صائم من أجل الله

منذ 2024-03-17

فالصيام فيه تقديم رضا الله على النفس، وتضحية بالامتناع عن الطعام والشراب، وبالإمساك عن الشهوة وذلك ابتغاء وجه الله وحده، ومن هنا كان ثوابه عظيمًا...

أيها المؤمنون: إن القرب من الله بتوحيده وعبادته وطلب مرضاته من أعلى المراتب وأجل الغايات، وفي ذلك سعادة الدارين، ولذلك سار في هذا الطريق الأنبياء والصالحين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً، فآثروا مرضات الله على شهواتهم وأمنياتهم وتطلعاتهم، وقدموا ما يحب الله على محابهم ولو كانت عزيزة عليهم، هذا إبراهيم - عليه السلام - المثل الأعلى في تقديم رضا الله عن كل رضا فقد أخبرنا -تعالى- مبيناً صدقه عندما أمتحنه وابتلاه في أعز ما يملك في هذه الحياة وأمره بذبح ابنه فقال:  {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}  [الصافات: 102]، والرؤيا في حق الأنبياء وحيٌ من الله  {فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}  [الصافات: 103 - 107].

 

وقال الله عَزَّ وَجَلَّ عن موسى عليه السلام:  {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}  [طه: 83، 84]، أي الذي عجلني إليك يا رب: الطلب لقربك، والمسارعة في رضاك.

 

من أجل رضا الله وتقديم محابه على محاب النفس، جاعت البطون وتفطرت الأقدام وسجدت الجباه وبذلت الأموال وأريقت الدماء وسالت الدموع وتقرحت الشفاه..

 

فليتك تحلو والحياة مريـــرة   ***   وليتك ترضى والأنام غضابُ 

وليت الذي بيني وبينك عامر   ***   وبيني وبين العالمين خــرابُ 

إذا صح منك الود فالكل هين   ***   وكل الذي فوق التراب تـرابُ 

 

ولذلك لما عاد -صلى الله عليه وسلم- من الطائف وقد رجم بالحجارة من قبل السفهاء والمجانين وسدت في وجهة طرق البلاغ لدين الله لم يزد على أن قال كلمات يطلب فيها رضا ربه قائلاً: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك، أو ينزل بي سخطك. لك العتبى حتى ترضى. ولا حول ولا قوة إلا بك...».

 

عبــاد الله: في الصيام تظهر هذه العبادة جلية واضحة، فالصيام فيه تقديم رضا الله على النفس، وتضحية بالامتناع عن الطعام والشراب، وبالإمساك عن الشهوة وذلك ابتغاء وجه الله وحده، ومن هنا كان ثوابه عظيمًا، قال صلى الله عليه وسلم-: «كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي»  (رواه البخاري ومسلم.. نعم يدع الصائم طعامه وشرابه ويترك شهوته ويحفظ جوارحه من اجل الله وطلباً لمرضاته ويتحمل المشاق لأجل ذلك، وعندما يأت موعد الإفطار يقول المسلم برضا وطمأنينة وثقة بوعد الله ووعيده كما علمه رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (حسنه الألباني في صحيح أبي داود.

 

إن الرضا عن الله وتقديم محابه على محاب النفس دليل على قوة الإيمان، به ينال العيد معية الله وتوفيقه في الدنيا والآخرة، قال صلى الله عليه وسلم -: «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رضي بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً» (مسلم 1/ 46)، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي: رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُرْضِيَهُ»  (مسلم1/ 46)، لقد كان جزاء من يطلبون رضا الله ويقدمون محابه على محاب نفوسهم ويسارعون بالتضحية بالمال والنفس، أن رضي الله عنهم وبشرهم بجنته ورضوانه قال تعالى:  {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}  [التوبة: 100].

 

عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزل قوله تعالى:  {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ}  [الحديد:11]، قال أبو الدحداح يا رسول الله أو إن الله يريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح، قال: أرني يدك قال فناوله، قال فإني أقرضت الله حائطا فيه ستمائة نخلة، ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعياله، فناداها يا أم الدحداح، قالت: لبيك قال اخرجي قد أقرضت ربي عز وجل حائطا فيه ستمائة نخلة.. لم تقل له لقد ضيعتنا وأفقرتنا كيف سنعيش ماذا تركت لأولادك؟ كلا.. بل قالت:

بشرك الله بخير وفـــــــــــرح   **   مثلك أدى ما لديه ونصــــــــح 

قد متع الله عيالي ومنـــــــح   **   بالعجوة السوداء والزهو البلح 

والعبد يسعى وله ما قد كدح   **   طول الليالي وعليه ما اجتـرح 

 

معاشر المسلمين: إن سعادة الأمة أفراداً وشعوباً ودولاً ومجتمعات إنما يكمن في الالتزام بما امر الله ورسوله صل الله عليه وسلم والمسارعة إلى التنفيذ برحابة نفس وحب، وتلك عبادة الرضا بالله وعن الله وفي الله، ولن يكون هناك خير أو نصر او تمكين، أو خروج من هذا الواقع المرير إلا عندما نقدم أمر الله ورسوله برضا وحب وتضحية ويقين، على رضا النفوس والأشخاص والشهوات والشبهات، قال تعالى:  {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ}  [التوبة:62].

 

وشهر رمضان يأتي كل عام ليجدد هذه القيم ويؤصلها في النفوس كما تأتي غيره من العبادات لتربية المسلم على تقديم ما يحبه الله ويرضاه، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار.

عبــــاد الله:- إن الله سبحانه وتعالى لا يحتاج منا إلى أن نترك طعامنا وشرابنا في رمضان أو غيره، إنما يتعبدنا بحسن الألتزام والمسارعة إلى التنفيذ طلباً لرضاه، وعليه يجب ان نتعلم من هذا الدرس العظيم من شهر رمضان ونسارع لإرضاء الله في أقوالنا وأفعالنا ومعاملاتنا، فنترك الحرام من أجل الله، ونبتعد عن الغش والخيانة من أجل الله، ونصفي قلوبنا من الحسد والأحقاد والضغائن من اجل الله ونترك العصبية والجاهلية من أجل الله، ونحقن دمائنا ونصون أعراضنا وأموالنا من أجل الله، ونحفظ السنتنا من أجل الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَن لم يَدَعْ قول الزُّور والعملَ به والجهلَ، فليس للهِ حاجةٌ أن يَدَعَ طعامه وشرابه»؛ (رواه البخاري.

 

أيها المؤمنون: إن أعظم أبواب الخير والراحة والنعيم ان يرضى عنك ربك في الدنيا والآخرة ولن يصل المرء إلى هذه المكانة إلا بعقيدة صحيحة وعبادة سليمة وعمل صالح والطمع فيما عند الله من أجر وثواب..

 

عنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ، فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لا نَرْضَى، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالُوا: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رضْوَانِي، فَلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا»؛ (صحيح.

 

اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم اجعلنا ممن يصوم ويقوم رمضان إيماناً واحتسابا، اللهم ارضى عنا وعن والدينا دنيا وآخرة.

______________________________________________________
الكاتب: حسان أحمد العماري