هدى للمتقين

منذ 2024-01-02

إنها أداة الإنسان للسير في وسط هذه الأشواك، بنور من الله وفضلة، ولكن كيف لنا أن نجدها؟ وكيف لنا أن نسير بها؟

إن هناك الكثير من الناس الذين قد يحفظون القرآن، أو يتحدثون به، أو هم من الدعاة أنفسهم للإسلام، ولكن عندما تسمع لهم، أو تتناقش معهم، أو تتعامل معهم، أو تقرأ لهم، لا تشعر معهم بمشاعر هدوء النفس، والطمأنينة، وراحة البال، ولا بالخشوع، ولا بنور الإيمان يشع ويبرق في القلوب، ولا بدمعة عين تسكب بحرارتها على الجبين، ولا بتلهف نفسك على الصلة بهم، بل قد تصاب بعكس ذلك.

 

في هذا الوقت العصيب، الذي يختبر الله البشرية جميعا، بأحداث الحرب في غزة. وما نشاهده ونستمع إليه، على شاشات القنوات الفضائية، ووسائل النشر المختلفة.

 

إنها معركة فرز، واصطفاء، وغربلة، وتنقية، وامتحان، وتقوية نفوس، وهلاك أخرى.

 

إن الله عز وجل وهب الإنسان حساسية يستشعر بها هذا، ويهدي بها من يشاء من عباده في خضم هذا كله. إنها أداة الإنسان للسير في وسط هذه الأشواك، بنور من الله وفضلة، ولكن كيف لنا أن نجدها؟ وكيف لنا أن نسير بها؟

 

أين الهدى؟

{قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ *يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15، 16].

 

{ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2].

 

ذلك القرآن، الهدى حقيقته، والهدى طبيعته، والهدى ماهيته... ولكن لمن؟ لمن يكون ذلك الكتاب هدى ونورًا ودليلا ناصحًا مبينًا؟... للمتقين، فالتقوى في القلب هي التي تؤهله للانتفاع بهذا الكتاب، هي التي تفتح مغاليق القلب له فيدخل ويؤدي دوره هناك، هي التي تهيء لهذا القلب أن يلتقط وأن يتلقى وأن يستجيب في ظلمة وتخبط قيل.. وقال، والعلامة، والمرجعية، والولي، العارف بالله، والداعية، والمحلل، والمفسر، والخبير،... تشويش وتشويه الناس بين كل ذلك.

 

فلا بد لمن يريد أن يجد الهدى في القرآن على أن يجيء إليه بقلب تقي.. بقلب خالص، ثم أن يجيء إليه بقلب يخشى ويتوقى، ويحذر أن يكون على ضلالة، أو أن تستهويه ضلالة... وعندئذ يتفتح القرآن عن أسراره وأنواره، ويسكبها في هذا القلب الذي جاء إليه متقيا، خائفا،...

 

هدى للمتقين، فالتقوى: حساسية في الضمير، وشفافية في الشعور، وخشية مستمرة، وحذر دائم، وتوق لأشواك الطريق... طريق الحياة، الذي تتجاذبه أشواك الرغائب والشهوات، وأشواك المطامع والمطامح، وأشواك المخاوف والهواجس، وأشواك الرجاء الكاذب فيمن لا يملك إجابة رجاء، والخوف الكاذب ممن لا يملك نفعا ولا ضرا. وعشرات غيرها من الأشواك!

 

هنا في كتاب الله سيجد النور والهداية، وليس في طرق التأويلات، والتحليلات، وهوى الأنفس والشهرة والولاءات لغير الله.

 

فالتقوى صفة الخلص من مؤمني هذه الأمة في كل حين.

_________________________________________________________
الكاتب: أ. د. فؤاد محمد موسى