الاحتشام داخل البيوت

منذ 2023-06-27

ابتُلِيت بعض المجتمعات بآباء وأمهات، يَرَون أن الجلوس مع الأولاد بلباس غير محتشم أمر عادي، لهم الحرية المطلقة فيه، والسبب أنهم محارم لهم، وخاصة ما يكون من الأم أو الأخوات الكبار من لباس كاشف وعاري...

الاحتشام هو الستر في اللباس، شرعه الإسلام كي يحافظ المسلم على عورته أمام الآخرين، ووضع عواملَ للستر والاحتشام؛ كالحجاب، وستر العورة، والاستئذان قبل الدخول، وحدَّد لِباس الرجل والمرأة أمام المحارم وغيرهم.

 

لكن - يا عباد الله - ابتُلِيت بعض المجتمعات بآباء وأمهات، يَرَون أن الجلوس مع الأولاد بلباس غير محتشم أمر عادي، لهم الحرية المطلقة فيه، والسبب أنهم محارم لهم، وخاصة ما يكون من الأم أو الأخوات الكبار من لباس يكشف فيه الصدور والأكتاف والأفخاذ، أو لباس يكون ضيقًا جدًّا، أو شفافًا أو قصيرًا، وكل هذا بحجة أنهم من المحارم، وأنه يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم.

 

أيها المسلمون، والمشكلة ليست في اللباس أمام الأطفال الصغار دون سن التمييز؛ لأن الصغير لا يميز ما يراه، وإن كان الأَولَى التستُّر أمامه، حتى يعتاد الطفل وينشأ على حب الستر، لكن المشكلة الكبرى مع الأطفال المميزين، وتكون أكبر وأكبر عندما يكون اللباس غير المحتشم أمام الكبار؛ بنين وبناتٍ.

 

يقول أحد الشباب: "صرت أستحيي جدًّا عندما أذهب إلى بيتي، وأرى والدتي تجلس أمامي بلباسها الضيق (الاسترتش)، الذي يصف جسمها، وبعض الأحيان تجلس وقد بانت أفخاذها وكتفيها وصدرها، كلما رأيت مثل هذه المناظر، بدأت شهوتي تتحرك، فماذا أفعل؟".

 

وتقول فتاة: "تعودت أن أجلس أمام أبي وإخواني بلباس قصير، يخرج فيه الساق، وأحيانًا جزءٌ من الفخذ، أما خروج الأكتاف والصدر، فهذا طبيعي جدًّا بيننا، لكن المشكلة التي أتعبتني نظرات أخي لي، أشعر أنها تقتلني، إذا جلس بقربي يحاول لمس فخذي وكتفي، بل حاول أكثر من مرة تقبيلي بدون سبب، فماذا أفعل؟".

 

يا عباد الله، إن الستر نعمة من رب العالمين يمُنُّ بها على الناس، وهَتْكُ ذلك السترِ بكشف العورات، وإهمال سترها يُفضي إلى شرٍّ خطير، ويُعَدُّ وسيلة لانتشار الفواحش والأخلاق السيئة.

 

وأنا هنا لا أقصد أن يجلس الأب أو تجلس الأم بكامل حجابها، وأن تلبس إلا ما كان واسعًا وفضفاضًا، وأن تترك زينتها، فهذا لا يقِرُّه عقل ولا نقل؛ لأن الله سبحانه قال: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ} [النور: 31]، لكن أقصد أن يتجمل الوالدان بالحياء والحشمة، خاصة أمام الأولاد، وألَّا يكون ما كُشِفَ من الجسم مثيرًا للشهوات.

 

يا عباد الله: إن الحياء يجعل صاحبه يجتنب كل سيئ وقبيح، وهو مفتاح لكل خير؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «الحياء لا يأتي إلا بخير»، والحياء أساس الزينة والبهاء؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «ما كان الفُحْشُ في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه».

 

فيا أيها الآباء الكرام، انتبهوا لأسئلة أولادكم وهم صغار، عندما يَرَونكم بهذا اللباس، خاصة:

• عندما يكثر السؤال عن الأماكن الحساسة.

• أو الضحك وتقلب مشاعرهم عند رؤية أجزاء الجسم المكشوفة.

• أو محاولة الطفل لمس الأجزاء المكشوفة.

• أو التحديق في الأجزاء المكشوفة والعارية.

• أو طلب الخصوصية لأنفسهم عند الاستحمام أو عند ارتداء الملابس.

• أو الطلب منك عدم إظهار جسمك أمامه.

• أو خلع الملابس أمامه.

 

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور: 58].

 

يقول العلامة ابن عاشور رحمه الله في تفسيره "التحرير والتنوير": "كانت هذه الأوقات أوقاتًا يتجرد فيها أهل البيت من ثيابهم - يعني التخفف منها - فكان من القبيح أن يرى أطفالهم عوراتهم؛ لأن ذلك منظر ينطبع في نفس الطفل؛ لأنه لم يَعْتَدْ رؤيته، ولأنه يجب أن ينشأ الأطفال على ستر العورة؛ حتى يكون ذلك كالسجية فيهم إذا كَبِروا".

 

يا عباد الله: تذكروا أن كشف العورات أمام الأولاد طريقٌ لاعتيادهم على التساهل بكشفها أمام الآخرين، وخاصة ما يكون بين الإخوة والأخوات، وبين الزملاء والأصدقاء.

 

أسأل الله أن يُجمِّلنا بخلق الحشمة والحياء، وأن يجعل بيوتنا عامرة بالطاعة والعمل الصالح، وحسن الخلق، وأن يصلح لنا ولكم الذرية.

 

هذا، وصلوا وسلموا - عباد الله - على نبيكم؛ استجابة لأمر ربكم: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]، اللهم صلِّ وسلم على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.

_______________________________________________________
الكاتب: عدنان بن سلمان الدريويش