النفاق الإداري

منذ 2022-07-14

هناك خيط رفيع بين احترام المدير وتوقيره وبين التملق إليه ونفاقه، يقترن الاحترام بالإخلاص، بينما يقترن النفاق بالرياء والتملق.

 

 يطلق عليه البعض العهر الإداري. ماهو؟! هو وجود شخص أو جماعة من المرؤسين يظهرون أمام رؤسائهم في العمل بمظهر الأمناء المخلصين المحبين للعمل ولرئيسهم في العمل، يحيطون المدير بهالة وهاجة من التملق والإطراء المبالغ فيه بسبب وبدون سبب، تعمي هذه الهالة الكاذبة بصر وبصيرة المدير عن إدراك الحقائق وصالح العمل، واعتبار ما يتخذه المدير هو عين الصواب فإذا ما فشل المدير في أمر ما نتيجة ما اتخذه من قرارات هرول هؤلاء المنافقين مبررين ما حدث بأنه ما هو إلا بسبب عدم إخلاص من دونه من المرؤوسين في العمل.

ما مخاطر النفاق الإداري؟!

ويصنف النفاق الإداري ضمن خيانة الأمانة، بل هو من أخطر أنواع الخيانات إن لم يكن أخطرها؛ لأنه يقلب قيم العمل، ويربك معايير الصواب والخطأ، ويضلل المسئولين، كما أنه يؤدي إلى فقدان ثقة الموظفين في الجهاز الإداري في أنفسهم، وضعف روح الانتماء المؤسسي لديهم. كما أنه يؤدي إلى استبدال المفاهيم والقيم الأصيلة بقيم ومفاهيم غريبة ودخيلة على الدين والأعراف مفادها من تملق وصل ومن نافق ظفر وبهذا التوصيف تختفي القيم التي تقول من جد وجد ومن زرع حصد، وهذه المفاهيم بلاشك تؤدي إلى التثبيط وشيوع البلادة وضعف الهمم وتلاشي قيم الإحسان، مما يؤدي إلى إرباك بيئة العمل وعدم الاستقرار فيها، مرورا بضعف الإنتاج، انتهاء بدمار المؤسسات وخرابها.

 لماذا يشيع النفاق الإداري في الدول النامية؟!

النفاق الإداري يوجد في جميع البيئات التنظيمية في جميع دول العالم، ولكن بنسب متفاوته، أكثرها في المجتمعات النامية، لا سيما في مجتمعاتنا العربية؛ نظرا لغياب الشفافية الإدارية وشيوع الكثير من الأمراض الإدارية كالوساطة والرشوة.. وتولية المناصب لأهل الثقة دون أهل الخبرة، مما يجعل المرؤس فاقد للثقة مستسلم للبيروقراطية الإدارية والنفوذ الإداري. فيستسلم مريض النفس ممن لم يتحصن بقيم راسخة وإيمان عميق للنفاق الإداري.

 ما التحليل الاجتماعي لهذه الظاهرة؟! يعود ذلك لضعف العقل الجمعي في المجتمعات النامية وشيوع ثقافة القطيع، فقد أدت حالة التدهور الحضاري في هذه المجتمعات إلى فقدان الثقة في النفس والبكاء على أطلال حضارة أفلت، ومن ثم الثقة التامة في القديم والتقليد الأعمى للآباء، وغياب شبه تام للتفكير الإبداعي، ومن هنا تخلت هذه المجتمعات عن دورها في التفكير الناقد والتفكير المبدع إلى الانصياع التام والنفاق العام. كما يعود ذلك للنظرة الدونية من المرؤسين لأنفسهم وتقديس المديرين، فإذا منّ عليهم المدير بعبارة طيبة تبادروها وفرحوا بها وكأنها منحة من السماء.

 ما دوافع النفاق الإداري؟!

هذا النفاق يكون من جانب المرؤوسين لظروف بيئية أو سلوكية وقد يكون الدافع من ورائه مطمع مادي ( حوافز – ترقيات ) أكثر من زملائهم ، أو مطمح معنوي كالظهور أمام زملائهم بمظهر صاحب المدير أو من شلته التي تشاركه في صناعة القرار، وقد يرجع النفاق على حقد البعض من المنافقين على زملائهم المخلصين في العمل محاولين تشويه صورتهم الحقيقية لدى الرئيس تطلعاً بالاستثناء لأنفسهم بحب الرئيس وتقديره. وبعضهم يستسلم للنفاق الإداري انسياقا خلف الكثرة الكاثرة (كما القطيع)، وبعضهم خوفا من الاستبعاد السلبي وعدم رضا المدير.

ما تحليل شخصية المنافق الإداري؟! هو شخص لديه ضعف واضح في الإيمان وفي القيم والأخلاق، مما يجعله يبرر أي وسيلة لإشباع نزواته وتحقيق مطالبه والانصياع لأهوائه. وقد وصف علماء النفس المنافق بأنه شخص مريض متآمر وصولي ومتسلق هادم للتماسك الإجتماعي وموصوفا بصفة شيطانية ترفضها الشريعة الإسلامية وكل الشرائع السمحاء – هو إنسان مبتلى بداء يصيب القلب فيتمكن من الجسم فيكون بذلك بعيدآ عن النهج الرباني وتعاليم الأديان فاقدا للتربية والتنشئة السليمة دائمآ يعوض شعوره بالنقص والدونية بمثل هذة الأفعال ليلفت النظر الإنتباه إليه – لتبقى في النهاية هذة الظاهرة غير أخلاقية مهما تكن المبررات. وقد وصف القرآن هذه الشخصية بالكلب:  {وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ}

 ما تحليل شخصية المدير المستجيب للنفاق الإداري؟! في الحقيقة المدير الذكي وصاحب الدراية (الخبرة) أو الرواية (العلم) بأساليب المنافقين لا تنطلي عليه حيلهم. والمنافق يجد ضالته في المدير عديم الرواية أو الدراية، والمدير عديم الثقة بأهليته لمنصبه الذي يبحث دائما لمن يجبر نقصه، والمدير المغرور الذي لا يشبع من الإطراء والمديح، كل هؤلاء المديرون يقربون منهم المنافقين ويستبعدون الناصحين. لك أن تتخيل أن هذا الآفاق يتزلف إلي أنواع المديرين السابق ذكرهم بغير شروط ويتودد إليهم على الدوام، وفي هذة الحالة ينفصل المدير عن واقعه لتوفير ذلك المنافق واقعا بديلاً مملوء بالكذب والخداع فيخيل إليه أنه حبا ووفاءا . ما الفرق بين النفاق والإحترام الإداري؟!

طاعة المدير (وهو ولي أمر في إدارته) واجبة دينيا بضوابطها وشروطها، وهي من آكد الواجبات التي دعت إليها الشريعة الإسلامية، والمرؤس إذا استحضر النية وهو يطيع مديره أثابه الله على ذلك خيرا ورفع درجته في الدنيا والآخرة، ولا خلاف في ذلك، ويترتب على ذلك وجوب احترام المدير وتوقيره.

ولكن هناك خيط رفيع بين احترام المدير وتوقيره وبين التملق إليه ونفاقه، يقترن الاحترام بالإخلاص، بينما يقترن النفاق بالرياء والتملق.

محمد سلامة الغنيمي

باحث بالأزهر الشريف