الحكمة من ابتلاء المؤمن والكافر .. وهل الوفرة مقدمة للهلاك؟

منذ 2022-08-11

فالسنة الربانية القدرية الكونية قضت بأن تكون الدنيا دار اختبار لا دار قرار والمشقات في طريق الخير والحق هي من أدوات هذا الاختبار

 

إن الوفرة تؤدي فى أغلب الأحوال إلى الإسراف سواء فى السلوك الشخصي أو الإداري أو العسكري أو السياسي فضلا عن السلوك الإجتماعي وذلك من سنن الله القدرية الكونية، ولذلك يتجه علماء النفس والتربية والاجتماع والإدارة والعلوم السياسية والعسكرية والاقتصادية إلى لجم جماح الإسراف والفساد الذي تسببه الوفرة عبر تدابير متعددة تختلف باختلاف المجال ولكن كلها قائمة على التضييق على الفاعل تضييقا يجري اختياره نوعا وكما بدقة كى لا يعدو كونه تربية أو اختبارا أو تدريبا أو تمرينا أو ضبطا لازما كى لا يحدث الفساد أو الترهل والتراخي أو ضعف العزيمة أو سوء تقدير العواقب وخلل ميزان المصالح والمفاسد والتى كلها من جوانب الإسراف الناتج عن الوفرة.

الوفرة والإسراف

والأدلة على أن الوفرة تؤدي غالبا للإسراف والفساد عديدة ومنها قوله تعالى: " {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ. وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ. وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} " (الزخرف آيات 23-25).
ومن الأدلة أيضا قوله تعالى: " {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} " (الشورى آية 27).
ومنها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ".. «فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تُبْسَطَ عليكم الدنيا كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا فتهلككم كما أهلكتهم» " (رواه البخارى ومسلم وأحمد وغيرهم أنظر الجامع الكبير للسيوطي حديث رقم 3436).
وليس معنى هذا أن على المؤمن أن يزهد فى الموارد الدنيوية وينبذها بالكلية فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم "نِعِمَّا بِالمَالِ الصَّالِحِ للِرَّجُلِ الصَّالحِ". (رواه أحمد فى مسنده والبخاري فى الأدب المفرد والحاكم وغيرهم، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني أنظر السلسلة الضعيفة للألباني ضمن التعليق على حديث رقم 2042).

مقياس الخطأ والصواب في السلوك المالي

ولعل الحديث النبوي التالي يوضح المقياس الدقيق للسلوك المناسب الذي يجعل الوفرة مفيدة وغير مفسدة لأصحابها ويشير لبعض جوانب الوفرة المفسدة فقال صلى الله عليه وآله وسلم «"إِنَّما أخَافُ عَلَيْكُمْ مِن بَعْدِى مَا يُفْتحُ عَلَيكُم مِنْ زَهْرَة الدُّنْيَا وَزِينَنِهَا، قَالَ رجُلٌ: أَوَ يَأتِى الخَيْرُ بِالشَّر يَا رَسْولَ اللَّه؟ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَأتِى الخْيَرُ بِالشَّرِّ، وإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أوْ يُلِمُّ إِلَّا آكلَةَ الخَضَر، فَإِنَّها أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَلأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتقْبَلَتِ الشَّمْسَ فَثَلَطَت وبَالَت ثُمَّ رَتَعَت، وَإنَّ هَذَا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِم هُوَ، لِمَنْ أعْطَاهْ المِسكيِنَ، والْيَتيمَ، وابْن السبيل، فَمَنْ أخَذَهُ بَحَقَهِ وَوَضَعَهُ فِى حَقِّه فَنعْمَ المَعُونةُ هُوَ، وَمَنْ أخَذَهُ بَغَيْر حَقَه كَانَ كَالَّذِى يأكل وَلَا يَشْبَعُ وَيَكون عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الَقيَامَة» "(رواه البخاري ومسلم وغيرهما أنظر الجامع الكبير للسيوطي حديث رقم 7695)
فهذا الحديث يوضح أن الوفرة المحمودة هي التي تأتي بطرق مشروعة وتستهلك فى طاعة الله "مَنْ أخَذَهُ بَحَقَهِ وَوَضَعَهُ فِى حَقِّه" وفق نص الحديث، وحكمها فى هذه الحالة أنها "نعْمَ المَعُونةُ" كما فى نص الحديث الآنف، وهو نفس المعنى فى الحديث الذي قبله حين قال "نِعِمَّا بِالمَالِ الصَّالِحِ" أي الذي جاء بطرق مشروعة، و"للِرَّجُلِ الصَّالحِ" أي الذي ينفقه فى طاعة الله.
والمقصود بطاعة الله أعم من الصلاة والحج والعمرة والزكاة والجهاد في سبيل الله والصدقات لأن مفهوم الطاعة في الإسلام شامل ومعروف إذ يشمل حتى الإنفاق على الأسرة وصلة الرحم والوقف على طلبة العلم والبحث العلمي ورعاية المرضى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة لمن يحتاجها..الخ، والأدلة على ذلك كثيرة ويطول المقال بذكرها وهي مشهورة ومعروفة.

حكم الإنفاق على الأمور الحياتية

وليس المقصود أن المال لا ينفق فقط إلا على الطاعة المحضة فكثير من الأمور الحياتية هو من باب الطاعة فمثلا يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم " «إنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك» " (رواه البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم انظر إرواء الغليل للألباني حديث رقم 899)، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ".. «وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» " (رواه مسلم وأحمد والبخاري فى الأدب المفرد وغيرهم وانظر الصحيحة للألباني رقم 454).
وفضلا عن ذلك فقد نبهنا القرآن لمراعاة الحياة الدنيا فقال تعالى { "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"} (النحل آية 97)، وقال تعالى على لسان قوم قارون {"وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} "(القصص آية 77).

أنواع الوفرة

والوفرة التي نقصدها ليست المال فقط ولكنها تشمل كل موارد الحياة الدنيا مثل الصحة البدنية والولد والزواج والانتصار فى الصراعات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية بجانب المال، والأدلة على هذا الشمول كثيرة فى الكتاب والسنة وسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولذلك يحاسب الله الناس يوم القيامة علي أمهات هذه الموارد كما ورد فى الحديث النبوي الشريف « "لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه وعن علمه ما فعل فيه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه» " (رواه الترمذي فى سننه عن أبي برزة وقال حسن صحيح وصححه الألباني فى الصحيحة 946، وله روايات متعددة منها عن معاذ وابن عباس وغيرهما)، وقال تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} (التكاثر آية 8).

أنواع البلاء والحكمة من ورائه

وانطلاقا من هذا الشمول فى مفهوم الوفرة فإن الله تعالى يبتلي عباده مؤمنهم وكافرهم فى هذه المجالات فى الحياة الدنيا قال تعالى: {"لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ"} (آل عمران آية 186) وقال تعالى أيضا: {"أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ"} (البقرة آية 214) ، فابتلاء المؤمن معروفة حكمته فالابتلاء يأتي لتربيته وتهذيبه كي يتخلص من مضار الوفرة و يستقيم على أمر الله، فالبلاء تقويم لأخطاء المؤمن، وهذا الابتلاء يؤدى أخرويا لتكفير ذنوب المؤمن ورفع درجاته والأدلة على ذلك مشهورة معروفة.

 الهدف من ابتلاء الكافر

 ولكن ما هو الهدف من ابتلاء الكافر؟؟ 
هنا لابد من التأمل فى حقيقة السنة الربانية القدرية الكونية التي تنتظم ضمنها كل حركة الكون وفى قلبها حركة الإنس والجن مؤمنهم وكافرهم وهى يلخصها قول رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: «"لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل عليه السلام إلى الجنة فقال أنظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها فنظر إليها فرجع فقال وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها فأمر بها فحفت بالمكاره فقال اذهب إليها فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها فنظر إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره فقال وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد قال اذهب فانظر إلى النار وإلى ما أعددت لأهلها فيها فنظر إليها فإذا هي يركب بعضها بعضا فرجع فقال وعزتك لا يدخلها أحد فأمر بها فحفت بالشهوات فقال ارجع فانظر إليها فنظر إليها فإذا هي قد حفت بالشهوات فرجع وقال وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها"» (رواه أحمد وأبوداود والنسائي والترمذي وابن حبان في صحيحه وغيرهم، وقال الترمذي حسن صحيح وصححه الألباني، وقال شعيب الأرناؤوط إسناده حسن، انظر صحيح ابن حبان بتحقيق الأرناؤوط ، ط الرسالة ، حديث رقم 7394).

فهذا الحديث يوضح أن أعمال المكلفين تعترض بعضها المشقة حينا وتدفع لبعضها الآخر شهوات المكلفين ورغباتهم المحبوبة لهم.
 فهى إن كانت من الأعمال المؤدية إلى الجنة فإنها تكتنفها المشقات وإن كانت مؤدية للنار فهي تحركها الشهوات والرغبات.
 كما أن للكفار فى هذه المنظومة شأنا محددا يشبه ما يحدث للمسلم وهو الأخذ بالضر لعلهم يرجعون، فهذا جزء من الابتلاء الذي يعتري الكافرين.
وكذلك هناك جزء من ابتلاء الكافرين إنما يهدف لانتظام حركة الكون فى مسار متوازن بدرجة كبيرة فى حركته التاريخية وهو معنى قوله تعالى: "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ" [البقرة:251]..
وبذا يجتمع عندنا ثلاثة أسس مهمة تحدد حركة الأحداث أو حركة التاريخ وهي:
-المشقة تكتنف الأعمال الموصلة للجنة و تكتنف الناس كلهم بمراحل مختلفة من حياتهم لترجعهم لطريق الجنة.
-الرغبات الخاطئة هى المحركة والدافعة لكل الأعمال الموصلة للنار.
-الصراع بين الأقطاب الكونية مستمر ما بقيت الدنيا وهو صراع بين الخير والشر وكذا صراع داخل مجتمع الشر وكذا صراع داخل مجتمع الخير. 
 فالسنة الربانية القدرية الكونية قضت بأن تكون الدنيا دار اختبار لا دار قرار والمشقات في طريق الخير والحق هي من أدوات هذا الاختبار كما أن تسهيل طرق الشر والباطل وشدة نزوع النفوس لهذا الشر أو الباطل هي أيضا من أدوات هذا الاختبار، ومن ضمن كل من المشقات و التسهيلات في هذا المجال أمر الصراع بين قوى الحق والباطل، وايضا هناك الصراع داخل مجتمع الحق نفسه بين قواه المختلفة، والصراع داخل مجتمع الباطل والفساد بين قواه المختلفة المكونة له، وهذا الصراع كنا قد شرحناه في تحليل سابق لنا هنا بعنوان: "خريطة الصراع السياسي في منظور التحليل إسلاميا" فليراجعه من شاء.

 

عبد المنعم منيب

صحفي و كاتب إسلامي مصري