أعمال وقربات تعدل الحج في الثواب

منذ 2022-06-27

لما كان الحج من أفضل الأعمال بعد الجهاد في سبيل الله، وقد يفقد المسلم الاستطاعة بسبب المرض أو الوباء أو عدم القدرة المالية - فإن الله شرع لعباده أعمالًا وقرباتٍ يبلُغ أجرها أجرَ الحج والعمرة.

لما كان الحج من أفضل الأعمال بعد الجهاد في سبيل الله، وقد يفقد المسلم الاستطاعة بسبب المرض أو الوباء أو عدم القدرة المالية - فإن الله شرع لعباده أعمالًا وقرباتٍ يبلُغ أجرها أجرَ الحج والعمرة.

 

وفي البداية أحب أن أنبه على أمرٍ؛ وهو أن الأعمال التي تعدل الحج إنما تكون في الجزاء، لا في الإجزاء، وإلا فحج الفرض لا يسقط عن القادر عليه إذا انتفتِ الموانع، فإذا وُجدت الموانع من مرض أو وباء أو عدم قدرة، تأكدت تلك الأعمال.

 

ومن الأعمال التي تعدل الحج في الثواب والجزاء لا الإجزاء، ما يلي:

أولًا: عقد النية الصادقة على أداء الحج:

صدْقُ النية مع الله على أداء فريضة الحج؛ فقد روى جابر رضي الله عنه قال: ((كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غَزاةٍ، فقال: «إن بالمدينة رجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا، إلا كانوا معكم؛ حبسهم المرض» [1].

 

قال الإمام النووي رحمه الله: "وفي هذا الحديث فضيلة النية في الخير، وأن من نوى الغزو وغيره من الطاعات، فعَرَض له عذرٌ منعه، حصل له ثواب نيته"[2].

 

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «من سأل الشهادة صادقًا، بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» [3].

 

 

ثانيًا: المحافظة على صلاة الفريضة في المسجد:

روى أبو أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة، فأجره كأجر الحاج المُحْرِم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى[4] لا ينصبه[5] إلا إياه، فأجره كأجر المعتمر، وصلاةٌ على أَثَرِ صلاة لا لغوَ بينهما كتابٌ في عليين» [6].

 

هذا، وتنوعت أقوال الشراح في تشبيه الخارج المتطهر لأداء الصلاة المفروضة في المسجد بالمحرم للحج، فقيل: يُؤتَى من الثواب الذي يضاعفه الله؛ بحيث يوازي ثواب الحاج المحرم بالفعل، وقيل: للمشابهة بينهما في الإثابة من لدن الخروج إلى الرجوع؛ يعني: كما أن الحاج من أول خروجه من بيته إلى أن يرجع إلى بيته يُكتب له بكل خُطوة أجرٌ، فكذلك المصلي إذا توضأ وخرج إلى الصلاة إلى أن يرجع يُكتب له بكل خطوة أجر، وقيل: كان أجره كأجر الحاج؛ لأنه توجه إلى بيته لأجل عبادته كالحج[7].

 

ثالثًا: صلاة الفجر في جماعة ثم ذِكْرُ الله حتى طلوع الشمس ثم صلاة ركعتين:

روى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى الغداة في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلُع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة»، قال؛ أي أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تامة تامة تامة» [8].

 

أي: كانت مثوبة مَن فعل ذلك كأجر حجة وعمرة، وقوله: «تامة تامة تامة»، صفة لحجة وعمرة، وكررها ثلاثًا للتأكيد[9]، وهذا الحديث حسَّنه الترمذي، وله شواهد كثيرة؛ منها ما جاء في رواية الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاة الغداة في جماعة، ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم قام فصلى ركعتين، انقلب بأجر حجة وعمرة» [10].

 

وهذا العمل البسيط له أجر كبير، وهذا من فضل الله على عباده، عمل ليس فيه مشقة ومتاح للصغير والكبير والمريض أن يأخذ هذا الأجر والثواب، دون مشقة الحج، الذي فيه بذل المال، وسعي البدن، وتحمُّل المشاق.

 

رابعًا: العمرة في رمضان تعدل حجة:

فقد أخرج الإمام مسلم عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لامرأة من الأنصار يُقال لها أم سنان: «ما منعك أن تكوني حججتِ معنا» ؟ قالت: ناضحان[11] كان لأبي فلان – تعني زوجها – حج هو وابنه على أحدهما، وكان الآخر يسقي عليه غلامنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فعمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي» [12]، وفي رواية أخرى: ((يعمرة في رمضان كحجة مع))[13]، ومعنى قوله: ((كحجة معي))؛ أي: في ثوابها وجزائها، في روحانيتها ومشاعرها، حين تجد لها نفس المذاق الذي وجده من حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ((كحجة معي)) في بركتها وأثرها في إحياء القلوب، وتهذيب النفوس.

 

خامسًا: الأذكار عقب الصلوات المفروضة:

فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: ((جاء الفقراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ذهب أهل الدثور – الدثور: جمع دثر؛ وهو المال الكثير - من الأموال بالدرجات العلا، والنعيم المقيم؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدقون، قال: «ألا أحدثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خيرَ من أنتم بين ظَهْرَانيه، إلا من عمل مثله: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين»، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله، فقالوا: سمِع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» [14].

 

سادسًا: التبكير لصلاة الجمعة:

روى سهل بن سعد الساعدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لكم في كل جمعة حجة وعمرة، فالحجة: الهجير للجمعة، والعمرة: انتظار العصر بعد الجمعة» [15].

 

والهجير: اشتداد الحر نصف النهار، والتهجير والتهجر والإهجار: السير في الهاجرة[16].

 

سابعًا: قضاء حواج الناس:

روى الإمام البيهقي بسنده عن علي بن حسين قال: ((خرج الحسن يطوف بالكعبة، فقام إليه رجل فقال: يا أبا محمد، اذهب معي في حاجة فلان، فترك الطواف وذهب معه، فلما ذهب، قام إليه رجل حاسد للرجل الذي ذهب معه، فقال: يا أبا محمد، تركت الطواف وذهبت معه؟ قال: فقال له الحسن: وكيف لا أذهب معه ورسول الله قال: «من ذهب في أمر لأخيه المسلم، فقُضيت حاجته، كُتبت له حجة وعمرة، وإن لم يُقضَ كُتبت له عمرة»، فقد اكتسبت حجة وعمرة، ورجعت إلى طوافي))[17].

 

وقوله: «كُتبت له حجة وعمرة»؛ أي: كُتب له ثواب حجة وعمرة مقبولتين؛ مكافأة له على السعي في قضاء حاجة أخيه[18].

 

ثامنًا: بر الوالدين:

عن أنس، قال: ((أتى رجلٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه، قال: هل بقيَ من والديك أحد؟ قال: أمي، قال: فأبْلِ الله في برها، فإذا فعلت ذلك؛ فأنت حاج ومعتمر ومجاهد، فإذا رضيَت عنك أمك، فاتقِ الله وبرَّها))[19].

 

تاسعًا: حضور مجالس العلم:

عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرًا، أو يعلمه، كان له كأجر حاج تامًّا حجته» [20].

 

عاشرًا: حسن تبعُّل الزوجة لزوجها وطلبها مرضاته:

روى البيهقي وغيره عن أسماء بنت يزيد الأنصارية من بني عبد الأشهل، ((أنها أتتِ النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه، فقالت: بأبي أنت وأمي، إني وافدة النساء إليك، واعلم – نفسي لك الفداء – أما إنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب، سمعت بمخرجي هذا أو لم تسمع، إلا وهي مثل رأيي، إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء، فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك، وإنا - معشر النساء - محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم - معاشر الرجال - فُضلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن الرجل منكم إذا أُحرج حاجًّا أو معتمرًا ومرابطًا، حفظنا لكم الأموال، وغزلنا لكم أثوابًا، وربينا لكم أولادكم، فما نشارككم في الأجر، يا رسول الله؟ قال: فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بوجهه كله، ثم قال: «هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسنَ من مسألتها في أمر دينها من هذه» ؟ فقالوا: يا رسول الله، ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها ثم قال لها: «انصرفي - أيتها المرأة - وأعْلِمي مَن خلفكِ من النساء أن حُسْنَ تبعُّلِ إحداكن لزوجها، وطلبِها مرضاتَه، واتباعها موافقته تعدِل ذلك كله، قال: فأدبرت المرأة، وهي تهلل وتكبر استبشارًا» [21].

 


[1] رواه مسلم.

[2] شرح النووي، 13/ 59.

[3] صحيح أبي داود.

[4] يريد: صلاة الضحى وكل صلاة يتطوع بها فهي تسبيح وسبحة.

[5] أي: لا يتعبه ولا يزعجه إلا ذلك، وأصله من النَّصب؛ وهو معاناة المشقة؛ [انظر: معالم السنن شرح سنن أبي داود، لأبي سليمان الخطابي، 1/ 203].

[6] أخرجه أبو داود في سننه برقم 558، وأخرجه البيهقي في سننه برقم 4973.

[7] شرح المصابيح للبغوي، 2/ 157.

[8] أخرجه الترمذي في سننه برقم: 586.

[9] تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للمباركفوري، 3/ 194.

[10] الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، 1/ 296.

[11] والناضح: الجمل.

[12] رواه مسلم.

[13] صحيح الجامع برقم 4098.

[14] رواه مسلم.

[15] أخرجه البيهقي في سننه، برقم 5950.

[16] النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، مادة هجر.

[17] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، برقم: 7246.

[18] السراج المنير بشرح الجامع الصغير للعلامة العزيزي، 3/ 357.

[19] رواه أبو يعلى في مسنده برقم 2760، والطبراني في الأوسط والصغير بإسناد جيد.

[20] رواه الطبراني برقم: 7346، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.

[21] شعب الإيمان للبيهقي، 11/ 177، رقم 8369.