بورما أقلية إسلامية "كيف ندرء عنهم؟"

منذ 2023-01-27

الغرب لا يتدخل إلا حين يخاف من قيام دولة إسلامية، أو تمكن المسلمين من حكم أنفسهم، أما وهم يقتلون ويذبحون، فليس له موقف سوى الترقب وإطلاق التصريحات الخاوية الكاشفة عن تواطئ هذه الأمة على إيذاء المسلمين


بسم الله الرحمن الرحيم


قيل إن بعض قادة وعلماء الإسلام عارضوا فتح الأندلس، خشية أن يقتطع المسلمون فيعتدى عليهم، فلا يجدون الولي النصير إلا بعد فوات الأمر.

شيء من الحذر له ما يبرره، فالأقليات الإسلامية عانت المر العلقم من الأكثريات الكافرة- على العكس من الأقليات غير المسلمة - ليس في بورما واحدها، إنما هذه آخر المصائب، وقبلها بلايا لا تعد ولا تحصى حتى وقت قريب، فلا نزال نذكر مأساة ولاية آسام الهندية، حين غزاهم الهندوس وقتلوا منهم الآلاف في عام 1984، ثم هدم مسجد البابري في 1992، ومما خفي عن وسائل الإعلام - هذه الأيام - تجدد اعتداء البوذيين على المسلمين في آسام – بعد أحداث بورما - وقتلهم العشرات، ونزوح الآلاف، وحرق مئات قرى المسلمين بأيدي ميليشيات بوذية.

والحال في إفريقيا ليس سعيدا على المسلمين، فالمجزرة التي ارتكبت في حق العرب في زنجبار تنزانيا، بأيدي الوثنيين والمسحيين وبتحريض من الاستعمار البريطاني، لا زالت صورها محفوظة في الذاكرة وفي مواقع اليوتيوب على الانترنت، حيث وثقها المستعمر بالصورة الحية، وكشف عن الدليل المدين لأفعاله الشنيعة تجاه المسلمين.

كافة الدول الاستعمارية: انجلترا، وفرنسا، والبرتغال، وروسيا. لها مواقف مخزية منافية لحقوق الإنسان، ولها اليد الأولى في تأجيج الإحن الطائفية والدينية ضد المسلمين حيثما حلوا ووجدوا، إن لهم وجوها قبيحة يسترونها بالفخامة والحضارة والمدنية والقوة، وما مأساة بورما إلا إحدى قبائح هذه الأمم الاستعمارية.

فبريطانيا الاستعمارية تتحمل الوزر الأكبر في خلق هذا الحقد الديني البوذي ضد المسلمين، بأفعالها التخريبية وتخويفها الدائم من الإسلام والمسلمين، حين كانت تحتل شبه القارة الهندية، ولانبرء النظام الشيوعي العسكري والحكومة في بورما، التي وقفت موقف المنحاز ضد المسلمين الروهينجا، وأعانت على الظلم، وليس غريبا عنها ذلك، فهي التي حرمت المسلمين من حق المواطنة، والزواج والنسل والتعليم، وكافة ما يلزم لحياة إنسانية طبيعية، وفي تفاصيل وتقاسيم ظلمها وبغيها أشياء محيرة ومحزنة، تدل على تعنت وقصد إلى الإيذاء النفسي والبدني، لحمل سكان مقاطعة أركان على ترك ديارهم والهجرة، بدعوى أنهم أجانب وافدون.

الحادثة الأخيرة ليست معزولة ولا وحيدة، فقد سبقتها حوادث مؤلمة مثيلة، هجر بسببها مئات الآلاف من المسلمين في بورما، فمنهم من استقر في بنجلاديش، ومنهم في مكة البلد الحرام، وفي كل مرة يضحى بآلاف منهم قربانا للبوذية؛ تلك الديانة التي يدعي أتباعها، أنها ديانة السلام والتسامح، وهي أبعد ما تكون عن ذلك مع الأقليات المسلمة بينهم.

فالأطراف المتسببة في هذه المأساة ومثيلاتها متعددة؛ بدءا بالاستعمار، ثم الحكومات، ثم المتعصبون الدينيون الهجميون، وفي هذا السياق نستذكر ما يلحق بالمسلمين في الصين، في تركستان الشرقية المحتلة، المسماة بـ:"سكيانغ". وفيها قومية الإيغور، وليسوا من العرق الصيني في شيء، فبلدهم محتل، وهم أجانب عن الأمة الصينية في العرق والثقافة والجغرافيا، وهم في عنت وعذاب، وقد نالهم من الأذى قتلا وسلبا للحقوق ما لم يعد خافيا على أحد، وآخر ذلك قيام السلطات هناك بمنع الناس من الصوم علنا.

وإذ ذكرنا الاستعمار الأوربي، فإننا لا نزال نذكر مأساة البوسنة الهرسك، وضحايا سربرنتسا السبعة آلاف الذين قتلوا بأيدي صربية حاقدة، على مرأى ومسمع وإحاطة من القوات الدولية "اليونفيل"، ولايزال المسلمون هناك يحيون ذكرى المجرزة البشعة، بمزيد من الألم والحسرة على دماء بريئة ذهبت بلا ذنب ولا ثمن، قد كان الأوربيون شاهدين عليها راضين بها، ولو كان في الضحايا مسيحيين لما سمحوا بقطرة دم تراق على الأرض، وقد صرح بهذا الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون، والواقع شاهد.

فالنزاع الذي نشب بين الصرب والكروات - بعد انحلال الاتحاد اليوغسلافي بموت الدكتاتور تيتو - سرعان ما حُلّ وألجم الصرب، وقامت دولة مستقلة للكروات، لكن نزاع البوسنة طال، وطال معه القتل والقتال، ولم تضع الحرب أوزاها إلا بضغط من الغرب، فحين استشعروا تقدم المسلمين في معاركهم، سارعوا باتفاقية "دايتون"، وخرجوا بدولة ليست خالصة للمسلمين البوسنة إلا بمشاركة من الصرب والكروات، وقبل بها الرئيس البوسني على عزت بيجوفتيش على مضض قائلا: ليس في الإمكان أحسن مما كان.

هكذا الغرب لا يتدخل إلا حين يخاف من قيام دولة إسلامية، أو تمكن المسلمين من حكم أنفسهم، أما وهم يقتلون ويذبحون، فليس له موقف سوى الترقب وإطلاق التصريحات الخاوية الكاشفة عن تواطئ هذه الأمة على إيذاء المسلمين، مع كل من يتبرع بهذه المهمة القذرة، وهذا ما يحدث اليوم في سوريا، فإنهم لا يتدخلون بفاعلية إلا حين يستشعرون بقرب جني ثمار الثورة.

طرفان خلصنا منهم، عرفنا وسبرنا موافقهم وأغراضهم، فأدركنا أنها ثابتة لا تتحول؛ فالقوى الكبرى ذات المصالح المادية، والتي بينها إجماع على اعتبار الإسلام والمسلمين العدو الأول، فهذه لن يجد المسلمون منها سوى الخديعة والحيلة والمكر، وقد نبه الله تعالى إلى هذا في القرآن مرارا، لكننا لم نأخذ الكتاب بقوة مثل ما أمر تعالى:
{خذوا ما آتيناكم بقوة..}.

فقال سبحانه ينهى عن الوثوق بالمخالفين في الملة:


{ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون}.
{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواهكم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون * ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور * إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط}.

الطرف الثاني هم الأداة المستعملة لإيذاء الأقليات المسلمة، فقد تكون مجوسية – فالسنة في إيران مضطهدون – أو مسيحية، أو بوذية، أو هندوسية. هؤلاء سماعون للقوى الغربية منذ القديم، مصدقون لمزاعمهم في التخويف من الإسلام والمسلمين، وهم في حالة استعداد دائم للانقضاض على الأقليات بينهم، في أية لحظة وتحت مبررات شتى موهومة ومظنونة أو حتى مختلقة، لا يهم، المهم لديهم هو القضاء على المسلمين وتطهير بلادهم من العرق المسلم زعموا، ولأنه لا دين يردعهم ولا خلق، فإنهم لا يتورعون من فعل أي شيء من العظائم التي تقشعر منها الأبدان، ما رأينا في وسائل الإعلام شيئا منها، وما خفي أعظم وأوجع.

ليس للمسلمين أمام هذه الأطراف العتية المشاركة في الجريمة ضد الأقليات المسلمة إلا الحزم والصرامة في المواقف، واستباق الأحداث والكوارث قبل وقوعها، سواء في ذلك الدول والحكومات، وهي تتحمل مسؤولية كبرى الأنفس البريئة التي توحد الله تعالى وتعبده، ثم الجمعيات والمؤسسات الخيرية، ثم الشخصيات الرمزية والتي لها الحضور والتأثير، ثم كافة المسلمين في الأرض، الذين يبلغ عددهم ربع سكان العالم، وهو عدد هائل لا يستهان به.

إذا ما تحركت هذه الجهات الثلاث: الدول، والجمعيات، والشخصيات الكبيرة. أولا ثم تبعتها البقية من العامة، بصورة جدية وصارمة، فلن تجرأ دولة على استباحة دماء المسلمين، أو السماح بذلك للأكثرية بالتستر والتواطئ، وكل الحوادث المؤلمة ما كانت إلا لغفلة من المسلمين، الذين قصروا في معرفة مواقع وأحوال إخوانهم ممن يعيش خارج قطر الإسلام.

تلك الغفلة ما عادت مقبولة اليوم، والاعتذار بها ذنب لا يغفر، فعلى المسلمين بكافتهم كل في موقعه وما ولاه الله تعالى من الأمر، أن يبادر إلى كل دولة فيها أقلية مسلمة، مرت بمحن وإحن، بإنذار صريح وواضح: أن أي حدث من هذا النوع يتكرر مستقبلا، سيلقي بظلاله على العلاقات، فقد تنتهي إلى قطعها، وقطع كل التعاملات التجارية والاقتصادية.

هذا أقل ما يمكن فعله، وهو فعال ومؤثر في منع كثير منها، وإن كان المؤمل أكثر من ذلك، لكن ما هو في مقدور المسلمين فعله، ولو بدا أنه صوري غير مانع، هو في الحقيقة يلقي الحذر بل والرعب في قلوب هؤلاء المجرمين الظلمة، فيكفهم ويلجمهم عن استباحة المسلمين والعبث بمصائرهم، فأي دولة وحكومة ذات أكثرية غير مسلمة، إذا أدركت أن ما لديها من أقليات مسلمة، إنما يقف وراءها ربع سكان العالم، ودول تبلغ الستين، ومنها دول ذات ثقل سياسي واقتصادي وديني في العالم كله، ويحسب لتحركاتها ألف حساب، لما لها من تأثير عالمي: فمن المقطوع به أنها لن تستهين بالأقلية لديها، أو تستبيح منها ما هو محرم.

يقول صلى الله عليه وسلم:
«نصرت بالرعب مسيرة شهر». فهذه خاصية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فأعداؤها يهابونها ويخافونها ولما تتحرك ناحيتهم أو تصل، وهي باقية فيهم إلى يوم القيامة، فمن المطلوب التفاتهم إلى هذه المزية، واستغلالها لحقن دماء المسلمين، وحفظ حقوقهم وكرامتهم من السلب والنهب.

_________________________________________________

الكاتب: د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه