من درر العلامة ابن القيم عن الذنوب والمعاصي (5)

منذ 2022-05-21

& كمال الآدمي في هذه الدار بالتوبة النصوح, وفي الآخرة بالنجاة من النار ودخول الجنة, وهذا الكمال مرتب على كماله الأول.


الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد:

                                     " الفوائد "

الصبر على الشهوة أسهلُ من الصبر على ما تُوجبه الشهوةُ فإنها إما أن توجب ألماً وعقوبة وإما أن تقطع لذة أكمل منها, وإما أن تضيع وقتاً إضاعته حسرة وندامة, وإما أن تثلم عرضاً توفيره أنفع للعبد من ثلمه, وإما أن تذهب مالاً بقاؤه خيراً له من ذهابه, وإما أن تضيع قدراً وجاهاً قيامُهُ خير من وضعه, وإما أن تسلب نعمةً بقاؤها ألذُّ وأطيبُ من قضاء الشهوة...وإما أن تجلب هماً وغماً وحزناً وخوفاً لا يقارب الشهوة وإما أن تنسي علماً ذكره ألذُّ من نيل الشهوة وإما أن تُشمَّت عدواً وتحزن ولياً وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة وإما أن تحدث عيباً يبقي صفة لا تزول.

  • أصول الخطايا:

أصول الخطايا: الكبرُ وهو الذي أصار إبليس إلى ما أصاره والحرص وهو الذي أخرج آدم من الجنة والحسدُ وهو الذي جرَّأ أحد ابني آدم على أخيه فمن وقي شرَّ هذه الثلاثة فقد وقي الشَّرَّ فالكفر من الكِبر والمعاصي من الحرص والظلم  من الحسد.

  • أمور تتولد عن المعصية والغفلة عن ذكر الله:

قلةُ التوفيق, وفسادُ الرأي, وخفاء الحق, وخُمول الذكر, وإضاعة الوقت, ونفرةُ الخلق, والوحشة بين العبد وبين ربه, ومنع إجابة الدعاء, وقسوة القلب, ومحق البركة في الرزق والعمر, وحرمان العلم, ولباس الذُّلِّ, وإدالة العدو, وضيقُ الصدر, والابتلاء بقرناء السوءِ الذين يفسدون القلب ويضيعون الوقت, وطول الهمَّ والغمِّ, وضنكُ المعيشة, وكسفُ البال: تتولد من المعصية والغفلة عن ذكر الله كما يتولد الزرع عن الماء والإحراق عن النار, وأضداد هذه تتولد من الطاعة.

لو لم يكن في ترك الذنوب والمعاصي إلا إقامة المروءة, وصون العرض, وحفظ الجاه, وصيانة المال الذي جعله الله قواماً لمصالح الدنيا والآخرة, ومحبة الخلق, وصلاح المعاش, وراحة البدن, وقوة القلب, وطيب النفس, ونعيم القلب, وانشراح الصدر, والأمن من مخاوف الفساق والفجار, وقلة الهمّ والغم والحزن, وعزّ النفس عن احتمال الأذى, وصون نور القلب أن تطفئه ظلمة المعصية, وحصول المخرج مما ضاق على الفساق والفجار, وتيسير الرزق عليه من حيث لا يحتسب, وتيسير ما عسُرَ على أرباب الفسوق والمعاصي, وتسهيل الطاعات عليه, وتيسير العلم, والثناء الحسن في الناس, وكثرة الدعاء له, والحلاوة التي يكتسبها وجهه, والمهابة التي تُلقى له في قلوب الناس, وانتصارهم وحميتهم له إذا أُوذي وظُلم, وذبُّهم عن عرضه إذا اغتابه مغتاب, وسرعة إجابة دعائه, وزوال الوحشة التي بينه وبين الله, وقُربُ الملائكة منه, وبعدُ شياطين الإنس والجن منه, وتنافس الناس في خدمته وقضاء حوائجه, وخطبتهم لمودته وصحبته, وعدم خوفه من الموت بل يفرح به لقدومه على ربه ولقائه له ومصيره إليه, وصغرُ الدّنيا في قلبه, وكِبَرُ الآخرة عنده, وحرصُهُ على الملك الكبير والفوز العظيم فيها, وذوقُ حلاوة الطاعة, ووجدُ حلاوة الإيمان, ودعاءُ حملة العرش ومن حوله من الملائكة له, وفرحُ الكاتبين به ودعاؤُهم له كل وقت, والزيادة في عقله وفهمه وإيمانه ومعرفته, وحصول محبة الله له وإقباله عليه وفرحه بتوبته, وهكذا يجازيه بفرح وسرور لا نسبة له إلى فرحه وسروره بالمعصية بوجهٍ من الوجوه. فهذه بعض آثار ترك المعاصي في الدنيا.

  • آثار وثمار ترك الذنوب بعد الموت:

فإذا مات تلقّته الملائكةُ بالبشرى من ربه بالجنة, وبأنه لا خوف عليه ولا حُزن, وينتقل من سجن الدنيا وضيقها, إلى روضة من رياض الجنة ينعم فيها إلى يوم القيامة.

فإذا كان يوم القيامة كان الناس في الحرِّ والعرَقِ, وهو في ظلِّ العرش.

فإذا انصرفوا من بيدي الله أخذ به ذات اليمين مع أوليائه المتقين وحزبه المفلحين.

و  {ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}  [الحديد:21]

  • فوائد متفرقة:

& لولا تقدير الذنب هلك ابن آدم من العجب.

& دخل الناس النار من ثلاثة أبواب باب شبهةٍ أورثت شكّاً في دين الله وباب شهوةٍ أورثت تقديم الهوى على طاعته ومرضاته, وباب غضب أورثت العدوان على خلقه.

& للعبد ستر بينه وبين الله, وستر بينه وبين الناس, فمن هتك الستر الذي بينه وبين الله, هتك الله الستر الذي بينه وبين الناس. 

& اللذة المحرمة ممزوجة بالقبح حال تناولها, مُثمرة للألم بعد انقضائها, فإذا اشتدت الداعية منك إليها ففكِّر في انقطاعها وبقاء قبحها وألمها, ثم وزان بين الأمرين, وانظر ما بينهما من التفاوت.

& أصول المعاصي كلها – كبارها وصغارها- ثلاثة: تعلق القلب بغير الله, وطاعة القوة الغضبية, والقوة الشهوانية. وهي: الشرك, والظلمُ, والفواحش.

& كلما كان القلب أضعف توحيداً وأعظم شركاً كان أكثر فاحشةً وأعظم تعلقاً بالصور وعشقاً لها.

& كيف يكون عاقلاً من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة ؟!

                                   " مفتاح دار السعادة "

& قال السدي: كلُّ من عصى الله فهو جاهل.

& قال بشر: لو فكر الناس في عظمة الله ما عصوه.

& من بنى أمره على أن لا يعف عن ذنب, ولا يقدم خوفاً, ولا يدع لله شهوةً وهو فرح مسرور يضحك ظهراً لبطن إذا ظفر بالذنب, فهذا الذي يُخافُ عليه أن يحال بينه وبين التوبة, ولا يوفق لها.

& كمال الآدمي في هذه الدار بالتوبة النصوح, وفي الآخرة بالنجاة من النار ودخول الجنة, وهذا الكمال مرتب على كماله الأول.

                         كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ