عملية الفحص والتطهير اللازمة للأساس.

إن الصحوة الإسلامية رمز النهضة المرتقبة لهذه الأمة رغم توسعها، وإستقطابها الكبير لكافة أصناف الناس، والتحسن المتزايد في داخلها، ينبغي أن تعي أنها تسعى للإرتقاء بأمة قد أنهكت أديمَها ضربات النظم الفاسدة، والأفكار المنحرفة، والإستغلال البشع من أعداء حاقدين، وأبناء مخدوعين.
 
وهذه الدراسة القصيرة تستهدف التركيز على زاوية خطرة من زوايا هذا الموضوع، موضوع التيار الفكري الذي وفد على الأمة المسلمة واستهدف عزل المسلم عن الوحي الإلهي، وصرفه عنه، وربطه بالفكر المهيمن في هذا العصر البعيد عن هدي الله.
وهو التيار الذي تعددت أسماؤه، علمانياً وتنويرياً وحداثياً...
فضلاً عمّا تقمَّطَه من فلسفات، وضعية، ووجودية ويسارية وغيرها.
 
هذه الزاوية الخطيرة من زوايا هذا التيار – الذي آثرت من أسمائه إسم (العصرانية) بحكم شمول هذا الإسم لمدارسه المتنوعة، وصدقه على حقيقة هذا التيار – تتمثل في السريان العصراني في الحياة الاجتماعية والفردية للمسلمين.
إذ الدراسات الكثيرة لهذا التيار تتجه – غالباً – إلى أصول فلسفاته وكشف الوجوه البارزة لدعاته، ومناقشة الأطروحات الفكرية لمنظريه، ونحو ذلك من القضايا الفكرية.
 
ومن ثم تبقى تلك الزاوية جديرة بالإتجاه لدراستها لسبر آثار هذا التيار في جوانب حياة كثيرة من المسلمين، التي انفعلت بإيحاءاته، فأصابتها لوثاته، وإن كان عامةُ هؤلاء لا يعون فلسفات هذا التيار، ولا طروحاته، ولو عرفوها لكفروا بها، وأعلنوا براءهم من أهلها.
 
ومجتمعات المسلمين متفاوته في تأثرها بهذا التيار سعةً، وعمقاً، والكاتب مربوط – غالباً – بواقعه الذي يعيش في ظلاله، فلا تثريب عليه إن انعكس ذلك على ما يكتبه، فلم يأت شاملاً، ولا مستوعباً.
 
وهذا البحث الذي بين يديك يعرفك بالعصرانية في دائرة الظروف الواقعية، وفي ضوء الإسلام، لذا فإنه يتركز في مسائل أربع:
 
الأولى: في مفهوم العصرانية، وطبيعة البيئة التي ولدت فيها، وتطورها في بيئتها الغربية.
 
الثانية: مشكلة العصرانية في العالم الإسلامي من حيث انتقالها إليه من الغرب، وحال الأمة أمام هجمتها، ثم مواجهة الصحوة الإسلامية لها، وأخيراً رصد لبعض مظاهر العصرانية في حياة المسلمين الاجتماعية.
 
الثالثة: العصرانية والإسلام.
تمثلات العصرانية وإدراجها في إطار مصطلح شرعي، ثم ما بين العصرانية والعصرية، وبيان الموقف المطلوب إتخاذه تجاه العصرانية في هذه الآونة.
 
الرابعة: المجتمع السعودي والعصرانية.
بعض خصائص المجتمع السعودي التي كان لها أثر لى تفاعله مع العصرانية الوافدة، وحال هذا المجتمع تجاه العصرانية.
آمل أن يكون فيه ما يفيد المطلع عليه.
 

عبد الرحمن بن زيد الزنيدي

الأستاذ بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

 
المقال التالي
(2) منبتاً ومعنى ونشأة