فاستقم كما أمرت

منذ 2022-05-11

بعد رمضان ما لي أرى المصاحف تشكو إلى الله هجرها؟ والأرحام تشكو إلى الله قطعها؟ والأمانات تشكو إلى الله فقدها؟ والمساجد تشكو إلى الله قلة عمارها؟ والشوارع تشكو إلى الله فسقها؟ والأسواق تشكو إلى الله غشها وخداعها وفجورها؟!

أيها المسلمون: هل انتهت الطاعات بانتهاء شهر رمضان؟! هل انتهت العبادات بانتهاء شهر رمضان؟!

هل انتهي الصيام بانتهاء شهر رمضان؟! هل انتهت الصلاة بانتهاء شهر رمضان؟! هل انقضت الأمانات بانقضاء شهر رمضان؟!

 

بعد رمضان ما لي أرى المصاحف تشكو إلى الله هجرها؟ والأرحام تشكو إلى الله قطعها؟ والأمانات تشكو إلى الله فقدها؟ والمساجد تشكو إلى الله قلة عمارها؟ والشوارع تشكو إلى الله فسقها؟ والأسواق تشكو إلى الله غشها وخداعها وفجورها؟!

 

 

عباد الله: من كان يعبد رمضان، فإن رمضان انتهى، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت.

 

قال صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر»؛ (صحيح)؛ إنها الاستقامة على أمر الله.

 

 

وقال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد»؛ (صحيح)؛ إنها الاستقامة على طاعة الله.

 

 

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله»؛ (متفق عليه).

 

 

وعن عبدالله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألف لام ميم) حرف، ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف»؛ (رواه الترمذي وصححه الألباني).

 

 

عن ابن عمر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع إذا كن فيك، فلا عليك ما فاتك من الدنيا: صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وحسن الخلق، وعفة في طعمة»؛ لذلك يجب أن يستقيم المسلم على الطاعة في رمضان وبعد رمضان.

 

 

أيها المسلمون: الاستقامة علامة على طريق السلامة، ونجاة يوم القيامة، وفلاح يوم الحسرة والندامة، ونجاح كبير يوم الملامة!

 

 

هي في الدنيا أصل القوامة، وفي الآخرة فوز وكرامة، إنها الطريق القويم والصراط المستقيم، وقرب من الرحمن الرحيم.

 

 

الاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم، والدين القويم، من غير ميل عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها، الظاهرة والباطنة؛ [جامع العلوم والحكم].

 

 

وهي أمر خطير، لكنه لمن يسر الله عليه يسير؛ قال ربنا: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا} [هود: 112].

 

فئة من الناس اختصهم الله تعالى في الآية بمعية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم التائبون، وهذا شرف كبير لهم ورفعة عظيمة لقدرهم.

 

 

قال عليه الصلاة والسلام: «شيبتني هود»؛ يعني: سورة هود، والذي شيب النبي فيها هذا الأمر الخطير؛ أمر الاستقامة.

 

 

بل قد أمر الله تعالى بها أيضًا أنبياءه، فقال في حق موسى وأخيه عليهما السلام: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا} [يونس: 89]

أخذتم ما أردتم، فاستقيما على أمري.

 

عباد الله: الاستقامة لا تقبل بأنصاف الحلول، ولا تصلح بالملل والخمول، ولا تقوى بالبعد عن الله والرسول؛ لأنه "لا يستقيم الظل والعود أعوج".

 

 

تعلمنا من علوم الدنيا أن الخط المستقيم هو أقرب خط بين نقطتين، وفي علم الآخرة فإن الطريق المستقيم هو أقرب طريق إلى الجنة، كيف؟! {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].

 

 

يقول ذو النون: "إنما تنال الجنة بأربع: استقامة ليس فيها زوغان، وجهاد لا سهو معه، ومراقبة لله في السر والعلن، ومحاسبة للنفس قبل أن تحاسب، والاستعداد للموت بالتأهب له".

 

 

والاستقامة على طريق الحق تفتح الطريق للقلب الناصع، والحظ الرائع، والرزق الواسع، كيف؟! {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجن: 16].

 

ماء طاهر يناسب القلب الناصع والحظ الرائع.

 

 

المؤمن مطالب بالعبادة المستمرة، والطاعة الثابتة، والاستقامة الدائمة؛ ولذلك يسألها ربه في كل ركعة من صلاته: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6].

 

 

ولما كان من طبيعة الإنسان أنه قد يقصر في فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور، وهذا خروج عن الاستقامة، أرشده الشرع إلى ما يعيده لطريق الاستقامة، فقال تعالى مشيرًا إلى ذلك " فاستقيموا إليه واستغفروه " فصلت، التقصير هنا يجبر بالاستغفار المقتضي للتوبة. ثم مواصلة طريق الاستقامة، وهذا ما أشار إليه الحديث الشريف " اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها " صحيح

 

 

أيها المسلمون: إن المقاربة تؤدي إلى السداد، والسداد يؤدي إلى الاستقامة، والاستقامة بشرى بالنجاة يوم القيامة؛ وهذا ما عناه الحديث الشريف: «سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لن يُدخِلَ الجنة أحدًا عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل»؛ (صحيح مسلم).

 

 

وقوله صلى الله عليه وسلم. «وأبشروا»؛ أي: إذا قمتم بما أُمرتم به من سلوك سبيل السداد، فأبشروا بالثواب الجزيل، الذي يتفضل الله به على من أخلص له العبادة، وسار على الصراط المستقيم الذي بعث الله به رسوله الكريم، عليه أفضل الصلاة والتسليم.

 

 

والاستقامة في حقيقتها تحقيق للعبودية التي هي الغاية من خلق الإنس والجن، وبها يحصل للمرء الفوز والفلاح.

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].

 

اتباع الرسول والسير مع القرآن أينما سار هداية إلى سبل السلام، ونور في الظلمات، وإرشاد للطريق المستقيم، كيف؟! {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15، 16].

 

 

وهنا يجب أن يتجلى الإخلاص لكي يصل المؤمن إلى هذه النتائج؛ {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5].

 

 

المستقيم على أمر الله ونهيه مندرج في القانون الذي عليه الكون كله، فهو مستقيم على أمر الله، حجره وشجره، شمسه وقمره، أرضه وسماؤه، وجباله وبحاره، وديدانه وأنهاره، دوابه ودروبه، كواكبه ونجومه، الكون بأسره عابد لله عز وجل، مطيع لأمر سيده ومولاه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18].

 

 

عباد الله: الاستقامة في حفظ الجوارح عن المحرمات، فاللسان يُحفَظ عن الغيبة والنميمة وأكل لحوم الناس بالباطل، والبصر يحفظ عن عورات الناس واختصاصاتهم، والفؤاد يحفظ عن الخداع والنفاق، والعقل يحفظ عن المكر السيئ، واليد تحفظ من البطش والسرقة، والبطن تحفظ عن أكل الحرام؛ وليكن نصب عينيه قوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36].

 

 

قال عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»؛ (صحيح).

 

 

من أراد الاستقامة يجب أن يبتعد عن الشيطان وخيوطه ووساوسه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النور: 21].

 

 

أيها المسلمون: إن الاستقامة هي تمسُّك المسلم بمبادئه المتفقة مع الدين، ومعتقداته المنبثقة من الشريعة، مهما كلف ذلك من عنت ومشقة، ومهما ضيع من فرص ومكاسب، إذا أراد الإنسان أن يعيش وفق مبادئه.

 

إن تحقيق المصلحة على حساب المبدأ يعد انتصارًا لشهوة أو مصلحة آنية، أما الانتصار للمبدأ على حساب المصلحة، فإنه بمثابة اعتلاء قمة من الشعور بالسعادة والرضا، والنصر والحكمة، والانسجام والثقة بالنفس.

 

 

عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل رجل الجنة لا يأمن جاره بوائقه»؛ (صحيح).

 

 

عباد الله: الإيمان بالله يحتاج إلى استقامة على أمر الله، تنميه وتغذيه وتثبته؛ لمَّا جاء سفيان بن عبدالله الثقفي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قل: آمنت بالله، ثم استقم».

 

قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "الاستقامة ألا تشرك بالله شيئًا".

 

 

وقال الفاروق سيدنا عمر عملاق الإسلام رضي الله عنه: "أن تستقيم على الأمر والنهي، أن يجدك الله حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك، ولا تروغ روغان الثعلب".

 

 

قال ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه: "استقاموا؛ أي: أخلصوا العمل لله".

أما سيدنا علي رضي الله عنه وابن عباس فقالا: "استقاموا؛ أي: أدوا الفرائض".

 

وقال صلى الله عليه وسلم: «اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارضَ بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس»؛ [صحيح].

 

بعض العلماء يقول: استقاموا؛ أي: استقاموا على محبته وعبوديته.

العبودية غاية الخضوع مع غاية الحب، هذا معنى استقاموا.

 

 

إذا استقمت على أمر الله، فأنت في سعادة نفسية، توفيق في العمل، سرور، طمأنينة، شعور بالراحة، شعور بالتفوق، هذا كله من لوازم الاستقامة (استقيموا ولن تحصوا).

 

 

عباد الله: الاستقامة تعني أول ما تعني مراقبة الله في السر والعلن، ومجاهدة النفس، والهوى، ومغالبة الشيطان من الإنس والجان، وعدم الغفلة عن ذلك، ومحاسبتها في كل وقت وحين؛ عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًّا ثم قال: «هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» ، ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].

 

 

وفي الصحيح عن حذيفة رضي الله عنه قال: ((يا معشر القراء استقيموا، فقد سبقتم سبقًا بعيدًا))، وفي رواية: ((‏فإن استقمتم فقد سبقتم، فإن أخذتم يمينًا وشمالًا فقد ضللتم ضلالًا بعيدًا)).

 

 

استقيموا بأن تحفظوا الله في فروضه وحدوده وعهوده، يحفظكم في دينكم وأموالكم وأنفسكم، كونوا مع الله يكن الله معكم، في حلكم وترحالكم، في حركاتكم وسكناتكم، في يسركم وعسركم، في قوتكم وضعفكم، في غناكم وفقركم، جاهدوا أنفسكم، وجاهدوا القلوب المترددة الملتوية المترددة بالنصيحة وبالحكمة والموعظة الحسنة، ففي ذلك دليل الإيمان.

 

اللهم ثبت قلوبنا على دينك، وصرف قلوبنا إلى طاعتك.