من أقوال السلف في السهر

منذ 2024-03-17

من الأمور التي تغيرت فيها أحوال كثير من المسلمين: سهرهم الليل كله, أو غالبه, وخصوصًا في أيام الصيف والإجازات

                      

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى أصحابه أجمعين...أما بعد: فمن الأمور التي تغيرت فيها أحوال كثير من المسلمين: سهرهم الليل كله, أو غالبه, وخصوصًا في أيام الصيف والإجازات, والسهر مذموم إلا ما كان في طاعة وقربة لا بترتب عليها فوات شعيرة واجبة.

والأصل ان الإنسان ينام الليل, ولا يسهر, فالله جل وعلا جعل الليل للنوم والهدوء والسكون، قال سبحانه: {﴿ فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾} [الأنعام: 96 ] {﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾} [يونس: 67] {﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ﴾ } [الفرقان: 47].قال العلامة السعدي رحمه الله: أي: من رحمته بكم ولطفه أن جعل

للسلف أقوال عن السهر يسر الله الكريم فجمعت بعضًا منها, أسأل الله أن ينفع بها

  • النهي عن السمر والسهر:

& قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: قد رويت كراهة السمر بعد العشاء عن عمر وحذيفة و عائشة.  ثم منهم من علل بخشية الامتناع من قيام الليل, وروى ذلك عن عمر. ومنهم من علل بأن الصلاة ينبغي أن تكون خاتمة الأعمال, فيستحب النوم عقيبها, حتى ينام على ذكر. وكانت عائشة تقول لمن يسمر: أريحوا كتابكم. تعنى: الملائكة الكاتبين.

& قال الإمام النووي رحمه الله: السهر في الليل سبب للكسل في النهار عما يتوجه من حقوف الدين, والطاعات, مصالح الدنيا.

& قال الإمام القرطبي رحمه الله: السمر في الحديث مظنة غلبة النوم آخر الليل فينام عن قيام آخر الليل

& قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يضرب الناس على ذلك [السهر] ويقول: أسمرًا أول الليل, ونومً آخره.

  • الأمور التي لا يكره السهر والسمر فيها:

& قال أبو بكر العربي رحمه الله: النهي عن السمر إنما هو...لأجل فوت قيام الليل, فإذا كان على خلاف هذا وتعلقت به حاجة, أو عرض شرعي فلا حرج فيه.

& قال الإمام النووي رحمه الله: قال العلماء: والمكروه من الحديث بعد العشاء هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها، أما ما فيه مصلحةٌ وخير فلا كراهة فيه؛ وذلك كمُدارَسة العلم، وحكايات الصالحين، ومحادثة الضيف، والعروس للتأنيس، ومحادثة الرجلِ أهلَه وأولادَه للمُلاطَفة والحاجة، ومحادثة المسافرين بحِفظ مَتاعهم أو أنفسهم، والحديث في الإصلاح بين الناس والشفاعة إليهم في خير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإرشاد إلى مصلحة. ونحوِ ذلك، فكل هذا لا كراهةَ فيه.

& قال الإمام القرطبي رحمه الله: هذه الكراهة إنما تختص بما لا يكون من قبيل القرب والأذكار, وتعليم العلم, ومسامرة الأهل بالعلم, وبتعليم المصالح, وما شابه ذلك

  • مجاهدة النفس في السهر في طاعة الرحمن:

& قال الإمام ابن رجب رحمه الله: إذا جنَّ الليلُ وقع الحربُ بين النوم والسهر, فكان الشوقُ والخوفُ في مقدمة عسكر اليقظة, وصار الكسل والتواني في كتيبة الغفلة, فإذا حمل العزمُ حملةً صادقة هزم جنود الفتور والنوم, فحصل الظفرُ والغنيمةُ, فما يطلُعُ الفجرُ إلا وقد قُسمت السُّهمان وما عند النائمين خبر.

ـــــــــــــ

& قال ابن عباس رضي الله عنهما: تدارس العلم ساعة من الليل خير من إحيائها.

& قال عطاء وطاووس ومجاهد رحمهم الله: لا بأس بالسمر في الفقه.

& قال مجاهد رحمه الله: لا يجوز السمر بعد العشاء إلا....لمذاكر بعلم.

& قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: كان ابن شبرمة وغيره من فقهاء الكوفة يسمرون في الفقه. ونص الإمام أحمد أنه لا يكره السمر في العلم.

  • السهر في قيام الليل:

& قال صهيب الرومي رضي الله عنه, لامرأته رضي الله عنها, وقد عاتبته في كثرة سهره: إن الله جعل الليل سكناً إلا لصهيب, إن صهيباً إذا ذكر الجنة طال شوقه, وإذا ذكر النار طار نومه.

& قال مجاهد رحمه الله: لا يجوز السمر بعد العشاء إلا لمصل.

& قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: كانت امرأة حبيب توقظه بالليل وتقول: ذهب الليل وبين أيدين طريق بعيد. وزادنا قليل, وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا ونحن قد بقينا.

& قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: رجال كحلوا أعينهم بالسهر

كانوا يفرحون بالليل إذا أقبل ودنا. وفي دياجي الليل يسهرون

تحملوا تعب السهر...وأخلصوا العمل فزاد عملهم ونما. جن عليهم الليل فسهروا, وطالعوا صحف الذنوب فانكسروا, وطرقوا باب المحبوب واعتذروا

& قال الحافظ ابن رجب رحمه الله:  كانت أقدامهم في الدجى قائمة

وعيونهم ساهرة لا نائمة, قلوبهم على الطاعات عازمة, وهذه أفعال النفوس الحازمة.

ـــــــــــــــــ

  • السمر في مؤانسة الأهل:

& قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: وقد روى عن عائشة أنها رأت قومًا يسمرون, فقالت: انصرفوا إلى أهليكم, فإن لهم فيكم نصيبًا. وهذا يدل على أنها استحبت السمر عند الأهل لما فيه من المؤانسة لهم, وهو من حسن العشرة.

  • السهر في مصالح المسلمين:

& قال الإمام ابن القيم رحمه الله في هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في منامه ويقظته: كان ينام أول الليل ويقوم آخره...وربما سهر أول الليل في مصالح المسلمين.

& قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: وفيه دليل على جواز السمر في مصالح المسلمين, وما يعود على نفعهم.

وقد روى عن عبدالرحمن بن أبي ليلى أنه كان يسمر مع علي بن أبي طالب حتى يذهب ليل طويل.   وكان ابن عباس يسمر عند معاوية.

وخرج عبدالله بن مسعود وأبو موسى من عند الوليد, وقد تحدثوا ليلًا طويلًا , فجاءوا إلى سدة المسجد, فتحدثوا حتى طلع الفجر.

  • التلذذ بالسهر في طاعة الله:

& قال أبو سليمان الداراني, رحمه الله: لأهل الطاعة في ليلهم ألذ من أهل اللهو بلهوهم, ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا.

& قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: لما رأى العابدون الليل قد هجم عليهم, ونظروا إلى أهل الغفلة قد سكنوا إلى فرشهم, قاموا إلى الله سبحانه وتعالى فرحين مستبشرين, فانقضى عنهم الليل وما انقضت لذتهم من التلاوة, ولا ملت أبدانهم من طول العبادة.

ـــــــــــــ

  • السهر على المعاصي والمنكرات:

& قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: يغتنم الرجل ظلمة الليل وغفلة الناس فيقوم فيسعى في معاصي الله, فهذا عليه ولا له.

& قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعاً عجيباً.

إن طال الليل فبحديث لا ينفع...وإن طال النهار فبالنوم.

فعلمت أن الله تعالى لم يطلع على شرف العمر ومعرفة أوقات العافية إلا من وفقه وألهمه اغتنام ذلك ﴿ وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم

& قال الإمام ابن القيم رحمه الله: قد شاهدنا نحن وغيرنا ثقل القرآن على أهل الغناء وسماعه, وتبرُّمهم به...فإذا جاء قرآن الشيطان فلا إله إلا الله, كيف تخشع منهم الأصوات, وتهدأ الحركات, ويطيبُ السهر وتمنِّى طول الليل!

  • السهر يهدم البدن:

& قال الإمام ابن القيم رحمه الله: أربعة تهدم البدن: الهم, والحزن, والجوع, والسهر.

& قال العلامة العثيمين رحمه الله: السهر يهدم الجسم, ويؤثر عليه تأثيراً بالغاً, فربما لا يظهر الأثرُ في الوقت الحاضر أو القريب, ولكن في المستقبل.

  • المنافق لا يسهر في طاعة الله:

& قال قتادة بن دعامة, رحمه الله: كان يقال: قلما سهر الليل منافق.

  • السهر من الفتن التي أصابت الناس:

& قال العلامة الألباني رحمه الله: ما عليه جماهيرُ الناس اليوم من السمر وراءَ التلفاز وأمثاله، هو من الفتن التي أصابت العالم الإسلاميَّ في العصر الحاضر، نسأل الله السلامة من كلِّ الفتن، ما ظهر منها وما بطن؛ إنه سميع مجيب.

ـــــــــــــــــ

  • حكم السهر:

& قال العلامة ابن باز رحمه الله: لا يجوز للمسلم أن يسهر سهرًا يترتب عليه إضاعته لصلاة الفجر في الجماعة, أو في وقتها, ولو كان ذلك في قراءة القرآن, أو في طلب العلم, فكيف إذا كان سهره على التلفاز أو لعب الورق, أو ما أشبه ذلك؟ وهو بهذا العمل آثم ومستحق للعقوبة من الله سبحانه.

  • ترك السهر والعودة إلى الحياة الجميلة:

& قال الشيخ محمد بن لطفي الصباغ رحمه الله: ما أحسن أن نعود إلى هذه الحياة الجميلة! ننام بعد العشاء, ثم نقوم في هدأة الليل نُناجي ربنا, ونتزود لأرواحنا, وكذلك ننطلق بعد صلاة الفجر نمشي في مناكب الأرض, نأكل من رزق الله, ونسعى في عمارة بلادنا الخيرة.  

لكم الليل بمنزلة اللباس الذي يغشاكم حتى تستقروا فيه وتهدأوا بالنوم.

وختامًا فليتذكر من يسهر على الذنوب والمعاصي باختلاف أنواعها, وهو آمن مطمئن, أن هناك من يسهر من الهم والغم, قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: يذكر لنا ونحن صغار – والله أعلم بصحته – أن رجلاً ابتلي بكثرة الحم, وصار سميناً جداً, وصار يتعب, فذهب إلى الطبيب, فجعل الطبيب يفحصه, ويجسُّ جميع بدنه, فقال: إنك سوف تموت بعد أربعين أو عشرين يوماً, فصار هذا الرجل يأخذه الهمُّ, لا ينام في الليل, ولا يأكل في النهار, فما مضى نصف المدة إلا وقد خفَّ وزنه كثيراً, بسبب الهمِّ, فلما مضت المدة لم يَرَ موتاً, فجاء إلى الطبيب, فسأله: فقال: أنا أُريد منك أن يُصيبك الهم حتى ينزل وزنك, وإلا فالموت علمه عند الله عز وجل.

ــــــــ

وليتذكر من يسهر على الذنوب والمعاصي وهو سليم معافى, أن هناك من يسهر من التعب والمرض, فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( « ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم  كمثل الجسد, إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى» )) [متفق عليه] قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله: (( بالسهر والحمى )) أما السهر فلأن الألم يمنع النوم.

فاحمد الله يا عبدالله على الصحة والعافية, والأمن والأمان, واترك السهر, وإن سهرت فليكن على طاعة تقربك من الرحمن, وتبعدك من النيران.        

                     كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

** استفدت في الدلالة على بعض المراجع من كتاب " إمتاع النظر بأحكام السهر والسمر " لمؤلفه عبدالخالق بن محمد بن سنان العماد, جزاه الله خيرًا.