الشورى في الإسلام منهاج ونظام حياة

منذ 2011-10-10


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
وبعد:
الشورى في الإسلام طاعة لله تعالى، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وحق للأمة المسلمة، وواجب على الحاكم، وهي نظام سياسي إسلامي عظيم، وحلقة وصل بين الحاكم ورجاله.

وقد ورد أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشاور أصحابه رضي الله عنهم في الأمور التي تنزل بالمسلمين، ولا يكون فيها نص شرعي يجب اتباعه، وإنما النظر والفكر والخبرة بالحياة والناس والتجارب والحس والمشاهدة.

فقد قال أنس رضي الله عنه: "استشار رسول الله الناس في الأسارى يوم بدر، فقال: «إن الله قد أمكنكم منهم»، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "يا رسول الله اضرب أعناقهم"، فأعرض عنه رسول الله، ثم عاد... فقام أبو بكر رضي الله عنه: "يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء...". (كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد، وذكره ابن كثير في تفسيره لآية 67 من الأنفال).

وكذلك استشار أصحابه للخروج لغزوة أحد، كما في البخاري في كتاب الاعتصام (13/ 339) باب قول الله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ} [الشورى:38]، {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران:159]، وأن المشاورة قبل العزم والتبيين، لقوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ} [آل عمران:159]، فإذا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله.

وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أحد في المقام والخروج، فرأوا الخروج، فلما لبس لأمته وعزم قالوا: "أقم"، فلم يمل إليهم بعد العزم، وقال: «لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله».

وشاور علياً وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة رضي الله عنها، فسمع منهما، حتى نزل القرآن فجلد الرامين، ولم يلتفت إلى تنازعهم، ولكن حكم بما أمره الله.

وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضع الكتاب والسنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.

ورأى أبو بكر رضي الله عنه قتال من منع الزكاة، فقال عمر: "كيف تقاتل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله»"، فقال أبو بكر: "والله لأقاتلن من فرق بين ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم"، ثم تابعه بعد عمر، فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة إذ كان عنده حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين وأحكامه.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه».
وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولاً كانوا أو شباناً، وكان وقافاً عند كتاب الله عز وجل. انتهى.

وفيما تقدم مما ذكره البخاري فوائد، منها:
أن الإمام بعد المشورة، والعزم على فعل الشيء الذي وقعت عليه المشورة، والشروع فيه، لا يرجع عنه؛ إلا لسبب ظاهر وواضح أن المصلحة والحكمة بخلافه.

ومنها: أن الشورى إنما تكون في الأمور المباحة، أي: التي لا نص فيها، أما ما عرف حكمه فلا.
ومنها: عمل الصحابة بالشورى، ومن أمثلة ذلك ما ذكره عن الخليفتين الراشدين: أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

ومنها: أن أهل العلم والفضل هم أهل الشورى والمشاورة، وأحق الناس بها؛ لقوله: "وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولاً كانوا أو شباناً".
ومنها: مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أمر عائشة رضي الله عنها قبل أن ينزل القرآن بشأنها، وهو أكمل الناس عقلاً، وأرجحهم رأياً.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: "ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم". أخرجه الترمذي.

ومن الدلائل التي تدل على أهمية الشورى في الإسلام: أن الله سبحانه وتعالى أمر بها رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وهو المؤيد بالوحي، فقال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159].

بل إن الإسلام جعلها من صفات المؤمنين الصالحين، حتى إنها وردت في السياق القرآني الكريم بين ركنين عظيمين من أركان الدين هما: الصلاة والزكاة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [الشورى: 38].

وأخبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أنها أمانة، فقال: «المستشار مؤتمن» (رواه أصحاب السنن).

أي: أمين على ما استشير فيه، فإذا عرف المصلحة فكتمها، أو أشار بخلافها، فقد غش وترك الإحسان.

قال العلماء: إن الشورى عبادة، وبحث عن الحق والصواب، ووسيلة للكشف عن المواهب والقدرات، واختبار لمعادن الرجال، وجمع للقلوب وتأليف بينها على العلم والخير والإيمان، وتربية للأمة، وبناء لقواها الفكرية، وتنسيق لجهودها، وإفادة من كل عناصرها، وإغلاق لأبواب الشرور والفتن والأحقاد.

وقال الحسن: "ما تشاور قوم إلا هداهم الله لأفضل ما يحضرهم". رواه البخاري في الأدب المفرد.
وفي لفظ: "إلا عزم لهم بالرشد أو بالذي ينفع".

والشورى هي السبيل إلى الرأي الجماعي، الذي هو خير للفرد والمجتمع من رأي الفرد، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة» (رواه ابن ماجه).

ويجب أن يلاحظ أن من خصائص الشورى في الإسلام أنها يجب أن تتم في إطار الشريعة، ومنهاج النبوة المحمدية، فلا تخرج عن النصوص الشرعية من القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة.

وأن يشاور أهل الاختصاص من ذوي العلم والفهم، والعقل والخبرة والحنكة، كل بحسب اختصاصه وعلمه.
والله سبحانه أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

المصدر: محمد الحمود النجدي-المختار الإسلامي