العقم الزوجي

منذ 2023-02-14

خلق الله سبحانه الرجل والمرأة، وقدَّر بينهما الزواج، وهو ترابُط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام، غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرَّة...

خلق الله سبحانه الرجل والمرأة، وقدَّر بينهما الزواج، وهو ترابُط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام، غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرَّة برعايتهما، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]، ففي هذه الآية بيَّن سبحانه أن الهدف الأكبر من الزواج هو السكن النفسي لكل من الرجل والمرأة، ثم يأتي بعد ذلك أن يثمر زواجهما الذُّريَّة الصَّالحة.

 

لكن من حكمة الله سبحانه أن جعل الذرية من عنده، سواء كان ذكرًا أو أنثى، ولودًا أو عقيمًا، فهو المعطي والمانع، قال تعالى في سورة الشورى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى: 49، 50].

 

إن الأسرة إذا مَرَّ على زواجها سنة كاملة، ولم يحدث فيها حمل أو إجهاض، بدأت معاناتها في البحث عن الأطفال، من طبيب إلى آخر، ومن دواء إلى آخر، ومن بلد إلى آخر، تمرُّ أيام وشهور وسنوات والأسرة بين الأمل وبين الألم، حتى أصبح العقم مصدرًا قويًّا للتَّوتُّر والمعاناة لدى الزَّوجين، وأن يُشكِّل ضغطًا شديدًا على العلاقة بينهما؛ بل صار العقم شيئًا يخجلون به ويشعرون بالخزي بسببه؛ لأنَّهم يعتبرونه نقصًا وعيبًا فيهم.

 

يقول أبو خالد: بعد أربع سنوات من الزواج، بدأ الناس يتكلَّمون في زواجنا، لماذا لم ينجبوا؟ هل العيب في الرجل أو المرأة؟ ذهبت مع زوجتي إلى المستشفى، وبعد التحاليل قال الطبيب: زوجتك عقيم، ولا أمل بالشفاء إلا برحمة من الله، فاسترجعت وحمدت الله، وخوفًا على زوجتي ونفسيَّتها ومن كلام الناس، قلت للطبيب: لا تُخبِرها بالحقيقة، وقل لها: إن العيب من الزوج، انتشر الخبر بين الناس، وبدأ الضغط النفسي على زوجتي من أسرتها وأقاربها، حتى قرَّرت أن تطلب الطلاق بعد تسع سنوات من الزواج.

 

العقم هو أحد أبرز المشاكل التي تعترض المشوار الزوجي؛ لما يُسبِّبه من آثار نفسية وعائلية واجتماعية، تصيبهما بالاكتئاب والقَلَق والمشاكل الزوجية، ويجعل مشكلاتهم ومحور حياتهم مركزًا على هذا الموضوع، والسؤال هنا: هل العقم يُؤدِّي إلى توتُّر العلاقة الزَّوجيَّة؟

 

إن العقم يؤدِّي أحيانًا إلى توتُّر العلاقة الزَّوجيَّة عندما يتجنَّب الزَّوجان أو أحدهما الحديث عن مشاعره وأفكاره المتعلِّقة بالعقم مع الطَّرَف الثاني؛ حرصًا على مشاعره وحتَّى لا يُشعِره بالذَّنْب؛ لكن ذلك لا يعني أنَّ مشاعر الانزعاج والاستياء غير موجودة لديهما، والخوف هنا أنَّ المشاعر قد تتراكم في نفسيهما، ثم تزداد وتزداد حتى تؤثر في سلوك أحدهما تجاه الآخر، فيبدأ النُّفور والبرود العاطفي لدى أحدهما، ولعلاج هذه المشكلة نفسيًّا وتربويًّا أنصح الزوجين بالتالي:

• الحرص في التعامل فيما بينهما على الاحترام المتبادل، وعدم انتقاد الطرف المصاب بالعقم أمام الناس؛ بل يحتويه ولا يقسوا عليه.

 

• الشكر والحمد لله على ما كتبه لهما، وأن هذا ابتلاء من ربِّ العالمين، عليهم فعل الأسباب، ثم الصبر والاحتساب.

 

• الابتعاد عن التمركز حول هذه المشكلة فقط، وكأنَّ الحياة لا تسير ولا تتقدَّم إلا بالأولاد؛ بل النظر إلى جوانب أخرى كتطوير الذات والعمل والوظيفة والدعوة إلى الله والتطوُّع وخدمة الوطن.

 

• الوضوح أمام الناس والمجتمع بخصوص العقم، يجعل الآخرين مصدرًا للتَّعاطف والتَّفهُّم والمساندة النَّفسيَّة بدلًا من أن يكونوا مصدرًا للإزعاج بأسئلتهم المتكرِّرة التي تبدو وكأنَّها تَدَخُّلٌ في شؤون الأسرة واعتداءٌ على خصوصيتهما.

 

• عدم اليأس من رحمة الله، وفعل الأسباب الصحية والطبية، فكم من القصص التي سمعناها عن أسر أنجبت بعد عشرات السنوات.

 

• تبنِّي طفل من دور الرعاية؛ ومِن ثمَّ رعايته وتربيته، فإن فيه من الأجر العظيم، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ يشكو قسوة قلبه؟ قال: «أتُحِبُّ أن يلينَ قلبُكَ وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك، يَلِنْ قلبُك وتدرك حاجتك»؛ (رواه الطبراني، وقال الألباني: حسن لغيره).

 

• للزوج السليم أو الزوجة السليمة الحق في الطلاق إن لم يستطع الصبر على فقدان الطفل، والبحث عن زواج ثانٍ يُحقِّق له ما يتمنَّاه.

 

• وللزوج العقيم وللزوجة العقيمة الاقتران بشخص مُطلَّق أو أرْمَل عنده أطفال ما يكفيه، بحيث يكون اهتمامهما بالصحبة والمعاشرة وتربية الأولاد.

 

أخيرًا علينا أن نتذكَّر أنَّ هنالك أُسَرًا عقيمة كثيرة سعيدة في حياتها، راضية بما قسم الله لها، قد فضَّل فيها السَّليم منهما زوجه على الذُّريَّة لما رأى في الطرف الآخر من مودَّة وصفات وإحسان.

 

أسأل الله أن يُصلِح الشباب والفتيات، وأن يجمع بين قلوب المتزوِّجين والمتزوجات على طاعة الله والحب والتواصُل السليم، وأن يخرج من تحت أيديهم مَن يعبد الله على الحق، وأن يجعل أولادهم لَبِنات خير على المجتمع والوطن، وصَلَّى الله على سيدنا محمد.

_______________________________________________________
الكاتب: عدنان بن سلمان الدريويش