فوائد مختصرة من مدارج السالكين لابن القيم - المقدمة

منذ 2022-02-17

حقيق بالإنسان أن ينفق ساعات عمره بل أنفاسه فيما ينال به المطالب العالية ويخلص به من الخسران المبين وليس ذلك إلا بالإقبال على القرآن وتفهمه وتدبَّره

{بسم الله الرحمن الرحيم }

المقدمة

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فمن مصنفات العلامة ابن القيم رحمه الله, المهمة: كتابه الماتع النافع " مدارج السالكين في منازل السائرين ", الذي شرح فيه كتاب " منازل السائرين : للإمام الهروي, رحمه الله.

وكتاب منازل السائرين, للإمام الهروي, فيه حق وباطل, قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ذكر في كتابه " منازل السائرين " أشياء حسنة نافعة وأشياء باطلة, ولكن هو فيه ينتهي إلى الفناء في توحيد الربوبية, ثم إلى التوحيد الذي هو حقيقة الاتحاد. وقال الإمام الذهبي رحمه الله: له نفس عجيب, لا يُشبه أئمة السلف في كتابه منازل السائرين, ففيه أشياء مُطربة, وفيه أشياء مشكلة, ومن تأمله لاح له ما أشرتُ إليه, والسنة المحمدية صلفة, ولا ينهض الذوق والوجد إلا على تأسيس الكتاب والسنة....ويا ليته لا صنّف ذلك. وقال الشيخ عبدالله محمد عثمان الأنصاري : كدره بما أورده من أشياء مشكله ومضطربه يخالف ظاهرها عقيدة السلف.

وقال الشيخ يوسف الطريف: فيه أشياء غير محمودة.

ولوجود هذه الأشياء الباطلة في كتاب الإمام الهروي فإن العلامة ابن القيم تعقبه في المواضع التي زلّ فيها. 

وقد أثنى على كتاب العلامة ابن القيم كثير من أهل العلم. قال الحافظ ابن رجب  رحمه الله: جليل القدر. وقال العلامة محمد حامد الفقي رحمه الله: من خير ما كتبه وحسبك بابن القيم في تهذيب النفوس والأخلاق والتأدب بآداب المتقين الصادقين.

وقال العلامة محمد صالح العثيمين رحمه الله: سورة الفاتحة...لا أحسن من الشرح الذي شرحه إيّاها ابن القيم رحمه الله في أول مدارج السالكين فإنه قد أتى من معانيها بالعجب العجاب الذي لا تجده في أي كتاب.

وقال فضيلة الشيخ صالح عبدالعزيز آل الشيخ : خلص...رحمه الله فيه ,كلام السلف من أدران كلام المتصوفة, وجعله كلاماً متسقاً,  كلاماً عظيماً,  كلاماً جميلاً, فيه إصلاح عبوديات القلب.

وقال الشيخ عبدالعزيز ناصر الجليل: شرح عظيم وميسر لكتاب منازل السائرين ...يغلب على شرحه رحمه الله تعالى الأسلوب السهل والتبسط الشديد لما يصعب فهمه...موسوعة علمية.

والعلامة ابن القيم رحمه الله مع شرحه لكتاب العلامة الهروي, له استطرادات فيها فوائد عديدة, يقول في منزلة التوبة: وهذه نبذة من بعض لطائف أسرار التوبة, لا تستهن بها, فلعلك لا تظفر بها في مصنفٍ البته. ولله الحمد والمنة, وبه التوفيق. وقال في فصل في مشاهد الخلق في المعصية: وهذا الفصل من أجل فصول الكتاب وأنفعها لكل أحدٍ, وهو حقيق بأن تثنى عليه الخناصر, ولعلك لا تظفر  به في كتاب سواه إلا ما ذكرناه في كتابنا المسمى " سفر الهجرتين وطريق السعادتين "

وكتاب العلامة ابن القيم يبين الطريق الصحيح لتزكية النفس وتهذيبها, ويتكلم على أعمال القلوب, والمنازل التي يتنقل بينها في السير إلى الله عز وجل, فهو مهم في موضوعه, وحيث أنه قد يصعب على كثيرين قراءة الكتاب كاملاً, ورغبةً في تقريبه لعموم المسلمين, فقد قمتُ بتوفيق من الله الكريم باختيار فوائد منه, لا تزيد الفائدة الواحدة عن ثلاثة أسطر, أسأل الله الكريم أن ينفعني وجميع المسلمين بها, وأن تكون عوناً لنا على العمل, فثمرة العلم العمل.

مقدمة الكتاب:

* لك الحمد على عفوك بعد قدرتك, فما كلُّ من قدّر عفا, ولا كلُّ من عفا يعفو عن قدرة, ولا كلّ من علِمَ يكون حليماً, ولا كلُّ حليم عالم, فما قرن شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم, ومن عفو إلى قدرة.

*  كتابه...شفاء الصدور من أدوائها وجواها, وحياة القلوب, ولذة النفوس, ورياض القلوب, وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح, والمنادي بالمساء والصباح: يا أهل الفلاح, حيَّ على الفلاح.  

* حقيق بالإنسان أن ينفق ساعات عمره بل أنفاسه فيما ينال به المطالب العالية ويخلص به من الخسران المبين وليس ذلك إلا بالإقبال على القرآن وتفهمه وتدبَّره واستخراج كنوزه وإثارة دفائنه وصرف العناية إليه والعكوف بالهمة عليه.

* القلب يعرض له مرضان عظيمان, إن لم يتداركهما تراميا به إلى التلف ولا بدّ, وهما الريا, والكبر, فدواء الرياء بــــــ {إيَّاكَ نَعْبُدُ } ودواء الكبر بـــــ    {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

* كثيراً ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول:  { إيَّاكَ نَعْبُدُ} تدفع الرياء, و{إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تدفع الكبرياء.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه: تأملت أنفع الدعاء, فإذا هو سؤال الله العون على مرضاته, ثم رأيته في الفاتحة في  { إيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

* كان يعرض لي آلام مزعجة, بحيث تكاد تقطع الحركة منَّي...فأبادر إلى قراءة الفاتحة, وأمسح بها محلَّ الألم, فكأنه حصاة تسقط, جربتُ ذلك مراراً عديدة.

* كنت آخذ قدحاً من ماء زمزم فأقرأ عليه الفاتحة مراراً وأشربه, فأجد به من النفع والقوة ما لم أعهد مثله في الدواء, والأمرُ أعظم من ذلك, ولكن بحسب قوّة الإيمان

* من هُدِي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم, الذي أرسل به رسوله, وأنزل به كتابه, هُدِى هناك إلى صراط الله المستقيم المُوصل إلى جنته ودار ثوبه.

* على قدر ثبوت قدمه على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار, يكون ثبات قدمه على الصراط المستقيم على متن جهنم, وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط

* لينظر الشهوات والشبهات التي تعوقه عن سيره على هذه الصراط المستقيم, فإنها الكلاليب التي بجنبتي ذاك الصراط, تخطفه, وتعُوقه عن المرور عليه, إن كثرت هنا وقويت, فكذلك هي هناك, {﴿ وما ربك بظلم للعبيد ﴾} [فصلت:46]

الطالب للهداية وسلوك الصراط...لا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له, فإنهم هم الأقلون قدراً, وإن كانوا الأكثرين عدداً, كما قال بعض السلف: " عليك بطريق الحق, ولا تستوحش لقلة السالكين, وإياك وطريق الباطل, ولا تغتر بكثرة الهالكين"

* كلما استوحشت في تفردك فانظر إلى الرفيق السابق, واحرص على اللحاق بهم, وغضّ الطرف عمن سواهم فإنهم لن يغنوا عنك من الله.

* الرؤيا مبدأ الوحي, وصدقها بحسب صدق الرائي, وأصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثاً, وهي عند اقتراب الزمان لا تكاد تخطئ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم, وذلك لبعد العهد بالنبوة وآثارها فيعوّض المؤمنون بالرؤيا.

* ومن أراد أن تصدق روياه فليتحرَّ الصدق, وأكل الحلال, والمحافظة على الأمر والنهي, ولينم على طهارة كاملة, مستقبل القبلة, ويذكر الله حتى تغلبه عيناه, فإن رؤياه لا تكاد تكذب البتة.

* أصدقُ الرُّؤيا: رؤيا الأسحار, فإنه وقت للنزول الإلهي, وسكون الشياطين, وعكسه رؤيا العتمة عند انتشار الشياطين والأرواح الشيطانية.

* يجد الشرير من الناس راحة...في إيصال شره إلى من يوصله إليه و كثير من الناس لا يهنأ له عيش في يوم لا يؤذي فيه أحداً من بني جنسه ويجد في نفسه تأذياً بحمل تلك السمِّية والشر الذي فيه حتى يُفرغه في غيره فيبرد عند ذلك أنينه وتسكن نفسه

* سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله....كثيراً يتمثل بهذا البيت:

     وليس يصحُّ في الأذهان شيء        إذا احتاج النهار إلى دليــــــــــلٍ

* رأينا الرافضة...في كل زمان...ما قام للمسلمين عدو من غيرهم إلا كانوا أعوانهم على الإسلام, وكم جروا على الإسلام وأهله من بليةٍ! وهل عاثت سيوف المشركين عُباد الأصنام من عسكر هلاكو أو ذويه إلا من تحت رؤوسهم.

* أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة. هم أهل ﴿  إيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾}حقيقة, فأعمالهم كلها لله وأقوالهم لله, وعطاؤهم لله, ومنعهم لله, وحبهم لله, وبغضهم لله, فمعاملتهم ظاهراً وباطناً لوجه الله وحده, لا يريدون بذلك جزاء من الناس ولا شكوراً.  

* كتابنا الكبير المسمى بـــ " مفتاح دار السعادة ومطلب أهل العلم والإرادة " وهو كتاب بديع في معناه.

* العلم به سبحانه, فخمس مراتب: العلم بذاته, وصفاته, وأفعاله, وأسمائه, وتنزيهه عما لا يليق به.

* مرتبة أصحاب اليمين فأداء الواجبات, وترك المكروهات, مع ارتكاب المباحات, وبعض المكروهات, وترك بعض المستحبات.

* مرتبة المقربين, فالقيام بالواجبات والمندوبات, وترك المحرمات والمكروهات, زاهدون فيما لا ينفعهم في معادهم, متورعون عمّا يخافون ضرره, وخاصتهم قد انقلبت المباحات في حقهم طاعاتٍ وقرباتٍ بالنية.

            كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ