عقوبة العصاة كما رآها الرسول صلى الله عليه وسلم

منذ 2024-02-09

عن سمرة بن جندب: كان رسول صلى الله عليه وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم من رؤيا» ؟ فيقص عليه ما شاء الله أن يقص.

 

الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه ذات غداة: «إنه أتاني الليلة آتيان (جبريل وميكائيل)، وإنهما ابتعثاني (نبهاني من النوم)»

جبريل وميكائيل [للرسول صلى الله عليه وسلم].: انطلق...

 

«وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه، فيُثلَغ رأسه  (يُكسر) فَيَتَدَهْدَه  (يتدحرج) الحجر هاهنا: فيتبع الحجرَ فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصبح رأسه كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى».

 

الرسول صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله، ما هذان» ؟!

 

جبريل وميكائيل: انطلق، انطلق...

«فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلُّوب من حديد، وإذا هو يأتي أحدَ شِقَّي وجهه، فيُشرشِر  (يقطع) شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الجانب الآخر، فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، قال: فما يفرغ من ذلك الجانب، حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى».

 

الرسول صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله! ما هذان» ؟

 

جبريل وميكائيل: انطلق، انطلق..

«فانطلقنا، فأتينا على مثل التنور، فإذا فيه لغط وأصوات، فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهَب من أسفلَ منه، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوْضَوْا»  (أخرجوا أصواتًا).

 

الرسول صلى الله عليه وسلم:  «ما هؤلاء» ؟!

 

جبريل وميكائيل: انطلق، انطلق...

«فانطلقنا، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شطر النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة، فيفغر له فاه، فيُلقمه حجرًا، فينطلق فيسبح، ثم يرجع إليه، كلما رجع إليه فَغَر  (فتح) فاه، فألقمه حجرًا».

 

الرسول صلى الله عليه وسلم:  «ما هذان» ؟

 

جبريل وميكائيل: انطلق، انطلق...

«فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرآة (المنظر) وإذا عنده نار يَحشها (يوقدها)، ويسعى حولها».

 

الرسول صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟

 

جبريل وميكائيل: انطلق، انطلق...

«فانطلقنا، فأتينا على روضة مُعْتَمَّة  (طويلة النبات) مُعشِبة، فيها من كل نور  (زهر) الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل، لا أكاد أرى رأسه طولًا في السماء، وإذا حول الرجل أكثر من ولدان رأيتهم قط».

 

الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما هذا، ما هؤلاء) ؟

 

جبريل وميكائيل: انطلق، انطلق...

«فانطلقنا، فأتينا على روضة عظيمة لم أر قط أعظم منها ولا أحسن».

 

جبريل وميكائيل: ارْق (اصعدَ).

 

«فارتقينا فيها إلى مدينة مبنية بلَبن ذهب، ولَبِن فضة فأتينا باب المدينة. فاستفتحنا ففتح لنا، فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راءٍ وشطر منهم كأقبح ما أنت راءٍ».

 

الملائكة [لهؤلاء الرجال]: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر.

 

«وإذا نهر معترض يجري كان ماءه المحض من البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا، وقد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة».

 

الملائكة [للرسول صلى الله عليه وسلم]: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك.

 

«فسما بصري صعُدًا (مرتفعًا)، فإذا قصر مثل الرَّبابة البيضاء (السحابة البيضاء).

 

جبريل وميكائيل: هذاك منزلك.

الرسول صلى الله عليه وسلم: بارك الله فيكما، ذراني فأدخلَه.

 

الملائكة: أما الآن فلا، وأنت داخلُه.

 

الرسول صلى الله عليه وسلم: فإني رأيت منذ الليلة عجبًا، فما هذا الذي رأيت؟!

 

جبريل وميكائيل: أما إنا سنخبرك.

عقوبة تارك القرآن والصلاة: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يُثْلغ (يُكسر) رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة.

 

عقوبة الرجل الكذاب: وأما الرجل الذي أتيت عليه يُشَرشِرُ شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق.

 

عقوبة الزناة والزواني: وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة والزواني.

 

عقوبة آكل الربا: وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر، ويُلقَم الحجارة، فإنه آكل الربا.

 

وظيفة خازن جهنم: وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم.

 

إبراهيم وحوله الأولاد: وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم، وأما الولدان الذين حَوْله، فكل مولود مات على الفطرة.

 

بعض المسلمين [للرسول صلى الله عليه وسلم]: يا رسول الله: وأولاد المشركين؟

 

رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأولاد المشركين».

 

الذي تجاوز الله عنهم: وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسَن، وشطر منهم قبيح، فإنهم قوم خلطوا عملًا صالحًا، وآخر سيئًا تجاوز الله عنهم.

 

رواه البخاري انظر فتح الباري ج 12/ 438، باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح

 

من فوائد الرؤيا في الحديث:

1- أن الإسراء وقع يقظة ومنامًا (وأن المنام تحقق يقظة ليلة الإسراء).

 

2- وفيه أن بعض العصاة يعذبون في البرزخ.

 

3- وفيه من تلخيص العلم، وهو أن يجمع القضايا جملة، ثم يفسرها على الولاء (الترتيب) ليجتمع قصورها في الذهن.

 

4- التحذير من النوم عن الصلاة المكتوبة، وعن رفض القرآن لمن يحفظه (ترك العمل به).

 

5- التحذير من الزنا، وأكل الربا، وتعمد الكذب.

 

6- أن الذي له قصر في الجنة لا يقيم فيه وهو في الدنيا، بل إذا مات، حتى النبي والشهيد.

 

7- الحث على طلب العلم، واتباع من يلتمس منه ذلك.

 

8- فضل الشهداء، وأن منازلهم في الجنة من أرفع المنازل.

 

9- أن من استوت حسناته وسيئاته يتجاوز الله عنهم. اللهم تجاوز عنا برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

10- الاهتمام بأمر الرؤيا والسؤال عنها، وفضل تعبيرها، واستحباب ذلك بعد صلاة الصبح، لأنه الوقت الذي يكون فيه البال مجتمعًا.

 

11- استقبال الإمام أصحابه بعد الصلاة إذا لم يكن بعدها راتبة، وأراد أن يعظهم، أو يفتيهم، أو يحكم بينهم.

 

12- ترك استقبال القبلة للإقبال عليهم لا يكره، بل يشرع كالخطيب. انظر فتح الباري للحافظ ابن حجر ج 12

 

13- وفي الحديث دليل أيضًا على أن الأولاد الذين ماتوا على الفطرة هم في الجنة، حتى أولاد المشركين.

_____________________________________________________

الكاتب: 

محمد جميل زينو

عالم كبير..مدرس في مكة المكرمة.