أخيتي : توحيد الأسماء والصفات (1-2)

منذ 2022-10-31

عرفنا بفضل الله توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية واليوم بإذن الله نعيش مع النوع الثالث وهو توحيد الأسماء والصفات، وما أدراكم ما هو توحيد الأسماء والصفات!

 

الحمد لله رب العالمين، الذي لا إله إلا هو، ولا خالق غيره، ولا رب سواه، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، عبد ربه حتى أتاه اليقين، فأكرمه ربه فكان من المقربين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،  أما بعد .  

عرفنا بفضل الله توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية واليوم بإذن الله نعيش مع النوع الثالث وهو توحيد الأسماء والصفات، وما أدراكم ما هو توحيد الأسماء والصفات!

إنه عالم من الجمال والروعة تعجز الكلمات عن وصفه، تخشع القلوب معه، وتخضع الجوارح له، وكل اسم من أسماء الله وصفاته يحتاج إلى كتاب وحده لنستشعر معناه وأثره في حياتنا وما يجب علينا نحوه، ولكننا سنمر سريعا على بعض هذه  الأسماء والصفات لنعيش في هذا العالم ولكن حتى نستشعر روحانياته علينا أن نتعرف أولا على بعض القواعد الأساسية التي نسير عليها عندما ندخل إليه.

 

إذا تأملنا أسماء الله الحسنى نجدها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد وتعظيم لله، وفيها صفات كمال لله، وأفعال حكمة ورحمة ومصلحة وعدل من الله، نعيش مع معانيها كل يوم من لحظة الاستيقاظ وحتى ننام.

أستيقظ فأتذكر اسم الله المحيي فأردد حامدة لله هذه النعمة: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور".

وأتذكر أني بدأت يوما جديدا على عملي شهيد وأن الله هو الإله الذي نتوجه إليه بالعبادات فأنوي أن يكون يومي كله لله.

أبدأ بتأدية أعمالي ومسئولياتي وكلما استخدمت عضوا من أعضاء جسمي أو نعمة من نعم ربي تذكرت الرب الذي تولاني برحمته ورعايته وعنايته وفضله فيزيد قلبي حبا وخضوعا وانقيادا له شكرا على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأتذكر اسم الله المستحق وحده للعبادة فأفرد عباداتي لله وأخلص قلبي لله.

تقف المسلمة في المطبخ لتعد الطعام فتتذكر اسم الله الرزاق الكريم الذي أفاض علينا من فضله وإحسانه وخزائنه ملأى؛ فتسأله من فضله وتكون سببا في رزق الفقراء وإطعامهم وتجعل لهم نصيبا من الطعام الذي تعده.

قبل أن أتفوه بالكلمة أذكر أن الله هو السميع فلا أتلفظ إلا بما يرضيه، ولا أسب أبنائي ولا أغتاب أحدا ولا أحكي أسرار بيتي للجميع.

وقبل أن أقوم بعمل أتذكر أنه البصير الذي يراني حتى في الخلوات، فأحرص على ألا يراني إلا على طاعة أو عمل مباح، ولا أجعله أهون الناظرين إليَّ.

أوقن أنه العليم الخبير بعملي وبما يخفي صدري فأتقيه، العليم بحالي ولن يضيعني.

إن أذنبت تذكرت اسم الله الغفور والتواب والعفو فاستغفرت وتبت فورا.

يوفقني ربي لطاعة فأتذكر اسم الله الحميد والشكور وأحمده وأشكره على أن وفقني وأعانني على الطاعة.

أنظر لنفسي ولأولادي ولكل ما حولي فأتذكر الله الخالق البارئ المصور.

أقصد كل الأسباب متوكلا على الله الوكيل وأنا على ثقة ويقين أن الوكيل القادر المقتدر

 لن يخذلني أبدا.

يظلمني أحدهم فأوقن أن الله الجبار سيجبرني وهو الولي سيتولى أمري والقهار الذي سيقهر من ظلمني والنصير الذي سينصرني.

أدعو الله وأنا موقن أن الله المجيب سيجيب دعائي.

 يبتليني ربي الحكيم فأثق في حكمة الله عز وجل وأعرف أن وراء هذا الابتلاء حكمة، وأتذكر أنه هو الصبور الذي يحب الصابرين فأصبر وأحتسب.

وهكذا في كل لحظة من يومنا لابد أن نجد ونستشعر اسما من أسماء الله الحسنى وإذا أدركنا ذلك وعشنا معه سيكون لحياتنا طعم آخر، ولذة ما بعدها لذة، وسيظهر أثرها يقينا في قلوبنا وراحة لنفوسنا، وحُسْنا في أخلاقنا، ومراقبة لأعمالنا وأقوالنا، وسعادة في الدارين؛ فأسماء اله الحسنى ليست أسماء تحفظ فقط، وإنما معانٍ تعاش فيظهر أثرها على قلوبنا وجوارحنا وكل تفاصيل حياتنا.

 

 

وحتى نعيش معها لابد أن نعرفها؛ فما هي الأسماء الحسنى؟

الأسماء الحسنى هي الأسماء التي أثبتها الله عز وجل لنفسه وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم وآمن بها جميع المؤمنين، قال الله عز وجل: { ﴿ وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَاۤءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُوا۟ ٱلَّذِینَ یُلۡحِدُونَ فِیۤ أَسۡمَـٰۤئهِۦۚ سَیُجۡزَوۡنَ مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ ﴾} [الأعراف : ١٨٠]

 

 ولكن لماذا نصفها دائما بأنها حسنى؟

حسنى أي ليس فيها أدنى نقص بل هي مشتملة على كل كمال ومدح، فعندما نسمع اسما منها نستشعر كل معاني الكمال فيها؛ اسم الرحمن مثلا نرى فيه كل معاني الكمال، فرحمته كاملة والرحمة الكاملة لا تكون  إلا مع العدل والحكمة الكاملتين.

تخيلوا رجلا قتل رجلا آخر متعمدا فرحمه القاضي وعفا عنه؟ أليس بذلك قد أضاع حق المقتول؟ إذا فرحمته هنا في غير محلها فهي رحمة ناقصة، لأنه ليس فيها عدل، فرحمته أضاعت حق المقتول، ولو أن أما تعطي أبناءها كل ما يحبون رحمة بهم سواء كان نافعا أو ضارا  فرحمتها هنا ناقصة لأنها بدون حكمة، إذا لا تكون الرحمة كاملة بدون عدل وبدون حكمة وهذه هي رحمة الله سبحانه.

 

وهكذا فكل اسم من أسمائه يحمل كل معاني الكمال، فعندما نعيش مع أسماء الله الحسنى نستشعر معنى الكمال الإلهي ولا نملك إلا أن نسبح بحمده ونخضع لعظمته وقدرته وعزِّته وترق قلوبنا حين نعرف مقدار رحمته ومغفرته وعفوه ووده وجبره لعباده.

 

أما توحيد الأسماء والصفات فهو: الإيمان بما وصف الله تعالى نفسه في كتابه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وإمرارها كما جاءت بلا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.

 

فهيا بنا نعيش مع كلمات هذا التعريف ونعرف معاني كلماته، وهنا نسأل سؤالا:

لماذا قلنا في التعريف نؤمن و لم نقُل نصف أو نعتقد أو أي لفظ آخر؟

كلمة الإيمان: أعلى شأناً بكثير من أن نقول أو نصف أو نعتقد؛ لأنها تتضمن العلم والعمل، وسلامة الاعتقاد وسلامة القول وسلامة العمل المبني على ذلك الاعتقاد ، فبذلك هي أعظم أثرا من الكلمات الأخرى، فلا يكفي مجرد الاعتقاد بالقلب وإنما نحتاج لترجمته لأعمال وأقوال بقلوبنا وجوارحنا، ولهذا كان اختيار لفظ الإيمان.

بكل: تشمل بكل ما ورد في الكتاب والسنة، ليس ببعض دون البعض .

 وصف: هناك أوصاف أثبتها الله عز وجل لنفسه مثل العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وهناك صفات نفاها الله عز وجل عن نفسه مثل الموت والنوم والإعياء والتعب والجهل والغفلة؛ فنثبت لله ما أثبته لنفسه وننفي عنه ما نفاه عن نفسه، ونثبت ما أثبته له الرسول صلى الله عليه وسلم وننفي ما نفاه الرسول صلى الله عليه وسلم .

 ثم عبارة: "وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم": تبين مصدر التلقي عند أهل السنة وأنه الكتاب والسنة، أما مصدر التلقي عند أهل البدع فهو العقول.

وكما عرفنا فإن أدلة الوحي الصحيح لا يمكن أن تتعارض مع العقل الصحيح، إذاً  قضية التلقي هي من أهم القضايا في هذا الباب .

 

 من أين نتلقى العقيدة الصحيحة ؟ من أين نتلقى حقائق الإيمان؟

من الوحي، من الكتاب، والسنة. فلنحذر أن تجرنا عقولنا بعيدا عن الصراط المستقيم ولنحافظ على نقاء عقيدتنا بنقاء مصدرها.

 

 والأصل لتَصف شيئا :

1 إما إنك رأيت شبيهاً للشيء.

2 أو إنك رأيت الشيء نفسه.

فكيف لنا أن نصف الملك جل وعلا ولم نره بأعيننا، ولا يوجد له شبيه ولا مثيل؟!

نسأل الله رؤيته في الجنة فهي أعظم نعيم أهل الجنة فاللهم اجعلنا منهم وارزقنا لذة النظر لوجهك الكريم

 

إذا هناك  ضوابط لا بد أن نراعيها في الإيمان بأسماء الله وصفاته ، يقول تعالى : " { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} " [الشورى: 11].

 فأهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - من غير تحريف ، ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ، ولا تمثيل. وفي نفس الوقت ينفون ما نفاه الله عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم . 

 

فما معنى من غير تحريف ، ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ، ولا تمثيل؟

 هذه الشروط وضعت لأن كل ما يتعلق بالله عظيم له قدسية خاصة ولا يمكن أن يدركه العقل ولذلك نتوقف فيها على ما أخبرنا الله العظيم الجليل عن نفسه. فما معناها؟

 "من غير تحريف" : التحريف معناه العام التغيير، أي تغيير ألفاظ الأسماء والصفات أو تغيير معانيها؛ إما أن أغير اللفظ أو أغير المعنى.

نضرب مثالايقول الله سبحانه : {( وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً ) [ا} لنساء: 164]، نحن نقرؤها كما جاءت في القرآن ( اللهُ ) برفع لفظ الجلالة، لكن بعض المبتدعة لينفوا صفة الكلام عن الله يقومون بِنَصْبِ لَفْظِ الجلالةِ ليكون الكلام من موسى عليه السلام، رغم أن صفة الكلام ثابتة لله عز وجل وإذا كانوا قد حرفوا الآية السابقة فلن يستطيعوا تحريف قوله تعالى: {(وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ)} [الأعراف: 143].

 

تخيلوا حين نسمع الله حين يكلمنا، يا ترى ماذا سيكون حالنا وقتها؟ يقول صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحدٍ إلا سيُكلِّمُه اللهُ يومَ القيامةِ ، ليس بينه وبينه تَرجمانُ ، فينظرُ أيْمنَ منه ، فلا يرى إلا ما قدَّم ، وينظرُ أشأَمَ منه ، فلا يرى إلا ما قدَّم ، وينظرُ بين يدَيه ، فلا يرى إلا النَّارَ تِلقاءَ وجهِه ، فاتَّقوا النَّارَ ، ولو بشِقِّ تمرةٍ ، ولو بكلمةٍ طيِّبةٍ) رواه البخاري.

 فماذا أعددنا من عمل لهذا اللقاء وماذا عملنا لنتقي النار؟

هل أعددنا إجابات لأسئلة هذا المشهد؟

هل اتقينا النار بشق تمرة تصدقنا بها على فقير أو مسكين؟ أو بكلمة طيبة عُرفنا بها بين الناس؟

مازال أمامنا الوقت لنستعد لهذا اليوم، فلنبدأ من الآن ولنتدارك ما فات.

 

 أما مثال التحريف في المعنى؛ فعندما نقرأ قوله تعالى : { (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) } [الفتح: 10] ، فإننا نثبت صفة اليد لله تعالى لكن البعض يحرفون معنى اليد إلى القوة أو النعمة وهذا لا يجوز ويفسد المعنى؛ لأن الله سبحانه وتعالى أخبر أن له يدان: فقال تعالى: {(لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) } [ص: 75]، فإذا فسرت اليد بالنعمة سيكون المعنى: بنعمتيَّ، وهذا يفيد حصر النعمة بنعمتين؟! والله له نعم كثيرة، وإذا فسرتها بالقوة؛ فإن لله قوتان فقط، فيفسد المعنى.

 

وكتحريف معنى الاستواء إلى الاستيلاء؛ يقول الله تعالى: {{‌‏الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى‏}‌‏ } ‏[‏طه‏:‏5‏]‏، فنؤمن بأن الله تعالى قد استوى على العرش، استواء حقيقيا يليق بجلاله سبحانه، ليس كاستواء البشر ، ولكن كيفية الاستواء مجهولة بالنسبة لنا؛ ولذا فإننا نفوض كيفيته إلى الله.

لكن بعض الفرق الضالة نفت الاستواء وفسرته بمعنى الاستيلاء، إذا هم يثبتون اللفظ ويحرفون المعنى الحقيقي، والذي حرف كأنه يقول لله عز وجل إن الصفة التي وصفت بها نفسك ووصفك بها رسولك صلى الله عليه وسلم لا تجوز بك وأنا ألغيها وآتي بما يليق بك، فهل يقول بهذا عاقل؟هل رأيتم إلى أين قد يذهب العقل بالإنسان عندما لا يأخذ نصوص الوحي كما جاءت؟

 

" ولا تعطيل ": والتعطيل هو إنكار ما يجب لله تعالى من الأسماء والصفات.

فالمعطلة ينفون ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله، فينفون استواءه على عرشه، و ينفون حقيقة اليدين.

وهو ينقسم إلى: تعطيل كلى – وتعطيل جزئي .

التعطيل الكلى :

هو إنكار جميع الأسماء والصفات.

التعطيل الجزئي :

فقد يثبتون الأسماء وينفون الصفات.

فيقولون أن الله سميع بلا سمع وبصير بلا بصر وهكذا، وهذا هو قول المعتزلة وهي فرقة من الفرق الضالة. وهذا كلام ينكره كل عاقل، ولكن الشيطان زين لهم ما يقولون حين ابتعدوا عن نصوص الشرع فوقعوا في الضلال والجهالة.

ونجد من يثبت الأسماء وينكر الصفات إلا سبعة فقط وهى (السمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام)، وهذا ما يفعله الأشاعرة.

فكلاهما (سواء المعتزلة أو الأشاعرة) من المعطلة.

 

"ومن غير تكييف": هو حكاية كيفية الصفة، أو نستطيع القول من غير بحث عن كيفية صفات الرب.

لا أسأل عن الكيفية؛ فلا أسأل كيف يسمع الله سبحانه وتعالى؟ أو كيف هي صفة يده؟

هذا كله لن يستطيع أن يدركه العقل.

 

" ولا تمثيل " : هو إثبات المثيل للشيء، أي إثبات المماثلة لله عز وجل فيما يختص به سبحانه من الحقوق والصفات.

يعني أقول مثلا أن يد الله مثل يد المخلوقين تعالى الله عن ذلك.

 

إذا ما الفرق بين التكييف والتمثيل؟

الفرق بينهما أن التكييف أن يعتقد أن صفاته تعالى على كيفية كذا، أو يسأل عنها بكيف.

وأما التمثيل: فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين .

والتمثيل والتكييف كلاهما باطل لكن الفرق أن نفي التكييف المقصود به نفي علمنا نحن به لا نفيه مطلقاٌ هناك كيفية لصفات الله لكن نحن لا نعرفها.

نحن نعرف مثلا أن الله ينزل إلى السماء الدنيا ونثبت ذلك، ولكن لا نعرف كيف ينزل فننفي الكيفية، أما نفي التمثيل فهو نفي مطلق، فليس هناك مثيل لله ولا لصفاته عز وجل .

 

كيف يدرك عقلنا القاصر عظمة خالقه؟ بل كيف نظن للحظة أن صفات الخالق تماثل صفات المخلوقين؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، إنه الرب العظيم المتعال ( ليس كمثله شيء).

 

وقبل أن نستأنف رحلتنا مع الأسماء والصفات نريد أن نوضح معالمها أكثر، ونعرف الفرق بين أسماء الله وصفاته.

هناك فرق بين الاسم والصفة:

فإذا قلت: مثلاً السميع، فالسميع اسم والصفة السمع.

وإذا قلت: البصير، فالبصير اسم والصفة البصر.

وإذا قلت: العلي، فالعلي اسم والعلو صفة.

وإذا قلت: الحكيم، فالحكيم اسم والحكمة صفة.

 وهكذا، فالاسم ما تسمى الله تعالى به، والصفة ما اتصف الله به.

 

وهناك صفات ليست صفات معاني؛ مثل اليد، فلله تعالى يدان اثنتان، قال الله تعالى:

{ ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾} [المائدة: 64]، والعين فلله تعالى عينان، كما قال تعالى: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) [طه : 39]، وما أشبه ذلك مما جاء في الكتاب والسنة.

 

فهل تعرف أن تعلمك لأسماء الله الحسنى قد يكون سببا في دخولك الجنة؟ لا تستغرب ولكن قبل أن نعرف كيف يكون ذلك نريد أن نجيب على هذا السؤال.

 

ما هو عدد الأسماء الحسنى؟

لا يعلم عدد أسماء الله إلا هو سبحانه وتعالى، والدليل على ذلك حديث ابن مسعود رضي الله عنه عند أحمد وغيره عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال :(ما  أصاب أحدًا قط همٌّ و لا حزنٌ ، فقال : اللهمَّ إني عبدُك ، و ابنُ عبدِك ، و ابنُ أَمَتِك ، ناصيتي بيدِك ، ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤُك ، أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك ، أو علَّمتَه أحدًا من خلقِك ، أو أنزلتَه في كتابِك ، أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ عندَك ، أن تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلبي، و نورَ صدري، و جلاءَ حزني ، و ذَهابَ همِّي ، إلا أذهبَ اللهُ همَّهُ و حزنَه ، و أبدلَه مكانَه فرجًا) رواه أحمد.

هنا قالأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك فما استأثر الله عز وجل به في علم الغيب عنده لا يعلمه لا ملك ولا نبي ولم ينزل في كتاب، إذا عدد أسماء الله عز وجل لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى.

 

 فما معنى حديث النبي عليه الصلاة والسلام حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري : ( إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة )؟

 الحديث لا يعني حصر أسماء الله في 99 اسما ولكنه يعلمنا فضل تعلم التسعة ونسعين اسما؛ مثلا لو قلت عندي كتابين لو قرأتهما استفدت كثيرا، فهذا لا يعني أن عندي كتابين فقط، وإنما معناه أهمية هذين الكتابين، فكذلك ولله المثل الأعلى : هناك 99 اسما من أحصاها دخل الجنة ولكن هذا لا يعني أنها هي فقط أسماء الله.

 

99 اسما من أحصاها دخل الجنة، من يريد الجنة منكم؟ جاءتكم الفرصة ليست لجنة الآخرة فقط بل جنة الدنيا، جنة القلوب وراحتها وسعادتها، كل ذلك عندما نعرف معنى أحصاها ونعيش معناها.

 

فما معنى أحصاها؟

أحصاها لها أربعة معانٍ ذكرها العلماء وهي :

حفظها

معرفة معناها

العمل بمقتضاها

دعاء الله بها

 

1 حفظها: بعض العلماء قال أن أحصاها بمعنى حفظها لكن لا شك أن من حفظ الألفاظ ولم يقم بحقها في العبادة لم يكن ذلك هو الإحصاء المقتضي لدخول الجنة .

فمن يتغنى الأسماء الحسنى هل أحصوا الأسماء الحسنى ؟ بالطبع لا ، كم من إنسان يحفظها ولكن لم يقم بحق الله عز وجل فيها، فلذلك لم يقل من حفظها وإنما قال من أحصاها.

 

2 معرفة معناها: فلابد أن نعرف المعن أولاً ونستحضره في قلوبنا فتتأثر وتنصبغ به؛ فإذا انصبغ القلب بمعانيها، ظهر على الجوارح أثر هذه الأسماء، وظهر على السلوك، وظهر في منطقنا، وفي كلامنا، فبدون معرفة معناها ومدلولاتها لن نعرف أن نعمل بمقتضاها.

 

فما معنى العمل بمقتضاها؟

3 العمل بمقتضاها:

إذا علمتُ أن الله هو الرزاق، ماذا أفعل؟ يقول تعالى : {( فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ) } [العنكبوت: 17]، إذا عرفت أن الله هو الرزاق سأطلب منه الرزق وحده ولن أخاف أن يمنعني أحد الرزق الذي رزقني الله إياه. آمنت أن الله هو الرزاق إذاً ليست الوظيفة هي التي ترزقني، ليس المدير هو الذي يرزقني، ليس صاحب العمل هو الذي يرزقني؛ إذاً  لا أطلب الرزق من الناس، ولا أداهن الخلق لأني أعلم أن الله هو الرزاق سبحانه وتعالى ولن أطلب هذا الرزق بالحرام ، إنما أطلبه بما أحل الله عز وجل وأُجمل في الطلب، وأطلب طلباً جميلاً.

 وهكذا.

 

4 دعاء الله بها:

كما قال عزّ وجلّ : ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) [الأعراف: 180] .

فإذا علمتُ أن الله رحيم طلبتُ منه الرحمة، وإذا علمت أن الله الرزاق طلبتُ منه الرزق وهكذا.

 

وذلك الدعاء ليس فقط سبيلك لإحصاء الأسماء الحسنى والوصول إلى جنة عرضها السماوات والأرض، وإنما أيضا هو سبيلك لجنة الدنيا وراحة القلب.

يا ترى هل شعرت مرة بلذة الدعاء؟ بلذة اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى؟

شعرت بطعم؛ " إلهي ورجائي وخالقي ورازقي وربي ومعيني أنت القوي ونحن الضعفاء إليك أنت العزيز ونحن الأذلاء إليك عبادك سوانا كثير وليس لنا في الوجود رب سواك فندعوه ولا إله غيرك فنرجوه "؟

عرفت أن الله الوكيل فذقت حلاوة التوكل على الله، " اللهم إني توكلت عليك وفوضت إليك جميع أمري فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك يا كريم"؟

شعرت بمعنى أسماء الله الحسنى وأنت تدعو؟ يا سميع أنت تسمع دعائي، ويا بصير أنت ترى حالي، ويا جبار يا عدل رد لي حقي وانصرني على من ظلمني واجبر كسري، ويا رحمن يا رحيم ارحمني، ويا كريم يا رزاق ارزقني، ويا قدير يا معين أعني، ويا تواب يا غفور تب علي واغفر لي؟ والله إنها للذة للقلوب وراحة لها.

 

إذا عرفنا أن أسماء الله الحسنى ليست ٩٩ اسما فقط ولكن هل هناك أسماء منتشرة بين الناس يظنون أنها من أسماء الله الحسنى وهي ليست كذلك؟ أو لا بد من وجود قواعد نلتزم بها عند استخدامها؟

نأخذ بعض الأمثلة:

ماذا عن الضار والخافض والمانع ؟ هل يجوز إطلاقها على الله سبحانه وتعالى؟

قال الله تعالى : ( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [الأنعام: 17] فهل من أسماء الله الضار؟

معنى الضار : الذي يقدّر الضر ويوصله إلى من شاء من خلقه، فالخير والشر من الله تعالى، كما قال سبحانه : {( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) } [الأنبياء: 35]، والله سبحانه هو الضار النافع، ولكن لم يثبت بدليل صحيح أن الضار من أسماء الله تعالى، وإنما ورد ذلك في الحديث المشهور الذي فيه تعداد الأسماء الحسنى ، وهو حديث ضعيف رواه الترمذي، والمقرر عند أهل العلم كما رأينا أن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية، أي لا يثبت منها شيء إلا بالدليل الصحيح من الكتاب والسنة .

فإذا لم يثبت الاسم ، وكان معناه صحيحا فإنه يجوز الإخبار به عن الله تعالى ، فيقال : الله هو الضار النافع ، لأن باب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات ، لكن لا يعبّد بهذا الاسم، فلا يقال : عبد الضار؛ لأنه لم يثبت اسما لله تعالى .

 

ولكن هنا ملاحظة مهمة: من أسمائه تعالى وصفاته مالا يطلق عليه إلا ومعه مقابله، لأنه إذا أطلق وحده ممكن أن يوهم بصفة نقص فلا نقول مثلا : ( الضار ) وحده ، لكن نقول (الضار النافع) فهي معا اسم واحد .

فالله سبحانه يضر لينفع، ولو عُرفت حكمة الشدائد التي يسوقها الله لِعِباده، لشكرنا الله على ابتلائه، فليس لنا إلا الرضا بقضاء الله وقدره، وهذا الإيمان وهذا الشعور هو أحد أكبر أسباب سعادة الإنسان. لا يظهر إيمانك إلا في الشِدّة، ولا ترقى عند الله إلا في الشِدّة، لذلك المؤمن يُوَطِّن نفسه على أن يُمتحَن. وقد سُئل الإمام الشافعي؛ أندعوا الله بالابتلاء أم بالتمكين؟ فقال: لن تُمكن قبل أن تُبتَلى، قال تعالى: ﴿ {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾} [آل عمران: 179]، وروى الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: « ( يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الأَقْلامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ )» . وصححه الألباني في صحيح الترمذي

قال ابن تيمية رحمه الله : فهذا يدل على أنه لا ينفع في الحقيقة إلا الله ولا يضر غيره .

 

ومع ذلك فقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء إذا حافظنا عليه بيقين لا يضرنا شيء، فقد روى الترمذي وأبو داود وابن ماجه عن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ : بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ ) . وصححه الألباني في صحيح الترمذي .

 

وأيضا (الخافض) وحده ليس من أسماء الله الحسنى وإنما نقول (الخافض الرافع) .

فهو سبحانه الذي يخفض الجبارين، ويذل المتكبرين، ويرفع أولياءه وينصرهم على أعدائهم، يخفض من يشاء من عباده فيضع قدره ويُخمِل ذكره، ويرفع من يشاء فيعلي مكانه ويرفع شأنه، لا يعلو إلا من رفعه ولا يَتَّضع إلا من وضعه.

فهل تحب أن يرفع الله من قدرك؟ إذا اسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم: «(إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين) » وفي رواية الدارمي " إن الله يرفع بهذا القرآن..."، فيرفع الله به من آمن به ومن قرأه وعمل بمقتضاه مخلصا، فيرفعهم في الدنيا بأن يحييهم حياة طيبة، وفي الآخرة بأن يجعلهم من أهل الدرجات العلا مع الذين أنعم عليهم.

«ويضع به» قدر «آخرين» وهم الذين لم يؤمنوا به،  أو آمنوا ولكنهم أضاعوه وتركوا العمل بما فيه، فيجعلهم في الدنيا في شقاء وضنك من العيش، وفي الآخرة في أسفل سافلين.

فالقرار لك هل تريد أن يرفعك الله؟ إذا عليك بكتابه تمسك به قولا وعملا وتلاوة وحفظا، واجعله أنيسك ورفيقك.

 

هبة حلمي الجابري

خريجة معهد إعداد الدعاة التابع لوزارة الأوقاف بجمهورية مصر العربية