أفكارك هي فهرست حياتك

منذ 2024-01-12

إن إزالة الأفكار الخاطئة من تفكيرنا أهم من إزالة المرض من أجسادنا، وأحق بالمعالجة وصرف الدواء.

حياتكَ هي نتيجة أفكارك؛ فأفكارك هي الخارطة التي يكون عليها واقعُك، وموقف الناس منك.

 

وأَصدُقك القولَ بالبيِّنة والبرهان: اسأل رجلاً سعيدًا مبتسمًا عن الناس حوله، تجد أنه يذكر عنهم الطيبة والاحترام، وانتشار الخير بينهم وصِلة الأرحام.

 

واسأل رجلاً عابسًا مكتزًّا، تجده يرى أنَّ هؤلاء أشرار الناس الذين تقوم عليهم الساعة.

 

أما البيِّنة، فأقول لك: اجلس وحدَك وتخيَّل أنك قد انتقلت إلى الآخرة، ثم حاول أنْ تتخيَّل كيف يأتي الخبر أهلك: زوجتك، وابنَك فلانًا، وابنتك؟ والناس ينظُرون إليهم على أن والدهم الذي كان يسعى في إسعادهم، ويُؤمِّل فيهم، ويذُود عنهم - قد فقَدوه، كيف تكون نظرتهم إليهم؟ إنها نظرة مِلؤُها الرحمة والعطف والبكاء، سوف تجد أنك قد دخلت على عالم الأحزان وقد ذَرَفت عيناك والحزن غلَب على مشاعرك، بل لقد أدرَك هذا شاعرُ العربية المتنبي قبل ألف سنة؛ فقال مُكتشِفًا هذه الحقيقة:

 

إذَا ساء فِعْلُ المرء ساءتْ ظُنونُه   ***   وصَدَّقَ ما يَعتادُهُ من تَوهُّـــــــمِ 

وعادَى مُحبِّيه بقول عُداتِـــــــــه   ***   وأَصبحَ في ليلٍ من الشكِّ مُظلِمِ 

 

ثم جدَّد ذلك الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي في قصيدتِه المشهورة:

أيُّها الشاكي وما بكَ داءٌ   ***   كن جميلاً تَرَ الوجودَ جميلا 

 

فإذا كنتُ تفكِّر في أشياء سعيدة فرِحة، فأنت سعيد، وإن فكَّرت في أشياء مُحزِنة، كنت حزينًا، ويَنصحك علماء النفس إن كنت تشعر بالحزن أن تحاول البحث في ذاكرتك عن لحظات سعيدة مرَّت بك وتذكَّرها، وفكِّر في كل ما يمكن أن يُسعدك، وستجد أنَّ السعادة تُسرِع الخطو نحوك.

 

إنَّ إزالة الأفكار الخاطئة من تفكيرنا أهمُّ من إزالة المرض من أجسادنا، وأحقُّ بالمعالجة وصرْف الدواء.

 

أبعِد الأفكار الحزينة من فكْرك واستبدِلها بأفكار مُفرِحة، ستجد أن قطار الحزن يُقلِع من محطَّتِك ليَدخُلها قطارُ الفرح والأمل.

 

إذا فكَّرت في أمور مُخيفة، ستخاف حتى من قرْع صديقك على الباب، أو وقوع فنجان على الطاولة، وتتخيَّل أشياء لا وجود لها.

 

إذا فكَّرت بشكل واثق مطمئن، سوف تَطمئنُّ نفسك، حتى عصْفُ الرياح سيُسعدك سماعه؛ لأنه دليل قدوم الأمطار، ونموِّ الأزهار، وامتلاء الحقول بالسنابل.

 

إن فكَّرت في المرض، ستجد أن الوساوس تحطِّم أعصابك، وتُتلِف معدتك، وتجلِب الاضطراب لقلبك ودورتك الدموية، وسرعان ما تَسقُط فريسةً للمرض.

 

فكِّر في الصحة والنشاط والرياضة، فستجد نفْسَك نَشيطًا تُسرِع إلى الحديقة لتُمارِس الألعاب أو المشي الذي ينشِّط جسمك كلَّه، ويُعيد إلى وجْهك الرونقَ والعافية.

 

فكِّر في الفشل وانظر إلى الفاشلين، سوف ترى أنك أصبحت عاجزًا عن القيام بأي عمل، وخائفًا من أي مشروع، وفي المقابل فكِّر في النجاح والأرباح وأهل الفلاح، سوف ترى قوة خفيَّة تدفعك دون مساومة لاقتفاء أثَرهم.

 

إنَّ أفكارك هي مواقفك من الحياة، فاتِّخذ موقفًا إيجابيًّا بدَل أن تَغرَق في البحار السلبية.

 

 

لذلك أذكر لك:

أراد أحد الرجال السَّفر من مدينة إلى مدينة أخرى، فلما أقبَل على تلك المدينة وجد بيتًا قديمًا تسكنه امرأة عجوز، سلَّم عليها فردَّت عليه السلام، سألها عن أخلاق وطِباع أهل المدينة، وقبل أن تُجيبه سألتْه عن أخلاق وطِباع من ترَكهم، فردَّ عليها قائلاً: إنهم لا يُطاقون؛ فأخلاقهم وصفاتهم سيئة لا تُحتَمل، إضافة إلى أنهم بخلاء وقليلو الأمانة.

 

فقالت العجوز: وهذا هو حال أهل هذه المدينة التي أنت مُتَّجه إليها.

 

وبعد أن مَضى المسافر في حال سبيله بوقت قصير، مرَّ مسافر آخر وتوقَّف عند العجوز وسألها عن طِباع وأخلاق أهل هذه المدينة، فردَّت عليه بسؤال عن حال وأخلاق وطباع من ترَكهم، فأجابها: لقد كانوا أناسًا طيِّبين كرماء، الأمانة هي الأغلب عليهم، وإنَّني في غاية الأسف على فِراقهم.

 

فقالت له تلك العجوز الحكيمة: إذًا سوف تجدهم أيضًا في هذه المدينة.

 

 

وأذكر لك أيضًا:

من القصص التي في عصرنا الحالي: يقول صاحبها - وكان يسكن في إحدى المدن في الولايات المتحدة -:

كنت قد وصلتُ إلى حافة الانهيار العصبي الشامل، وكنت قلِقًا بسبب كل ما يُحيط بي.

 

كنت قلقًا من ضعْفي ومِن تساقط شعري، وأخشى ألا أستطيع دفْع المال اللازم للزواج ممن أحب، وألاَّ أكون صالِحًا، أشياء كثيرة جدًّا.

 

أحسَستُ أني مصابٌ بقرحة المعدة، فتركتُ العمل وازداد توتُّري، حتى صرتُ كمرجلٍ يَغلي دون صِمام أمان.

 

ثم قرَّرت القيام برحلة إلى فلوريدا على أمل أن يُساعدني تغيير الجو، قبل أن ينطلِق بي القطار، سلَّمني والدِي رسالة لأقرأها عند وصولي، وليس قبل ذلك.

 

وصلتُ إلى فلوريدا واستأجرت غرفة نوم في (إحدى الكراجات)؛ لعدم توفُّر الغرف في الفنادق، ولم أجد عملاً فقضيت وقتي على الشاطئ.

 

فتحتُ رسالة والدي لأقرأها، فوجدتُه يقول لي فيها: يا بني، أنت على بعد 1500 ميل من منزلك، لكن لا تشعُر بأي تغيير، أليس كذلك؟ أتعرف لماذا؟ لأنك تَحمِل سبب متاعبك معك، وهو نفسك.

 

ليس ما تَمر به سببَ انهيارك، إنه أسلوب تفكيرك بهذه الظروف، إن ما يفكِّر فيه الإنسان في عقله وقلبه يَكُونه، عندما تفهَم معنى ذلك، وتعرِفه جيدًا، عدْ إلى البيت؛ لأن ذلك يعني شفاءك؟

 

سرتُ غاضبًا ثم مررت برجل يعِظ الناس قائلاً: من يقدِر أن ينتصِر على نفسه هو أقوى ممن يفوز في المعركة، من يستطيع كسْب نفسه أقوى ممن يكسِب مدينة.

 

عادت كلمات والدي إلى رأسي، وتفكَّرت فيها طويلاً؛ فزالت (التشوشات) من تفكيري، وصار بإمكاني أن أُفكِّر بطريقة منطقية.

 

عرَفت مِقدار حماقتي وأنني كنت أريد أن أغيَّر العالم، وأنا عاجز عن تغيير نفسي، إن أهم شيء يحتاج إلى التغيير هو أسلوب تفكيري.

 

في اليوم التالي، حزمت حقائبي وعدتُ إلى بيتي، وبعد أسبوع عدتُ إلى عملي، ثم تزوَّجت بعد أربعة أشهر تلك الفتاةَ التي أحببتُها وخشيتُ أن أفقِدها، ولديَّ الآن خمسة أطفال، ونُشكِّل معًا أسرة سعيدة.

 

_______________________________________________________________

المصدر: كتاب "ولكن سعداء.." للكاتب أ. محمد بن سعد الفصّام، والمتوفّر في مؤسسة الجريسي للتوزيع).