الأسرة المسلمة نواة مجتمعها

منذ 2023-09-16

"الأسرة نواة المجتمع، والعناية بها أمر ضروري ولازم"

تتعالى الأصواتُ في المجتمعات العربية بقولها: "الأسرة نواة المجتمع، والعناية بها أمر ضروري ولازم"، وهذا مما لاشكَّ فيه ولا ريب؛ حيث إن ديننا الإسلاميَّ اعتنى بهذه النواة أيَّما عناية، واهتمَّ بترسيخ قواعدها أيما اهتمام، فكانت - وما زالت - الأسرةُ المسلمة الحقة أنموذجًا فريدًا للحياة المستقرة، والنجاح القائم، تنبأ بارتفاع الشأن للأمة أجمع.

 

والحق أن هذه الأُسر في عصرنا متناقصةٌ، فلو محصنا النظرَ في هذه المجتمعات بحثًا عن النموذج الفريد، وحجم النتاج الخارج منه، وكم أعداد أبنائه الذين يقومون على بنيان أمثاله، لوجدنا أن نسبته إلى غيره أقلُّ.

 

إننا وللأسف نجد أسرًا كثيرة تنشأ من منطلق تكوين الأسرة للحصول على مكانة اجتماعية وحسب، فلا يهمُّ الزوجين بداية حياتهما أن تكون هذه النواة فعَّالةً ومحمودة العطاء والبذل، ولا أن تكون مصدرَ إشعاع لرفع أمة، وانبثاق فجر جديد، وعهد وميمون - ولا نعمِّم.

 

وكمثالٍ واسع نتحدَّث فيه بشيء من الإيجاز، ويدلُّ على قولنا السابق، سنأخذ جانب الطفل المسلم من الثقافة العامة وتكوين السلوك.

 

فكما نعلم أن شأن ثقافة الطفل المسلم كبيرٌ ومتشعب، يحتاج منا أن نقوم عليه مراتٍ عدةً؛ حتى نستخلص كلَّ ما فيه، وسنكتفي هنا بتربية الطفل على الاطِّلاع الكبير، والنشأة الدينية السليمة.

 

لو تأملنا حال أطفالنا مع القراءة والثقافة والعلوم، لوجدنا أن معظم مناهلِ ثقافتهم مستقاةٌ من القنوات الفضائية والمدرسة، وقلَّما نجد للقراءة والمكتبة أثرًا لتكوينها، إضافة إلى أن الأم التي تربِّي ترسِّخ بعضَ القيم والمبادئ، والعادات والتقاليد المجتمعية المحمودة، وتبعد عن طفلها ما كان غير مرغوب في هذه المجتمعات، وتكتفي بذلك، فلا تحرص على أن يشغف أبناؤها بالعلم، وأن يكون لهم اليد العليا فيه مستقبلاً، وإن كانت بعاطفتها تتمنى.

 

وهذا الأمر لا نلقيه على عاتق كلِّ الأمهات، ونتجاهل وجودَ الأسباب التي دفعتْ بعضَهن لذلك، أو ساهمت في أن يكنَّ كذلك.

 

من هذه الأسباب:

1- الطبقة الاجتماعية الاقتصادية التي تنتمي إليها: فالطبقات الغنيَّة لهم طباعٌ وأساليبُ تربية وتنشئة تختلف عن الطبقات الفقيرة.

2- مكان المعيشة: سكان المدينة لهم نصيب أوفر في تلقِّي العلوم وإتقانها عن نظرائهم سكان القرية، وهذا أمر واضح وجليٌّ؛ بحكم المساحة، وكثرةِ السكان، والتطوُّرِ العمراني.

3- المعتقد الديني: إيمان المربِّي والمعلم والأم بالله، وشدَّةُ تعلُّقه به ينعكس لزامًا على الطفل أو المتعلم.

 

وهذا عند كل المجتمعات بلا استثناء، فالإسرائيليون - على سبيل المثال - يعززون هذا الجانب المهم في نفوس أطفالهم كما قال "مايربار إيلان": "إن روح التلمود، ومعرفة عامة بشرائعه وآدابه، يجب أن يكون جزءًا من دراسة كلِّ يهودي متعلم، ولو لم يكن سيجعل من حقل الدراسة هذا مجالاً للعمل، والأمر شبيهٌ بتعلُّم الفيزياء والرياضيات، فمع أنه ليس كل تلميذ يتخصص فيهما، ولا يستخدم جميعَ ما يتعلَّمه منهما في حياته العلمية، إلا أنهما ضروريانِ له، كذلك بالنسبة للتلمود يجب أن يحفظ كلُّ تلميذ مقاطعَ منه، وأن يتشرَّب روحها".

 

ومن باب أولى أن يكون لأطفالنا الأسبقيةُ في المحافظة ومعرفة تعاليم ديننا الحنيف، والقيام عليها؛ إذ إن الفرد المسلم لا يكتفي بدراسة شيء من القرآن، أو معرفة بعضه؛ بل يجب عليه معرفتُه والعمل به؛ إذ إنه حياةٌ كاملة لا تنفصل عن مجال العمل الوظيفي بأي شكل من الأشكال.

 

وإن كان الإسرائيليون - السرطان المتنامي في بلادنا العربية - يرسِّخون أباطيلهم في أذهان أطفالهم، فالمسلمون أحوجُ لترسيخ الحق والنور الديني المنبعث من الكتاب والسنّة في نفوس الصغار والكبار.

 

4- المستوى التعليمي: وهذا العامل من أخطر العوامل في تنشئة الأسر ثقافيًّا بشكلها الصحيح؛ إذ إننا لا نستطيع أن نطلب من أم "غير متعلمة" تربيةَ جيلٍ متعلِّم شغوف بالمعرفة، وإن كان بعض الأمهات يستطعن، فإن السواد الأعظم منهن يجهلن الطريقة، أو يجهلن العمل بها، ومن الإجحاف أن نلقي اللوم عليها؛ إذ ما كانت تحتاج لإعادة تأهيل ومحو أمية.

 

ما يجدر بنا قولُه أن الأمهات اللاتي لا يخضعن لسطوة الجانب القاسي من هذه الأسباب، يجب عليهن دفعُ عجلة الثقافة في أسرهن، بعيدًا عن الاتكال المطلق على ما ستعلِّمه المدرسة للطفل، وما ستعطيه من معلومات محضة قد ينفر منها، ومن أساليب التعليم أول مشواره التعليمي، حيث إنه لم يعتد على أن يعيش متعلمًا، أو باحثًا عن الأشياء وأسبابها مهما كانت صغيرة.

 

ويجب عليهن أن يجعلن من الطفولة المبكرة (2 - 6 سنوات) قاعدةً ثابتة، تستطيع حمْلَ كلِّ ما يوضع فوقها دون أن تتهشم؛ إذ إن هذه السنوات الأولى من عمر الطفل لها التأثيرُ الأكبر في تكوين تصوُّراته عن الحياة والمستقبل، وتؤثِّر في تكوين شخصيته ومسار تفكيره.

 

فإذا ما كنا نبني نواةً على ثوابتَ علميةٍ ثقافيةٍ محقَّقةِ النتائج، وجدنا ضالتنا في تكوين المجتمع الأمثل.

_________________________________________________________
الكاتب: 
لطيفة عبدالرحمن العمير