مئذنة بلا أذان

منذ 2024-02-12

فما بالنا نعيش في عصرٍ كَثُرت مآذِنُه، وارتفعت منائرُه، وبكت مساجده من قلة عُمَّارها؟!

في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بُنيت المساجد بلا مآذن، فكان بلال - رضي الله عنه - إذا رَفَع الأذان وقف على مكانٍ عالٍ؛ لِيَسمَع الناس النداء، فلما كانت الدولة الأموية، اتسع العمران وكَثُر الناس، فدعت الحاجة إلى بناء المآذن؛ لِيُرفع من أعلاها الأذان؛ لِيَسمَعه القاصي والداني؛ فتُسرِع الناس إلى مساجدها كأسراب الطيور، فهلَّا اتفقنا سويًّا على أنَّ المآذن لم تُبْنَ إلا لرفع الأذان، ودعوة المصلين إلى الصلاة، أليس كذلك؟

 

فما بالنا نعيش في عصرٍ كَثُرت مآذِنُه، وارتفعت منائرُه، وبكت مساجده من قلة عُمَّارها؟!

 

أين عُمَّار المساجد؟ أين المُصلُّون؟ أين الباكون الخاشعون؟ أين من تكون الصلاة قُرةً لعيونهم، وراحةً لقلوبهم، وطُمَأْنينةً لنفوسهم؟ لماذا نُكْثِر من المساجد ونحن هاجِروها؟!

 

لماذا نزخرف جُدْرانها ونحن لحبال وِدادها قاطعوها؟!

 

لماذا رفعنا بُنيانها وسعينا في خرابها؟!

 

لقد ارتفعت مآذِنُنا شاهقةً تُناطِح السحاب؛ حتى إنه يُخيَّل للناظر إليها أنها عروس تختال بزينتها في الفضاء، وحقًّا والله! إنها لعروس السماء! ولكن، واأسفاه! على عروس تبكي ليلة عرسها!

 

إن مآذننا الآن تبكي وتبكي حتى ابتلَّ الثرى من بكائها! فلم يَحِنَّ لها بنوها، ولم يرحموها ويُقبِلوا عليها؛ بل أعرضوا عنها؛ فانهمرت دموعها حتى جَفَّت مآقيها! فواحسرتاه! على أبناء قاسِين عاقِّين لم يعرفوا سوى القسوة والجفاء، والقطيعة والهجران.

 

إن المسلمين أساءوا في حقِّ مساجدهم، ولكن قريتي كانت من أشدّهم إساءة! فلقد مرَّ يومٌ كاملٌ في قريتي لم يُرفَع فيه أذان إلا أذان الفجر، فهل يُعقَل هذا في قرية تشهد الشهادتين؟!

 

وما أكثر ألا يُرفَع الأذان في قريتي! وقلَّما يمُرُّ يوم كامل برفع الأذان، ولو كان المسجد بلا مؤذِّن راتبٍ لهان الخَطْبُ، ولكن المؤذن راتب، وإذا سألت عنه فإذا هو عامل في الحقل وقد ترك الأذان، فإذا سألت عن المُصلِّين؛ فأكْرَم لك ألا تسألني عن ذلك، فجهلُك بهذا الأمر أسكنُ لفؤادك وأطيبُ لنفسك، وحسبك من ذلك أن تعلم أنَّ الصلاة تُقام في مسجدنا برجل أو رجلين أو ثلاثة، وأنَّ عدد المصلين إنْ زاد كان عشرة على الأكثر، وحسبك أنْ تعلم أنَّه ما أكثر ما صليتُ الفجر بمفردي! وما أكثر ما صلى المؤذن بمفرده، وأحيانًا لا تُقام الصلاة بالمرة! ألم أخبرك أنَّ جهلك بهذا الأمر خيرٌ لك؟ ولكني أخبرتك على كل حال.

 

إنني كلما نظرت إلى المِئذنة، علمتُ أنَّه يُخيَّل إلى الرائي لها أنها تكتظُّ بالمصلين، وما يخطر بباله قطُّ أنها خاوية على عروشها، وأنَّى يأتيه هذا الخاطر وهو أغرب من الخيال؟!

 

ورفقًا بك عزيزي القارئ، لن أخبرك بما يحدث من أولئك النفر الذين يرتادون المسجد، وحسبك أنْ تعلم أنَّهم أطلقوا العنان لأطفالهم ليعبثوا بأثاثِ المسجد وبالمُصلِّين، وحسبك أنْ تعلم أنَّهم يتكالبون على الإمامةِ مع جهلهم بقراءة الفاتحة وأنَّ أحدهم إذا قرأها قال: (اهدنا الصلاط المستكين)، وأنَّ أحدهم إذا قرأ سورة التين قال: (والتين والزيتون وطول السنين)، هذا حال قريتي مع مسجدها! حال يُرثى لها! وأما على صعيد الدعوة والإنذار فقد بُحَّتِ الأصوات بلا طائل.

 

فيا ويح أهل قريتي! ألا يتألمون لمسجدهم الذي يَئنُّ ويشتكي ومئذنته التي تبكي؟!

 

ألم يكفهم ما حَلَّ بنا في جائحة كورونا من إغلاق المساجد؟

 

ألم يروا كم تقطَّعَت قلوب المخلصين عندما صاحت المآذن: «ألا صلوا في رحالكم»؟

 

فكم كانت تلك الكلمات ثقيلةً على قلوب المُصلِّين المحبين، لقد وقعت تلك الكلمات موقع الخِنْجَر في القلوب، فقد قَبِلَها عاشقو المساجد على مضضٍ! وأي طعنةٍ أقوى من مَنْعِك من الصلاة في المسجد؟!

 

وأي خيبةِ أملٍ حينما يُخَيَّل إليك أنَّ المآذن قد غضبت من أبنائها، فصرخت قائلةً: ((ألا صَلُّوا في رحالكم)).

 

وَأَيُّنا يستغني عن السكينةِ والرحمةِ التي تغشاه في سعيهِ إلى المسجد؟!

 

أليس كل خطوةٍ ترفعك درجة وتُحطُّ عنك خطيئة، فمن له غناء عن هذا الخير؟!

 

وأيُّ خيرٍ في العيش إذا سُلبت لذة الصلاة في المسجد؟!

 

وأيُّ حسرةٍ أنْ تسمع الأذان ولا تُلبِّي النداء؟!

 

لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للأعمى: ((أتَسْمَعُ النِّداءَ بالصَّلاةِ؟))، قالَ: نَعَم، قالَ النبي: ((فأجِبْ))؛ (صحيح النسائي).

 

ألم يهز غافلي قريتي بكاء مؤذن لم يُكمِل أذانه من كثرة بكائه؛ حزنًا لفراق مسجده بسبب كورونا.

 

وإني لأذكر أنَّي كنت حينها أعمل في مدينة ساحلية، فإذا جاء وقت الصلاة أخذني حنينٌ إلى المسجد كحنينِ طفلٍ للقاء أُمِّه، وامتلكتني لهفةُ المشتاقِ إلى حبيبه؛ فكنت لا أستطيع الصلاة في البيت، وكنت أتسلَّل خِلسةً إلى المسجد، فإذا وصلتُ إليه وجدتُ نفرًا من المُصلِّين صنعوا ما صنعت، فندخل المسجد ونغلق الأبواب ريثما نصلي، ثم نعود من حيث أتينا.

 

ألم يصل قريتي نبأ ذاك الشاب الغَزَّاوي الذي وقف على أنقاض مسجده الذي هدمه اليهود فصاح يُردِّد الأذان، فصرعت كلماتُه قلوبَ المؤمنين، ثم شقت طريقها إلى عنان السماء.

 

ألا يعلم هؤلاء الغافلون من قريتي أنَّ من المسلمين من لا يجد مسجدًا ليصلي فيه؟! ألا يذكرون رسول الله محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة حينما كانوا يخرجون إلى شِعاب مكة لِيُصَلُّوا؟! ألا يذكرون كم كانت فرحة المسلمين عند بناء أول مسجد بقباء؟!

 

إنَّ من المسلمين من يعيش في بلاد الكفر ويتشوَّق إلى سماع كلمات الأذان؛ ليهتز قلبه، ويسكن فؤاده، وتطرب آذانه.

 

عندما رُفِع الأذان لأول مرةٍ من مئذنة مسجد جنوب العاصمة السويدية «ستوكهولم» لمدة ثلاث دقائق فقط، تقول إحدى النساء المسلمات التي سمعت الأذان: (لقد سرى إحساس بالدفء في سائر أعضاء جسدي).

 

فيا ليت قومي يعلمون أنَّ من المسلمين من لا يجد مسجدًا يصلي فيه! ومنهم من يجد المسجد ولا يستطيع أنْ يرفع الأذان؛ لأنه في بلد أوروبي لا يدين بالإسلام ولا يسمح بإقامة شعائره.

 

فإن عجبت عزيزي القارئ من صنيع قومي، حُقَّ لك والله أنْ تعجب! وكيف لا تعجب من قوم أنعم الله عليهم بالإسلام، وببلد إسلامي، وبمسجد يحتضن بيوتهم، ثم يتكاسلون عن رفع الأذان وإقامة الصلاة؟!

 

فاللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وأن تحل بنا نقمتك، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، غفرانك ربنا وإليك المصير.

______________________________________________________
الكاتب: محمد ونيس