التربية تحت قهر الاحتلال - 3 - من طرائق التغريبيين في التربية

منذ 2012-03-03

كان الأَوْلى بتلك الوكالة أن تذكر الفلسطينيين بما اقترفه اليهود الصهاينة في المحرقة التي أشعلت نيرانها إسرائيل في حربها الأخيرة على القطاع وأدت إلى استشهاد أكثر من 1400 فلسطيني وجرح خمسة آلاف، وأن يجعلوهم يزورون مخيمات الشتات في عدد من الدول العربية...


اخترتُ أن أتحدث عن مثال حي أعتقد أنَّه مثال خطير للغاية وهو ما نشرته صحيفة الغارديان البريطانية عن تقرير مرفق بفيديو مصـور عن الرحـلة التي نظمتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" حيث استهدفت هذه الرحلة طـلبة قطاع غزَّة المتفوقين في الصف التاسـع بمدارسـها في مادة حقـوق الإنسان، فقد اصطحبوهم إلى زيارة أمريكا وأوروبا وجنوب إفريقيا، بل إلى متحف "المحرقة اليهودية" (الهولوكست)، وهم بهذه الفعلة الشنيعة يحاولون أن يرسِّخوا في أذهان الطلاب -ولنلاحظ أنهم من المتفوقين – أنَّ اليهود كانوا مظلومين، وهذا ما سيولد في الحس الشعوري لأولئك الطلاب التعاطف مع اليهود، مع العلم أنَّ اليهود هم أكثر من انتهكوا حقوق الإنسان في فلسطين، فما هي إلاَّ محاولة خبيثة لغرس روح التعاطف لدى الطلاب مع ما قيل: إنَّها محرقة (الهولكوست)، والخطورة تكمن في احتمال انخداع بعض الطلاب بمثل تلك الوقائع وأرباع الحقائق، ونسيانهم لقضيتهم الأساس التي انتهكت فيها حقوقهم، لاسيما إذا رافق ذلك توجيه فكري مدروس.


كان الأَوْلى بتلك الوكالة أن تذكر الفلسطينيين بما اقترفه اليهود الصهاينة في المحرقة التي أشعلت نيرانها إسرائيل في حربها الأخيرة على القطاع وأدت إلى استشهاد أكثر من 1400 فلسطيني وجرح خمسة آلاف، وأن يجعلوهم يزورون مخيمات الشتات في عدد من الدول العربية، وأن يوضحوا لهم الكثير من الحقائق الخافية عنهم بمدى ظلم اليهود والدول الغربية لحقوق الإنسان المسلم الفلسطيني وكذا العراقي والأفغاني والصومالي الذي ذاق الويلات من سموم وحميم، وظل من يحموم حروب الاحتلال الغربي المباشر لدولهم.


* قضايا على طاولة النقاش التربوي:

إنَّ أهم القضايا التي يمكن طرحها ومعالجتها في أرض الواقع للأرض المحتلَّة تتركز في صراع الأفكار والقيم ما بين أهل تلك الأرض والمحتل الظالم، ويجب أن يكون هنالك الكثير من الندوات والمؤتمرات والمحاضرات التثقيفيَّة والمعالجة لجميع هذه الأسئلة الملحَّة، ومن أهمِّ هذه الأسئلة والقضايا التي تحتاج لمزيد من الاهتمام والعناية، والإجابة والرعاية بنقاش جاد، ورؤية ثاقبة:


1. ضرورة تقوية إيمان الشعب بدينه أولا ثم بقضيته، والتركيز على فئة الشباب وربطهم بالله تعالى، وتعليقهم بقضيتهم، والحديث عن خطر النفاق وأعمال المنافقين، والحديث عن كيفية مقاومة المحتلين في إغرائه للشباب بالعمل معه كـ:(عميل) لهم.


2. البحث عن كيفية تربية الأبناء والفتيات في وقت الحرب والمعارك المشتعلة الضارية، وعن كيفية مساعدة الناس على إمكان التعايش مع هذه الحرب والتكيف معها ولو كانوا يشعرون بالخطر النفسي، وانعدام الأمن المجتمعي، ما دام المقصد الرئيس هو: طرد الغازي المحتل.


3. دور الدعاة والتربويين في توعية الشعوب المحتلَّة بخطورة الهجرة من بلادهم إلى غيرها هجرة تامة واستقراراً كاملاً إلى أن يحين الفرج بنظرهم، والحديث عن الآثار المترتبة على ذلك.


4. دور أهل التربية في صناعة الجو الإيجابي وبعث المنح في وقت المحن وخصوصا في حال منع التجول، أو الإضراب العام الذي تتأثر فيه جميع المنشآت الحيوية التربويَّة كالمدارس والمحلات والأسواق التجاريَّة.


5. الحديث عن ضرورة صناعة العزيمة النفسية وليست الهزيمة النفسية بين أفواج الشعوب والمجتمعات، فإنَّ ذلك أمر مهم جداً إدراكه، حيث إنَّ بعض النفوس المنهزمة قد يصل بها الحال حينما يدخل العدو المحتل في قراها أو مدنها إلى استقباله بالتصفيق أو الورود أو كما كان يذكر الإمام البشير الإبراهيمي عن بعض المنهزمين نفسياً من أهل الجزائر أثناء احتلال الفرنسيين لبلادهم حيث كانوا يقولون:(أمنا باري – أي: باريس – احفظها يا باري!!)(4).


6. دور التربويين وتركيزهم في حديثهم للجيل الناشئ عن كيفية اختيار الصديق الصالح الصادق في نصحه، فالصديق له دور في توجيه الاهتمامات لدى صاحبه، والصاحب ساحب، والطبع سرَّاق.


7. احترام الجهود التي تقاوم وتجاهد العدو، ودعاء الله تعالى لأهلها بالحفظ والتأييد.


8. الإلحاح بالحديث عن عدة مفاهيم ضرورية كالصبر على أقدار الله المؤلمة، وخطورة الجزع والسخط على ما يقدره ويقضيه.


9. بث ثقافة التكافل الاجتماعي بين العائلات والمجتمعات المختلفة، وتفقد الأسر المحتاجة، وبذل الرعاية والعناية لها، وتهنئة أسر الشهداء، وتعزية أقاربهم، وبث روح الأمل في عائلة فقيدهم، والسعي في خدمة المعاقين والمحتاجين والأرامل والأيامى والمساكين والمعوزين والفقراء.


10. الوحدة بين أفراد الشعب الذي قام العدو المحتل باحتلال أرضه قضيَّة مهمَّة للغاية، ولي معها وقفة قصيرة: فسواء أكان ذلك بالوحدة بين الإسلاميين بشتَّى حركاتهم وتنوعاتهم الفكرية أو حتَّى مع عموم أبناء الوطن الواحد ضد المحتل الغازي.


أمَّا عن الوحدة بين الحركات الإسلامية: فإنَّ هذا لا ينفي ضرورة النقاش الفكري فيما بينهم، وتلاقح الأفكار وتطارح الرؤى بينهم، فليس هنالك من إشكال عندما تختلف العقول اختلافاً سائغاًُ لكنَّ المشكلة في اختلاف القلوب، ولا تعني الوحدة المقصودة الاندماج الكامل من جميع الحركات الإسلاميَّة والانصهار في بوتقة واحدة فإنَّ هذا لن يحصل كما علَّمتنا التجارب، وإنَّما هي روح التعاون والتكامل والتوحد قبالة العدو المحتل.


وأمَّا الوحدة بين أبناء الوطن الواحد: فإنًَّها تكون بتنمية روح (وحدة أبناء الوطن تجاه العدو) وذلك لكيلا يكون هنالك تنازع وشجار أو خصام بين الإسلاميين والطوائف الأخرى من أصحاب الأفكار غير الإسلامية ولو كانوا نصارى فالمهم وقت احتلال العدو لتلك الديار التوحد بين كافة أطياف الشعب لمواجهة العدو المحتل، مع الإبقاء على تنمية الجانب الاعتقادي فلا تنازل عنه مطلقاً، فالوحدة هذه ليست إلاَّ من قبيل السياسة الشرعيَّة في التعامل مع العدو، إذ لو انشغل أهل البلاد بعضهم ببعض لكان الرابح الأكيد من ذلك كله هو المحتل.

فإن انتهى الشعب من معركة التحرير لبلادهم وطرد المحتل، فإنَّه يمكن لكافة الأطياف الإسلامية المشاركة في دفع عدوان المحتل، أن ترى الطريقة المناسبة لإقناع غير ذوي التوجهات الإسلامية بما لديها من حق وصدق وقوة، خصوصاً أن غالبية الشعوب المسلمة التي تقع تحت حراب المحتل ليست إلاَّ شعوباً مسلمة في غالبها وستكون مع المشروع الإسلامي لا المشاريع الأخرى التي لا تتبنى الإسلام منهجاً للحياة.


11. على الشعوب أن تدرك وعي الكافر المحتل لبلادها، فإنَّ أكثر ما يغيظ العدو أن يكون هنالك رجال المواجهة والمجابهة لأفكاره وسلاحه، وأمَّا التمسك بعموم الواجبات الإسلاميَّة كالصلاة والصيام وغيرها، فعلى أنَّها تمثل لدى العدو المحتل خطراً، لكنَّها ليست بذات الأهميَّة والأولويَّة والخطورة الشديدة التي يوليها العدو المحتل اهتمامه ويحشد لها الجنود والإعلام والمال، وأذكر في هذا الصدد أنَّه عندما دخل الإنجليز العراق في عشرينيات القرن الميلادي الماضي، رغب المندوب السامي البريطاني أن يقوم بجولة في بغداد، ثم وهو يمشي مع حاشيته إذا به، يسمع رجلاً يقف على مئذنة مسجد ويصيح، فظن أنها ثورة أو شيئاً من هذا القبيل، فقيل له: إنه يدعو إلى الصلاة وحسب، فقال: ليدع إذن كما يشاء!


12. ضرورة جلوس الأب مع أولاده والأم معهم كذلك بجلسة عائلية يقومون فيها بزراعة وتنمية المفاهيم الصحيحة لدى الأطفال عن خطورة المحتل، لكفره بالله أولا، ولاحتلاله لأرض المسلمين، واغتصابه لمقدراتهم، وتعليم الأولاد أنَّ هذه الأرض هي أرض المسلمين وأنَّ أعداءنا محتلون مغتصبون سارقون لمقدرات بلاد المسلمين وخيرات أرضهم، كما يحسن ربط الأب والأم في حديثهم مع أولادهم عن حقوقهم وأرضهم وعدوهم ويكون ذلك على ضوء تعاليم الدين الإسلامي، وإنَّ من المؤسف له أن نجد الآباء والأمهات يركزون على الذهاب للاقتيات لأولادهم وجمع المال لهم، بسبب الحالة المزرية للأوضاع الاقتصادية في البلاد المحتلة والمنكوبة عموما، ولكنهم يغفلون عن أمر أهم من الغذاء والطعام والكساء، وهو غذاء الروح بالإيمان، والعقول بالمعرفة والبيان، ونحن نجد في غالب الأحيان أن الأولاد الذين سقطوا أو أسقطوا في جرف العمالة وزلات الخيانة، كان ذلك بسبب الضعف التربوي للأب وقلة نصح الأم لأولادها وتعريفهم بألاعيب وأحابيل العدو المحتل، ومراقبة الأولاد وكيف يتعاملون مع الناس، فإنَّ مثل هذه الأمور قد توقعهم فيما لا تحمد عقباه ويندم الأب حينها حين يرى ابنه عميلا خائنا لدينه ووطنه وهو يخدم أعداء الإسلام بسبب الخلل التربوي الذي قصَّر فيه ببداية الأمر.


* ومضة:

ورد في ترجمة الشيخ عبد الحميد بن باديس الجزائري رحمه الله أن المندوب الفرنسي أيام الاستعمار كان يقول: جئنا لطمس معالم الإسلام، واستدعى الشيخ عبد الحميد وقال له: إما أن تقلع عن تلقين تلاميذك هذه الأفكار وإلا أرسلت الجنود لقفل المسجد وإخماد أصواتكم المنكرة، فقال الشيخ بثبات المؤمن: إنك لن تستطيع، فاستشاط غضباً وأرغى وأزبد وقال كيف؟ قال الشيخ: إن كنت في حفل عرس علمت المحتفلين، وإن كنت في اجتماع علمت المجتمعين، وإن ركبت سيارة علمت الراكبين، وإن ركبت قطاراً علمت المسافرين وإن دخلت السجن أرشدت المسجونين وإن قتلتموني ألهبتم مشاعر المسلمين وخير لكم ثم خير لكم ثم خير لكم ألا تتعرضوا للأمة في دينها فوالله ما نقاتلكم إلا بهذا الدين...


19/7/1432 هـ
 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام
المقال السابق
2 - دور التربويين في زمن الاحتلال