عدة الداعي .. الشجاعة والإقدام

منذ 2024-01-12

إذا انخذلت الأمة عن القيام بواجبها، وتخلت عن أداء رسالتها سقطت من عين الله، وأوشكت أن يعمها الله بعذاب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : [إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقدتودع منها ]

طبيعة الشر وأهله العنف والحدّةُ مع أهل الخير والدعاة إلى الله، وتاريخ دعوة المرسلين شاهد قوي في هذا الباب، ولو ترك الأمر لأهل الشر لما رضوا بغير إبادة الحق وأهله، ولكي يبقى للحق والخير ذكرٌ ووجود لابد أن يكون الإيمان قادرًا على الظهور والحركة، قادرًا على المقاومة، متصفًا بالشجاعة في جميع المواقف والتصرفات؛ فإن البواعث الضعيفة لا تجدي أمام عواصف الحقد وعرامة البطش المنبعثة من أعماق الباطل.

وإذا لم يفلح الإيمان في تكوين أسس للخير قوية التيار، غلابة النفوذ، شديدة النفاذ، فلن يكسب في ميدان الحياة معركة. فلكي ينتصر الطهر وتسود العدالة لابد أن يتعلق بهما الدعاة أشد من تعلق أهل العهر بعهرهم وأهل الظلم بظلمهم. وإذا كانت هناك نفوس درجت على العسف، وتوحشت حتى لكأنها سباع مفترسة، فلن يغني في صدها المقاومة المستأنسة، أو دعوة يقوم بها صاحبها على استحياء. من أجل ذلك كانت الشجاعة خلقًا أصيلاً وشيمةً لا تنفك عن الداعية إلى الله وهو يتقلب بين الناس.

يقول الله تبارك وتعالى: { {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} }، فكلف الله الأمة ـ لتنال الخيرية ـ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلفها أن تكون شجاعة في حماية الدين، وردّ العادين المعتدين على حدوده، فإذا انخذلت الأمة عن القيام بواجبها، وتخلت عن أداء رسالتها سقطت من عين الله، وأوشكت أن يعمها الله بعذاب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [ «إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقدتودع منها» ] ، وإذا كان هذا حق الأمة عامة، فإن واجب الدعاة في هذا التكليف أثقل وأعظم وأجل، إذ هم جيش الإسلام وحراس الإيمان، وحاجتهم إلى الشجاعة للدفاع عن الحق لازم من لوازم وظيفتهم، وواجب من واجبات دعوتهم.


الشجاعة لماذا؟
يحتاج الداعية إلى الشجاعة خاصة في موطنين:

الأول: الدفاع عن الدعوة ضد أعدائها في ميادين الجهاد، وساحات الوغى، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كنا إذا احمر البأس ولقي القومُ القومَ اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه] (رواه أحمد). وكم للإسلام في هذا الباب من فارس همام وبطل مقدام، يعجز القلم عن وصفهم والحساب عن عدهم.


الثاني: الصدع بالحق والجهر به دون خوف أو رهبة، وهنا لابد للداعية أن يتمثل قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: [ «لا يمنعن أحدًا هيبةُ الناس أن يقول بحق إذاعلمه» ]، وقوله عليه الصلاة والسلام: [ «سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» ]، وقوله: [ «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» ].

فالشجاعة في النطق بالحق والجهر به سيادة وريادة وجهاد وشهادة، وإنما تنبعث هذه الشجاعة من اجتماع خلقين عظيمين:
أولهما: إيثار ما عند الله، والاعتزاز بالعمل له، وتفضيل ما عنده على أعطيات المغدقين، والركون إلى جنابه عند تجبر الجبارين، فهو صاحب القهر والسلطان، والجلال والإكرام والجناب الذي لا يضام { {وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير} }، وهذه ثمرة من ثمار العلم بالله، ومعرفةصفات جماله ونعوت جلاله. فمن عرف قدر ما له عند الله آثره على ما سواه، وقدمه على من عداه، ومن صدقت صلته بربه لم يبالِ أن يفتدي الحق بعمره، مفضلاً أن يُقتَل شهيدًا على أن يُدفَن الحقُّ، ولا يجد من ينصفه ويشرفه ويُعلي رايتَه.

وأما الخلق الثاني الباعث على الشجاعة فهو: اليأس مما في أيدي الناس، والانطلاق من قيود الرغبة والرهبة، والتخلص من ذل الطمع وشهوة التنعم. فكم ممن حرم الدعوة للحق طمعًا في نفع دنيوي، أو بحثًا عن رضا من لا ينفع رضاه ولا يضر غضبه، مؤثرًا شهوة النفس ومتع الحياة على الصدع بالحق، ولو كان عفيف النفس، راضيا بحظه من الله لتغير أمره ولتبدل حاله.

فاليأس مما في أيدي الناس هو العز والغنى، والطمع فيما عندهم هو الفقر والعنا، ولا يزال الرجل كريًما على الناس حتى يطمع في دينارهم ودرهمهم، فإذا فعل استخفوا به، وكرهوا حديثه، وملوه وأبغضوه.
وعندما سئل أهل البصرة: بم سادكم الحسن؟ قالوا: احتاج الناس علمه، واستغنى عن دينارهم.. فقيل: ما أحسن هذا.
               أمت مطامعي فأرحت نفسي... فإن النفس ما طمعت تهون

 


وما أجمل ما قال علي بن عبد العزيز القاضي رحمه الله:
يقولون لي فيك انقباض وإنمـــــــــا  ...  رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجمـــا
أرى الناس من داناهم هان عندهـــم  ...  ومن أكرمته عزةُ النفس أُكرمــــــــا
ولم أقض حق العـلم إن كان كلمـــــا  ...  بدا طمـعٌ صيرته لي سـُلَّمــــــــــــــا
وما كل برق لاح لي يستـفزنـــــــــي  ...  ولا كـل من لاقيت أرضـاه منعمــــا
إذا قيل هذا منهل قلت: قـــــــد أرى  ...  ولكن نفس الحـر تحتمل الظـمــــــا
أنهنـهها عن بعض ما لا يشينهـــــــــا  ...  مخـافة أقوال العدا فيم أو لــــــــم؟
ولم أبتذل في خدمة العـلم مهجتي  ...  لأخـدم من لاقيت لكن لأخدمــــــــا
أأشقى به غرسـا وأجنيه ذلـــــــــة؟  ...  إذًا فاتباع الجهل قد كان أحـزمــــــا
ولو أن أهل العلم صانوه صانهــــــم  ... ولو عظموه في النفوس لعظـمــــــــا
ولكـن أهانوه فهـان ودنســــــــــــوا  ... محيـاه بالأطمـاع حتى تجهمــــــــــا