من تعلّق بغير الله عُذِّب به
كثيرًا ما نسمع هذه المقولة كلما تحدّث أحدنا عن تعلّقٍ بشخصٍ أو شيء، وتُقال أحيانًا وكأنها إعلان لعقوبةٍ تنتظر كل قلب أحبّ مخلوقًا محبةً فطرية.
كثيرًا ما نسمع هذه المقولة كلما تحدّث أحدنا عن تعلّقٍ بشخصٍ أو شيء، وتُقال أحيانًا وكأنها إعلان لعقوبةٍ تنتظر كل قلب أحبّ مخلوقًا محبةً فطرية.
لكن…
هل حاولنا يومًا أن نتأملها بعين اللطف بدلًا من عين الوعيد؟
وننظر إليها كباب رحمة، لا كصفعة عقاب؟
حين ننظر بعمقٍ في قصص التعلّق بالبشر بكل صورهم:
صديقٌ يملأ فراغ الروح، وزوج أو زوجة يرفرف القلب لوجودهما، ووالدان يحملان في القلب جلالًا لا يشبهه شيء،
وأبناء يسكنون أعمق نقطة من الفؤاد، نرى كيف قد يتسلّل التعلّق إلى القلب حتى يغمره.
الأم إذا تعلّقت بصغيرها قد تنشغل به حتى تغفل عن نفسها وعن عبادتها.
والزوج أو الزوجة إذا تعلّقا ببعضهما، قد يعيش أحدهما على وقع خطوة الآخر، يفرح لفرحه، ويحزن لبعده، ويخاف عليه من كل شيء.
والصديق إذا احتل مكانة عالية قد تصبح راحته ووجوده معيار استقرارنا.
وفي كل هذه المحبات على جمالها وضرورة وجودها، قد ينشغل القلب بالخلق حتى يفقد توازنه، ويُستنزَف حبًّا وخوفًا وقلقًا وشوقًا وغيابًا…
فيُرهق العقل، وتتقطع الروح بين حضورٍ وغياب، ويضعف معها حضور الله في القلب دون أن نشعر.
هذا هو “العذاب” الذي تذكره المقولة…
ليس عذاب عقوبة، بل عذاب مشاعر فائضةٍ عن حدّها الصحيح.
لذا جاء الشرع ليحفظنا من هذا الاستنزاف، وليعيد لكل حبٍّ مقامه، فلا يطغى حبّ المخلوق على حب الخالق.
ولهذا كان من شروط تذوّق حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحبَّ إلينا مما سواهما، وأن يكون حبنا للناس في الله وبالله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله» (البخاري).
فمحبة الله لا تُنهك القلب، ولا تجرّه إلى القلق أو الخوف أو الفقد…
بل تمنحه سكينةً لا تشبهها سكينة.
وحين يستقر الله في مركز القلب،
يعود كل حبٍّ آخر جميلًا… متزنًا… آمنًا من الإفراط والاستنزاف.
فالتعلّق بغير الله باب للأوجاع، أما التعلّق بالله فهو باب لذّة القرب وحلاوة الإيمان.
كيف نحقّق محبة الله؟
نحقّقها بالطريقة ذاتها التي نُعمّق بها محبّتنا لمن نحب من البشر:
بالتعرّف عليه، على ما يحب وما لا يحب، بمعرفة أسمائه وصفاته، بتأمل عطائه، ورؤية أثر أسمائه في أدق تفاصيل الحياة.
فكلما ازددنا معرفةً به، ازددنا تعلقًا به، وكلما رأينا أثر قربه، اتّسعت مساحة محبته في أرواحنا.
فاللهم ارزقنا حبك، وحبَّ من أحبك، وحبَّ كل عملٍ يقرّبنا إلى حبك.
سوزان بنت مصطفى بخيت
كاتبة مصرية
- التصنيف: