العفو والتسامح فضيلة ومكرمة

منذ 2023-09-22

معاشر المؤمنين، يستكبرُ البعضُ عن العفو والتسامح ظنًّا منه أن في العفوِ والتسامحِ منقصة ومذلة له؛ ولذلك صحَّح رسولُ الله ﷺ هذا الخلَلَ في الفَهْم، فقال: «ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضَعَ أحدٌ لله إلا رفعه الله».

معاشر المؤمنين، العفو والتسامح خلقٌ رفيعٌ، وخصلةٌ سامية، وفعلٌ كريم، امتدح الله فاعله وعدَّه من المحسنين، فقال سبحانه:  {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}  [آل عمران: 134].

 

وقال تعالى ترغيبًا في ثواب العفو والتسامح  {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}  [الشورى: 40]، وقال سبحانه مستحثًّا عباده لفضيلة العفو:  {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}  [النور: 22].

 

سمِعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، بعد أن أقسم ألا ينفق على مِسْطح حين خاض في عرض عائشة رضي الله عنها، فقال رضي الله عنه: "بلى والله إني أُحب أن يغفر الله لي"، وأرجَع إلى مسطحٍ النفقة التي كان يُنفقها عليه.

 

دَخَلَ عُيَيْنَةُ بنُ حصن على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بعد أن استأذن له ابنُ أخيه الحرّ بن قيس، فلما دخل قالَ: يا بْنَ الخَطَّابِ، واللَّهِ ما تُعْطِينَا الجَزْلَ، وما تَحْكُمُ بيْنَنَا بالعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ، حتَّى هَمَّ بأَنْ يَقَعَ به، فَقالَ الحُرُّ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ:  {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} لار ﴾ [الأعراف: 199]، وإنَّ هذا مِنَ الجَاهِلِينَ، فَوَاللَّهِ ما جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عليه، وكانَ وقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ؛ (البخاري ومسلم).

 

معاشر المؤمنين، بالعفو والتسامح يسود الوئام وتتمكَّن المحبَّة والمودَّة بين المسلمين، وتوصدُ أبوابُ الشقاق والفرقة، قال صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقَاطَعُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ».

 

ولأجل ذلك سعى الإسلام لمنع أسبابِ التباغُض والتدابُر، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يبع بعضُكم على بيع بعض، ولا يسمْ على سومه»؛ (مسلم).

 

وعن ابن عمر رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يخطِب الرجلُ على خِطبة أخيه حتى ينكح أو يترك"؛ (متفق عليه).

 

 

معاشر المؤمنين، يستكبرُ البعضُ عن العفو والتسامح ظنًّا منه أن في العفوِ والتسامحِ منقصة ومذلة له؛ ولذلك صحَّح رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هذا الخلَلَ في الفَهْم، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضَعَ أحدٌ لله إلا رفعه الله».

 

تلك هي الموازين الربانية عباد الله التي ينبغي للمؤمنين أن يبنوا حياتهم ويُؤسِّسوا علاقاتهم عليها، ليعيشوا بها الحياة الطيبة في الدنيا، ويسعدوا السعادة الأبدية في الآخرة  {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}  [القصص: 83].

 

هذا هو التسامح المحمود والمرغب فيه عباد الله ولكن هناك تسامحٌ مذمومٌ ومرفوضٌ، وهو ما سنعرفه بإذن الله في الخطبة القادمة.

____________________________________________________
الكاتب: يحيى سليمان العقيلي