لا لعولمة الدعوة

منذ 2022-09-02

الدعوة ليست أفكارًا لِجَذب المسلمين، وإنَّما هي عملية تحصين تكفل للنَّفس البشرية الاحتفاظ بفِطرتِها سليمة...

• أُلَمْلِم أشتاتي، وأجمع مَسارِبَ عقلي، وأتَحنَّثُ في مِحرابه الدَّعَوي، كلَّما سنحَتْ لي فرصةُ اللِّقاء معه.

ذات مرَّة جَمَعني به سفَرٌ قاصد، فعمدْتُ لاستدراجه؛ أريد سبْرَ معلوماتي الدعوية، تصحيحًا وإضافة.

فلقد انقضى ردْحٌ من الزمان، أرعيته على الأيام بصَري، يَحمل حقيبةً في حلِّه وترحاله، تَحْوي حاسوبًا شخصيًّا، وأوراقًا، ولا تَخلو من كتاب.

 

طويلُ الصَّمت، جميل العِشرة، مرْجع الدُّعاة من حوله، عازِفٌ عن الارتِجال، ما ضمَّنِي معه مَجلسٌ دعوي إلاَّ وكانت له رُؤًى تلحظ الأبعاد غير المرئيَّة، أوَّل عمل يقوم به في تلكم الجلسات نصْبُ الْحاسوب وتشغيله، وعندما يأخذ الدُّعاة بإفراغ دِلائهم من صدورهم، يعمد إلى الكتابة، ومن ثَم يقلِّب الطَّرْف على وميض الحاسوب، فإذا ما جاء دوره في الحديث، أصَّل وأطَّر، تارةً بقاعدة أصوليَّة، وأخرى فقهيَّة، ورُبَّما لمعة من سِيَر السَّلَف، لا يقبل الطَّرح الْمُطلَق، ولا يَجْنح إلى التعميم.

 

في سفرنا ذلك اهْتَبلْتُ سانِحةَ خلوتي به، فسألته عن بُغْضه لإنشاء المواقف بلا تريُّث، وكُرْهه للتسُّرع والارتجال، وعن سرِّ إصراره على التأصيل والتأطير، فقال:

الحديثُ ذو شجون، ولاذ بالصَّمت، وأطلق لِبَصره العنان عبْرَ نافذة الحَافلة، حتَّى ظننْتُ أنَّه اكتفى بِهذا الردِّ الْمُقتضب، ثم التفتَ إلَيَّ مُحدِّثًا:

منذ أن وَطِئت قدَماي أرض الغَرْب، وتنسَّمت عبقَ الْحُرِّية، وشُفيَتْ نفسي من مرض الرهاب الأمنِيِّ المستوطن في بلداننا، خُيِّل إلَيَّ أنَّ مسألة دخول النَّاس في دين الله أفواجًا قضيَّةُ وقت، وبَنيتُ حلمي على قرائن، منها أنَّ الدعاة طُلَقاء ولا يَشْكون قلَّة في العدد، ومظهرُ نشاطاتِهم يومِئُ إلى طيب الْمَغرس.

 

وتَمُرُّ السنون تَتْرى، وهأنذا قضيتُ عقدًا من الزَّمان، وما زالت هُموم الدعوة تعرض عليَّ وعلى إخوانِيَ الدُّعاة بُكْرة وعشيًا، سلَكْتُ دروب الدَّعوة جميعها، فما وَلجتُ دربًا دعَويًّا إلاَّ وعانيت الأمرَّيْن من وعورة التَّضاريس النَّفسية للمدعويِّين، بِحَواجز تَحْجب النظر عن شمس الشريعة الغرَّاء، ورأيت بِأُمِّ عيني مئاتٍ مِمَّن يسقطون في حمأة الشَّهوات، حتَّى كاد اليأس يجد طريقًا إلى قلبي، كنت أظن أنَّنا - معشرَ الدُّعاة - سُفراءُ أمَّةِ الإجابة إلى أمَّة الدعوة، وسينحصر جهدنا بعد إتقان لغة البلد الذي نعيش فيه، ومعرفة طرق تفكيرهم، في إرشاد الآخَرِ إلى جَنَّة الله في أرضه، إلى أفْيَاء الشَّريعة الغرَّاء، وإنقاذهم من لفح قيْظ المادِّية التي أتتْ على جَمال العواطف الإنسانيَّة عندهم، وشوَّهت منازع الوِجْدان فيهم، فإذا نَحْن نُعْلِن حالة الطَّوارئ لإنقاذ أبناء جلدتنا في الدِّين، الذين تاهوا في بيداء الغرب لا يهتدون بِنَجم شرعي، ولا يأوون إلى ظلٍّ يُسْعِفهم من لفح هجير المادِّية، واستُنْزِفت قُوَاهم الإيمانيَّة، فما عادوا يَحْملون من قِيَمهم سوى طلولٍ بالِيَة، يُعَشِّش فيها بُوم الشُّبهات، ويَتخلَّون فيها قذارة الشهوات.

 

وشَمَّرت وإخواني الدُّعاةُ عن ساق الْجِدِّ، ونضَحَ منَّا عرَقُ الجهْد، وكان حَصادُنا كالْهَشيم، لا يصلح للبشريَّة.

بدأنا نسلِّم بضعف الإمكانات، وقلة الإعدادات، وبدائيَّة الوسائل، وتعَمّق الْهاجس؛ لِنَشكَّ في أنفسنا، ونتَّهِم الإخلاص فينا.

 

ولولا نفحةٌ من روح الْمَولى - سبحانه - تداركَتْنِي، لكنتُ إلى الآن أدور في تلك الحلقة المفرغة، خاطر رَحْمانِيٌّ دفعَنِي لأُراسل شيخي الذي رضعْتُ على يديه لبان الدَّعوة، أردْتُها نَفْثةَ مصْدور، وأرادها الله - جلَّ في علاه - مَشُورة عالِمٍ فقيه، علَّمنِي تَحقيق مناط الأحكام الدَّعوية، وهو التوفيق بيْن العموم و الْخُصوص مآلاً وتَنْزيلاً للحكم على الواقع.

 

فعمدتُ إلى حاسوبِي، وأرسلتُ إلى شيخي، أقول: "ما بالُ جهودنا الدعوية تؤتِي ثِمارًا عِجافًا؟!"، وسُقْت الأمثال من واقعنا، وشغلني الْحَماس عن كثرة ما سطرت.

كان جواب الشيخ كلمتَيْن لا غيْر: "لا لِعَولَمة الدَّعوة".

 

كلمته "العولَمة" رأيْتُها بعيدةً كلَّ البعد عن واقع الدَّعوة، ومع ذلك أخذْتُ أفكِّر وأَبْحث عن العلَّة الخفيَّة أو الْجَليَّة الَّتِي أومأ إليها الشَّيخ ولَم أفطن لَها، حصرتُ النِّقاط الَّتي ربَّما كانت مَظنَّة قياس الشيخ، ومآلَ اجتهاده، فكتبتُ له ما وصلت إليه:

الأشكال الإداريَّة، وبعض المسمَّيات، والطَّرح السياسي خِدْمة للدَّعوة، ورَدِّ الشُّبهات، أمور بعضها أثبتَتْ جَدْواها، وأُخرى لَها مَحاسِن ولا تَخْلو من مساوئ، وأرسلتها إليه.

 

فأجاب الشيخ:

"لَم أقصد ما أفَضْتَ في شرحه، فمِن القواعد عند العلماء أنَّ "الوسائل المصلحيَّة لا حجْرَ عليها ولا توقيف"، وللعلاَّمة القاضي عياضٍ كتيب أسْمَاه "بُغْيَة الرائد لِما تضمَّنه حديث أمِّ زرع من فوائد"، نقل القاضي عن أحد أعلام الفقهاء المالكية القاضي المهلّب بن أبي صُفْرة جوازَ التأسِّي بأهل الإحسان من كلِّ أمة، ثم علَّق الشيخ عياض، وأمَّا قوله بِجَواز التأسِّي بأهل الإحسان من كلِّ أمة فصحيح، ما لَم تصادمه الشريعة[1].

 

وحتَّى لا تقع في ضباب الْحَيرة نَزْلةً أخرى، ارجع إلى سورة آل عمران الآية 79، فقد ذكر الإمام البخاريُّ في "صحيحه" نقلاً عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في تفسير كلمة "ربَّانِيُّون"؛ أيْ: حلماء فُقَهاء.

 

وما بلَغَني من إخواننا الدُّعاة عندكم، تبَرُّمهم من ضبابِيَّة الظِّلال الجغرافية، التي تدفع بنِسَب في مراكز القرار تأتي من آليَّات عولَميَّة، وسوء تطبيق الشُّورى لتكون نسخةً طِبْق الأصل من الديمقراطية، وما يَنْجم عنها من إقصاء الكفاءات، كما بلغني مُحاولة بعض الدُّعاة أَسْلمةَ بعض قراراتِهم؛ اتِّكاءً على رأي فقهي شاذٍّ أو مرجوح.

 

فالدعوة ليست أفكارًا لِجَذب المسلمين، وإنَّما هي عملية تحصين تكفل للنَّفس البشرية الاحتفاظ بفِطرتِها سليمة، فأنت ترى التَّوحيد مثلاً ورد في القرآن منجَّمًا على عشرات السُّور، وعقيدتُنا - أهْلَ السُّنة والجماعة - أنَّ هذا ليس من باب التَّكرار، بل هو نوعٌ من التوكيد، فهو أشبه بِطَعم السُّكر في مذاقات الفواكه المتنوِّعة، الغرضُ منه بناء الأحاسيس والْمَشاعر، فتارةً يعرض التَّوحيد صِرفًا، وفي مكان آخَر يردُّ شبهة من نفث الشَّياطين، وفي موطنٍ ثالث يحذِّر النَّفس من انزلاق الشهوات، وهكذا...

 

ويقع كثيرٌ من الدُّعاة في إشكاليَّة العمل حول النَّص - ولا علاقة للنِّيات بِعَرْضي هذا - وذلك العمل لا يَعْدو أكثر من رسْمِ هدفٍ بِسَعي بشريٍّ قابلٍ لكلِّ الاحتمالات، أمَّا الواجب فهو العمل بالنَّص، والدَّعوة إلى العمل به".

 

ما شدَّ انتباهي من كلام الشَّيخ (النَّص وفِقْهه)، وربطْتُها بكلمة العولَمة، لكنِّي لَم أهتدِ لعلاقة واضحة، فراجعْتُ الشيخ طالبًا مزيدًا من الإيضاح بِسَوق أمثلة.

 

فقال:

أرأيت لِصًّا يسرق مَنْزِلاً والأضواء مُشرعة؟! إنَّ أعداءنا يريدون سرقة الإنسان قبل احتلال الأوطان.

ومع أنِّي رغبْتُ إليه بالمثال الذي يساعد على الفَهْم، فقد اكتفى بِهذا التشبيه.

أخذْتُ أُمْعِن الفِكر في كلمات الشَّيخ، ولَمَّا تعسَّر عليَّ إدراكُ مرامي كلامه، عمدْتُ لاستدراجه إلى باب الوسائل الدَّعوية، فهو من الأبواب العَصِيَّة على التَّنظير، فاستفسرْتُ عن آليات دعوة المسلمين تَحديدًا، فأجاب:

مَن تقصد دعوتهم بعد تجريد أحوالِهم، هم ثلاثُ فئات، هي:

• فئةٌ هاجرتْ طلبًا للعيش الكريم في الغَرْب، وهل طمحوا لأكثر من نَيْل حقوقٍ لقاءَ جهدٍ لا يبْخَس، وضمان مستقبلٍ يبدو بئيسًا في أوطاننا؟ فلو تعرَّف هؤلاء على عظَمة الإسلام في إعطاء الْحُقوق، وتنوَّرَت بصائِرُهم بعدالة الإسلام الاجتماعيَّة لَما رغبوا عنها إلى غيرها.

• وفئة انْحازت للغرب؛ حفاظًا على مكاسب مادِّية لديها، وهؤلاء أنْجَعُ حديثٍ معهم هو أهوال الآخِرَة.

• أمَّا أعظم الفئام، فهُم الشباب من أيِّ الفئات كانتْ وفادَتُهم، هم بُنَاة الْمُستقبل، ورهان الغَرْب عليهم، وهم مَن يجب أن تتشوَّف جهود الدُّعاة إليهم أوَّلاً، وأخطر ما يوجِّه اتِّجاهَهم هي الشُّبهات التي تُزَلزل العقائد عندهم، وبالتَّالي تدفعهم للوقوع في حَمأة الشَّهوات، وأُذكِّرك بقولي في أول رسالة: "لا لعولَمة الدَّعوة".

 

حَمدْتُ الله أنَّ الشيخ عاد إلى حديث العولَمة، فأخبَرتُه بِتَعسُّر فَهْم العلاقة بيْن الدَّعوة والعولَمة عليَّ، فقال:

التَّدافع الحضاريُّ بين الأُمَّة وخصومِها يَمُرُّ بِمَراحل، ونَحن الآن في مرحلةٍ جدُّ خطيرة، فما نُعاني منه في بلداننا هو عيْن ما تتألَّمون له، فالعولَمة تريد غزْوَ فِطْرة الإنسان، كلِّ إنسان، لا فرْقَ بين مسلمٍ وغيره، أمَّا الْمُسلمون، فإنَّ البِنَى التَّحتية للعقائد، تُبْدِي نوعًا من الْمُقاومة، فأعلنت الحرب عليها بإعلامٍ مَسموم، ومنهجِ تعليمٍ ملغوم، وتَجنيد مُرتَزقة الكتابة، ولا بدَّ من بَعْثٍ إسلامي جديد.

 

كُلَّما وصلَتْنِي رسالةٌ من الشَّيخ أُسَلِّمُ بِمَضمونِها، وأجِدُها متنًا يَحتاج إلى شروح، فقُلت في رَدِّي على كلامه: كما تَعْلمون، إنِّي أُمارس الدَّعوة، ولسْتُ في طور حفظ الْمُتون، فتكرَّموا عليَّ بالتفاصيل.

 

فأجاب كتابةً:

بدْء البَعْثة كان وحْيَ القرآن، واهتمامُ الصَّحابة به كان كبيرًا لدرجة أنْ عُرف بعضُهم بالقُرَّاء، وسفيرَا رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى المدينة: مُصْعب بن عُمَير وابنُ أُمِّ مكتومٍ - رضي الله عنهما - كانا يُقْرِئان النَّاسَ القرآن، وما فعله الصحابِيُّ الجليل أبو موسى الأشعريُّ مِن بعد في عَهْد الفتوح في البصرة "أنَّه كان يَطُوف على مساجدِها لإقراء القُرآن"[2].

 

ومُهِمَّة الرُّسل - بِمَا فيهم الْحَبيب - عليه الصَّلاة والسَّلام - هو التبليغ والتَّزكية وتعليم الْحِكمة، كما ورد في الآيات 151 البقرة، و164 آل عمران، و91 النحل، و2 الجمعة، وأكَّدَت جميعُ البحوث - لِمُسلمين وغيرهم - أنَّ للقرآن آثارًا على النَّفس البشريَّة، سواءٌ فيها مَن يفهم العربيَّة ومَن لا يفهمها، وللقرآن بِتَدبُّره، وقراءته، وسَماع نبرات حروفه ونغماتِه، قدرةٌ على مُلامسة أوتارٍ خفيَّة في النَّفْس لا يُمكن إنكارُها، تؤثِّر في كل إنسانٍ إلاَّ مَن هو - في علم الله - مِن الْهالكين، وبِما أنَّ حديثَنا عن دعوة المسلمين، فهُم من بيئات نشؤوا فيها على مُسَلَّمات إسلاميَّة، فعندما تعمد إلى إسماعهم القرآن سيَجِدون أوَّلاً توحيد الرُّبوبية مَبْثوثًا بدِقَّة في حنايا الكتاب العزيز، والذي يقود إلى توحيد الألوهيَّة، وهي بيت القصيد.

 

فعليكم بالوحي بشِقَّيْه: الْمَتلُوِّ والمقروء، قَدِّموهما طازجَيْن بلا تفسيرات بشريَّة، فإذا ما آنستم نوعًا من الاستجابة، ركِّزوا على رُكْنَي الإسلام الأوَّلَيْن شرحًا وتفصيلاً، فالرُّكن الأول عقَدِيٌّ، والثاني عمَلي، والْمُسْلم هو رجل أُخْروي بالدَّرجة الأولى، فالصَّلاةَ الصلاةَ هي آخِر وصايا الحبيب - عليه أفضل الصَّلاة والسلام - ومن أطْرَف ما قرأْتُ قولُ ابن خَلْدون في "مقدِّمته" ص 219: "الصَّلاة ميزان التديُّن"، ومِمَّا كتبه "روجيه جارودي" بعد إسلامه: "كلُّ الدُّروب تؤدِّي للمساجد، وكلُّ المساجد تؤدَّى بِها الصلاة".

 

ونقطة أخيرة، لا تكن كلُّ وسائلكم استنساخًا من فِكْر العلمانيِّين ودينهم الجديدِ: العولَمة، إلاَّ عند الضَّرورة التي تبيح المَحْظور، ففي مدوَّنات الفقه من الوسائل ما يُغني عن ذلك لِمَن ألقى إليها نظرةً بقلب شهيد.

 

عند كلماته الأخيرة، وتَحديدًا عند ذِكْر الوسائل المستنسَخة، هو ما دفَعني في كلِّ جلسة مع أحبابي الدُّعاة للتأكيد على التأصيل والتَّأطير، كما تقول، أمَّا أنا فأتَّبِع الإمام البخاري في فِقْه عنونَتِه: "العلم قبل القول والعمل"، ولاحظ قوله "قبل القول" أيضًا.

 


[1] ص 36.

[2] "الْحِلْية" لأبي نعيم (1/ 256).

__________________________________________________

الكاتب: جمال المعاند