صوم يوم الغيم والشك

منذ 19 ساعة

من الطرق التي يُعلم بها دخولُ الشهر: رؤيةُ الهلال، ثم إن ليلة الثلاثين من شعبان لا تخلو من ثلاثة احتمالات:.. (انظر زاد المعاد 2/ 39-49).

من الطرق التي يُعلم بها دخولُ الشهر: رؤيةُ الهلال، ثم إن ليلة الثلاثين من شعبان لا تخلو من ثلاثة احتمالات؛ (انظر زاد المعاد 2/ 39-49).

 

الحال الأولى: أن يُرى الهلال، فيجب الصوم لتحقق الرؤية.

 

الحال الثانية: أن يكون الجو صحوًا لا غيمَ فيه ولا قتر، ولم يُر الهلال، فالحكم أنهم يصبحون مفطرين؛ لأنه لا يعلم كونه من رمضان فلا يُصام، وهذا هو يوم الشك في المشهور من المذهب، والقول الثاني: أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال غيمٌ أو قتر، وهذا هو الأقرب.

 

الحال الثالثة: أن يحول دون الرؤية هلال رمضان حائلٌ من غيم أو قتر، ففي هذه المسألة أقوال:

القول الأول: ظاهر مذهب الإمام أحمد أنه يجب صوم ذلك اليوم، وهذا من مفردات المذهب، والجمهور على عدم الوجوب، قال في الإنصاف: "وهو المذهب عند الأصحاب، ونصَروه، وصنَّفوا فيه التصانيف، وردُّوا حججَ المخالف، وقالوا: نصوص أحمد تدل عليه"؛ (الإنصاف 3/ 269)، لكن قال في الفروع: "كذا قالوا، ولم أجد عن أحمد أنه صرَّح بالوجوب، ولا أمر به، فلا تتوجه إضافته إليه، ولهذا قال شيخنا: لا أصل للوجوب في كلام أحمد، ولا في كلام أحد من الصحابة رضي الله عنهم"؛ [الفروع 3/ 7]، واستدل الأصحاب بما يأتي:

1- الاحتياط، وهذا الاحتياط بناءً على ما سيأتي من فعل ابن عمر، ولأن الغالب على شعبان هو النقص، فيكون الأظهر طلوع الهلال.

 

2- حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطِروا، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له) (خ 1900، م 1080)، زاد أحمد وأبو داود: "فكان عبد الله - يعني ابن عمر - إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر، فإن رُئِيَ فذاك، وإن لم يُر ولم يَحل دون منظره سحاب ولا قتر، أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحابٌ أو قتر، أصبح صائمًا"؛ (حم 4474، د 2320).

 

ففسِّر قوله - صلى الله عليه وسلم -: (اقدروا له)؛ أي: ضيِّقوا عليه، فاجعلوه تسعًا وعشرين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ﴾ [الطلاق: 7]، وابن عمر هو راوي الحديث، وهو أعلم بمعناه، فيجب الرجوع إلى تفسيره.

 

3- أن هذا قول عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك وأبي هريرة ومعاوية وعمرو بن العاص، والحكم بن أيوب الغفاري، وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر، وسالم بن عبد الله ومجاهد وطاوس، وأبو عثمان النهدي ومطرف بن الشِّخير، وميمون بن مهران وبكر بن عبد الله المزني؛ (طرح التثريب 4/ 110).

 

القول الثاني: أنه يحرُم صومه، واستدلوا بما يأتي:

1- حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا: ( «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» )؛ [خ 1909، م 1081، واللفظ للبخاري].

 

2- حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر رمضان، فضرب بيديه فقال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا، ثم عقَد إبهامه في الثالثة، فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن أُغمي عليكم فاقدِروا له ثلاثين)؛ [م 1080].

 

3- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صومًا فليَصمه)؛ [خ 1914، م 1082].

 

4- عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإذا غُمَّ عليه عد ثلاثين يومًا ثم صام)؛ (حم 24635، د 2325، وصححه الحاكم، والدارقطني، والحديث صححه الألباني).

 

5- عن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - أنه قال: (من صام اليوم الذي يشك فيه الناس، فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم)؛ (ت 686، ن 2188، د 2334، جه 1645، قال الحافظ في الفتح: "وله متابع بإسناد حسن"، وصححه الألباني)، والحديث في البخاري معلقًا عن عمار رضي الله عنه قال: (من صام يوم الشك، فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم)؛ (كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا).

 

القول الثالث: أن صومه مستحب وليس بواجب، واستدلوا بفعل ابن عمر.

 

القول الرابع: أن صومه مكروهٌ.

 

القول الخامس: أن صومه مباح، وهذا اختيار ابن القيم، واستدلوا بأن الآثار عن الصحابة متعارضة، والذين صاموا يوم الشك لم يوجِبوه، ويدل صيامهم على أنهم لم يَفهموا من الأحاديث تحريم صيام ذلك اليوم، فصيامهم كان احتياطًا وتحريًا، وهو يدل على الجواز، والأحاديث ليس فيها التحريم.

 

القول السادس: العمل بعادة غالبه، فإذا مضى شهران كاملان فالثالث ناقص، وإذا مضى شهران ناقصان فالثالث كامل، فإذا كان شهر جمادى الثاني ورجب ناقصين، فشعبان كامل.

 

القول السابع: أن الناس تبَعٌ للإمام، فإن صام صاموا، وإلا فلا.

 

والقول الراجح هو القول الثاني، وأن صوم ذلك اليوم محرَّم للأدلة السابقة، وأُجيب عن أدلة الفريق الأول بما يأتي:

1- أن فعل ابن عمر - رضي الله عنهما - وغيره من الصحابة مخالف لِما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يحتج به، على أن الروايات المنقولة عن أولئك الصحابة ليست كلها صحيحة وصريحة.

 

2- أنه قد خالَفهم غيرهم من الصحابة؛ كابن عباس وحذيفة وعمار، وعلى هذا فلا يكون قول أحد حجة دون الآخر، بل نرجع إلى ما تقتضيه الأدلة.

 

3- أن القاعدة أنه إذا خالف الراوي مرويه، فالعبرة بما روى لا بما رأى.

 

4- أن الأصل في تلك الليلة أنها من شعبان، فكيف تُحتسب من رمضان بدون دليل.

 

5- أن معنى فاقدِروا له؛ أي: أَتِمُّوا وقدِّروا عدة شعبان ثلاثين كما جاء في الروايات الأخرى، فقوله: اقدروا هو من التقدير؛ كما قال تعالى: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} [المرسلات: 23].

 

6- أنه لا دليل في فعل ابن عمر نفسه، فرُبَّما يحمل فعله على سبيل الاستحباب؛ لأنه لو كان على سبيل الوجوب لأمر الناس به ولو أهله، ولذا قال شيخ الإسلام: "والمنقول عنهم أنهم كانوا يصومون حال الغيم، لا يوجبون الصوم، وكان غالب الناس لا يصومون، ولم ينكروا عليهم الترك"؛ (مجموع الفتاوى 25/ 123).

 

7- أن ابن عمر كان يفعل ذلك ويفتي بخلافه، وفتياه أصحُّ لتطرق الاحتمال إلى فعله، فقد ذكر عنده يوم الشك، فقال: "لو صمت السنة كلها، لأفطرتُ اليوم الذي يشك فيه"؛ (هق 4/ 209، وصححه المعلق على زاد المعاد 2/ 48).

 

8- أن ابن عمر كان يأخذ بتشديدات لا يوافق عليها الصحابة، فكان يغسِل داخل عينيه في الوضوء حتى عَمِيَ، وكان إذا مسَح رأسه أفرَد أُذنيه بماء جديد، وكان يَمنع مِن دخول الحمام، وإذا دخله اغتسَل منه، وكان يتيمَّم بضربتين، وكان يتوضَّأ مِن قُبلة امرأته، وكان إذا قبَّل أولادَه تَمضمض ثم صلَّى.

 

9- أن القول بوجوب صومه احتياطًا فيه نظر؛ لأن الأصل عدم الوجوب، والاحتياط مورده فيما وجب، لكن شك العبد هل يجب عليه أم لا، ثم إن الاحتياط ليس بلازمٍ، وإنما هو على سبيل الاستحباب.

 

10- أن من صام ذلك اليوم احتياطًا لزِمه ما يُبطل قوله؛ قال ابن عبد البر: "هذا الأصل - يعني إذا لم يرَ الهلال، وكان في السماء غيمٌ ليلة ثلاثين من شعبان، أصبح الناس صائمين - ينتقض على مَن أصَّلَه؛ لأن من غُمِّي عليه هلال رمضان، فصام على فعل ابن عمر، ثم غُمِّي عليه هلال شوال، لا يخلو أن يكون يجري على احتياطه خوفًا أن يفطر يومًا من رمضان، أو يترك احتياطه، فإن ترك احتياطه نقض أصله، وإن جرى على احتياطه صام واحدًا وثلاثين يومًا، وهذا خلاف ما أمر الله به عند الجميع"؛ (التمهيد 14/ 349، 350).

___________________________________________________
الكاتب: د. عبدالرحمن أبو موسى