إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا

منذ 7 ساعات

إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35)

{بسم الله الرحمن الرحيم }

يقول تعالى في سورة النبأ:

{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (39) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (40) }

{{إِنَّ}} افتتاحها بحرف «إن» للدلالة على الاهتمام بالخبر لئلا يشك فيه أحد.

{{لِلْمُتَّقِينَ}} ذكر الله عز وجل ما للمتقين من النعيم بعد قوله: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلطَّاغِينَ مَآبًا} لأن القرآن مثاني إذا ذكر فيه العقاب ذكر فيه الثواب، وإذا ذكر الثواب ذكر العقاب، وإذا ذكر أهل الخير ذكر أهل الشر، وإذا ذكر الحق ذكر الباطل، مثاني حتى يكون سير الإنسان إلى ربه بين الخوف والرجاء؛ لأنه إن غلب عليه الرجاء وقع في الأمن من مكر الله، وإن غلب عليه الخوف وقع في القنوط من رحمة الله، وكلاهما من كبائر الذنوب، كلاهما شر.

قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: ينبغي أن يكون الإنسان في عبادته لربه بين الخوف والرجاء، فأيهما غلب هلك صاحبه.

لذلك تجد القرآن الكريم يأتي بهذا وبهذا، ولئلا تمل النفوس من ذكر حال واحدة والإسهاب فيها دون ما يقابلها. وهكذا، لأجل أن يكون الإنسان حين يقرأ القرآن راغباً راهباً، وهذا من بلاغة القرآن الكريم .

{{مَفَازًا}} فوزا بالنعيم، ونجاة من النار التي هي مآب الطاغين.. بينه بعده بقوله تعالى:

{{حَدَائِقَ}} جمع حديقة، وهي البستان فيه أنواع الشجر المثمر المحوط بالحيطان المحدقة به.

{{وَأَعْنَابًا}} جمع عنب وهو اسم يطلق على شجرة الكرم، ويطلق على ثمرها.

{وَكَوَاعِبَ} حور عين نواهد، استدارت أثدائهن مع ارتفاع يسير ولم تتدل، وهذا أكمل ما يكون في جمال الصدر.. ولما كان كاعب وصفا خاصا بالمرأة لم تلحقه هاء التأنيث.

{{أَتْرَابًا}} متساويات في السِّن. قيل مشتق من الترائب وهي ضلوع الصدر، تشبيها في التساوي بها فإنها متساوية.

أي على سن واحدة لا تختلف إحداهن عن الأخرى كبراً كما في نساء الدنيا وهذا زيادة في الحسن، لأنها لو اختلفت إحداهن عن الأخرى كبراً فلا تكون النفس إلى إحداهن أميل منها إلى الأخرى فتكون بعضهن أقل مسرة في نفس الرجل. وربما تختل الموازنة بينهما، وتكون إحداهما محزونة إذا لم تساوي الأخرى.

ويجوز أن يكون هذا الوصف بالنسبة بينهن وبين أزواجهن لأن ذلك أحب إلى الرجال في معتاد أهل الدنيا لأنه أوفق بطرح التكلف بين الزوجين وذلك أحلى المعاشرة.

{{وَكَأْسًا دِهَاقًا}} ملأى من خمر لذة للشاربين.. وعدل عن صيغة الجمع لأن كأسا بالإفراد أخف من أكؤس وكؤوس ولأن هذا المركب جرى مجرى المثل.

فمركب «كأس دهاق» يجري مجرى المثل. قال عكرمة: قال ابن عباس: سمعت أبي في الجاهلية يقول: اسقنا كأسا دهاقا، ولذلك أفرد "كأسا"، ومعناه مملوءة خمرا، أي دون تقتير لأن الخمر كانت عزيزة فلا يكيل الْحَانَوِيُّ للشارب إلا بمقدار فإذا كانت الكأس ملأى كان ذلك أسر للشارب.

{{لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا}} في الجنة {{لَغْوًا} } الكلام الباطل والهذيان وسقط القول الذي لا يورد عن روية ولا تفكير { {وَلَا كِذَّابًا}} مكاذبة، أي: لا يكذب بعضهم بعضاً. إخوانا على سرر متقابلين قد نزع الله ما في صدورهم من غل.

واللغو والتكذيب مما تألَّم له أنفس الصادقين، بل هو من أشد الأذى لقلوبهم، فأراد الله إزاحة ذلك عنهم. كقوله: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً} [الواقعة:25] أي: لا يسمعون في الجنة باطلا ولا ما يتأثمون بسماعه كالكذب.

{{جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً} } جزاء لهم على صالح أعمالهم، تفضُّلاً منه تعالى بذلك الجزاء.

** والجزاء: إعطاء شيء عوضا على عمل.

** و {من} ابتدائية، أي صادرا من لدن الله، وذلك تنويه بكرم هذا الجزاء وعظم شأنه.

** وإضافة رب إلى ضمير المخاطب في {رَبِّكَ} مراد به النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- للإيماء إلى أن جزاء المتقين بذلك يشتمل على إكرام النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأن إسداء هذه النعم إلى المتقين كان لأجل إيمانهم به وعملهم بما هداهم إليه.

** ووصف الجزاء بعطاء وهو اسم لما يعطى، أي يتفضل به بدون عوض للإشارة إلى أن ما جوزوا به أوفر مما عملوه، فكان ما ذكر للمتقين من المفاز وما فيه جزاء شكرا لهم وعطاء كرما من الله تعالى وكرامة لهذه الأمة إذ جعل ثوابها أضعافا.

{{حِسَابًا}} كافياً، مأخوذة من الحسب وهو الكفاية. أو على حسب أعمالهم.

ففي حق الكفار قال: {جَزَاءً وِفَاقاً}، وفي حق المؤمنين قال: {عَطَاءً حِسَاباً}.

ففي الأول بيان أن مجازاتهم وفق أعمالهم ولا يظلم ربك أحدا.

وفي الثاني بيان بأن هذا النعيم عطاء من الله وتفضل عليهم به من الأصل، وهو المفاز المفسر في قوله تعالى: {{فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}} {} [آل عمران:185].

ووقع {{حِسَاباً}} صفة {جَزَاءً}، أي هو جزاء كثير مقدر على أعمالهم.

ودخول الجنة ابتداء عطاء من الله كما في حديث (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله) وقوله {حِسَاباً} إشعار بأن تفاوت أهل الجنة في الجنة بالحساب ونتائج الأعمال،، وقيل {حِسَاباً} بمعنى كفاية، حتى يقول كل واحد منهم حسبي أي كافيني، ومنه "حسبي الله"، أي: الله كافيّ.

وهذا الحساب مجمل هنا يبينه قوله تعالى: {{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}} [الأنعام:160] وقوله: { {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ}} [البقرة:261].

وليس هذا الحساب للاحتراز عن تجاوز الحد المعين، فلذلك استعمال آخر كما في قوله تعالى: {{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}} [الزمر:10] ولكل آية مقامها الذي يجري عليه استعمال كلماتها فلا تعارض بين الآيتين.

{{رَبِّ}} المالك المتصرف بالتدبير وَرَعْيِ الرِّفْقِ وَالرَّحْمَةِ {{السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} } «ما» موصولة وهي من صيغ العموم، وقد استفيد من ذلك تعميم ربوبيته على جميع المصنوعات.

{{الرَّحْمَنِ}} أتبع وصف {رَبِّ السَّمَاوَاتِ} بذكر اسم من أسمائه الحسنى وهو اسم {الرَّحْمَنِ} وخص بالذكر دون غيره من الأسماء الحسنى لأن في معناه إيماء إلى أن ما يفيضه من خير على المتقين في الجنة هو عطاء رحمان بهم.

وفي ذكر هذه الصفة الجليلة تعريض بالمشركين إذ أنكروا اسم الرحمن الوارد في القرآن كما حكى الله عنهم بقوله: {{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً}} [الفرقان:60].

{{لَا يَمْلِكُونَ}} والملك هنا معناه القدرة والاستطاعة لأن المالك يتصرف فيما يملكه حسب رغبته لا رغبة غيره، فلا يحتاج إلى إذن غيره. فنفي الملك نفي الاستطاعة.

{{مِنْهُ خِطَابًا}} لا يستطيع أحد أن يتكلم إلا بإذن الله تعالى. كقوله: { {يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ}} [هود:105]

والغرض من ذكر هذا إبطال اعتذار المشركين حين استشعروا شناعة عبادتهم الأصنام التي شهر القرآن بها فقالوا {{هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}} [يونس:18]، وقالوا {{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}} [الزمر:3]. فإنه إذا نفي تكلمهم بدون إذن نفيت شفاعتهم، إذ الشفاعة كلام من له وجاهة وقبول عند سامعه.

{{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ}} جبريل عليه السلام، وهو المعبَّر عنه بروح القدس في قوله {{نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ}} [الشعراء:193-194]؛ والتنزيل يفسر بعضه بعضاً.

والذي يشهد له القرآن أيضا بأنه جبريل عليه السلام، قوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} [القدر:4] ففيه عطف الملائكة على الروح من باب عطف العام على الخاص، وفي سورة القدر عطف الخاص على العام والله تعالى أعلم.

{{وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا}} صافِّين في مراتبهم، كقوله تعالى: { {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} } [الصافات:164].

وإنما يصطف الناس في المقامات التي يكون فيها أمر عظيم فصف الملائكة تعظيم لله وخضوع له.

{{لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ}} أذن: فعل مشتق من اسم الأذن وهي جارحة السمع، فأصل معنى أذن له: أمال أذنه، أي سمعه إليه، ثم استعمل في لازم السمع وهو الرضا بالمسموع.

{ {الرَّحْمَنُ} } أي أن من يريد التكلم تشفعا لا يستطيعه أو تعتريه رهبة فلا يقدم على الكلام حتى يستأذن الله فيأذن له، وإنما يستأذنه إذا ألهمه الله للاستئذان، كقوله: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة:255]

وإطلاق صفة {الرَّحْمَنِ} على مقام الجلالة إيماء إلى أن إذن الله لمن يتكلم في الكلام أثر من آثار رحمته لأنه أذن فيما يحصل به نفع لأهل المحشر من شفاعة أو استغفار.

قال الزمخشري: لشدة هول الموقف وهؤلاء -وهم أكرم الخلق على الله، وأقربهم إلى الله- لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان فغيرهم من الخلق من باب أولى.

والواقع أن هذا كله مما يدل على أن ذلك اليوم لا سلطة ولا سلطان لأحد فقط حتى ولا بكلمة إلا ما أذن فيها الله عز وجل، كما قال تعالى {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر:16].

{{وَقَالَ صَوَابًا}} قال الزمخشري: هما شريطتان: أن يكون المتكلم منهم مأذوناً له في الكلام، وأن يتكلم بالصواب، فلا يشفع لغير مرتضى لقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28]. أي لمن علموا أن الله ارتضى قبول الشفاعة فيه، وهم يعلمون ذلك بإلهام هو من قبيل الوحي لأن الإلهام في ذلك العالم لا يعتريه الخطأ.

{{ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ} } الواقع الكائن لا محالة، وهو يوم القيامة.

ويجوز أن يراد بالحق ما قابل الباطل، أي يوم العدل وفصل القضاء. إذ الحق يقع فيه، واليوم ظرف له قال تعالى: {يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} [الممتحنة:3].

ويجوز أن يكون الحق بمعنى الحقيق بمسمى اليوم لأنه شاع إطلاق اسم اليوم على اليوم الذي يكون فيه نصر قبيلة على أخرى مثل: يوم بعاث. والمعنى: ذلك اليوم الذي يحق له أن يقال: يوم، وليس كأيام انتصار الناس بعضهم على بعض في الدنيا فيكون كقوله تعالى: {ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} [التغابن:9]، فهو يوم انتقام الله من أعدائه الذين كفروا نعمته وأشركوا به عبيده في الإلهية، ويكون وصف الحق بمثل المعنى الذي في قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [البقرة:121]، أي التلاوة الحقيقية باسم التلاوة وهي التلاوة بفهم معاني المتلو وأغراضه.

وتعريف {الْيَوْمُ} باللام للدلالة على معنى الكمال، أي هو الأعظم من بين ما يعده الناس من أيام النصر للمنتصرين لأنه يوم يجمع فيه الناس كلهم ويعطى كل واحد منهم ما هو أهله من خير أو شر فكأن ما عداه من الأيام المشهورة في تاريخ البشر غير ثابت الوقوع.

وقد أشير إليه بالاسم الخاص بالبعيد {ذلك} بدلا من هذا لبعد منزلته وعظم شأنه كقوله تعالى {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة:1-2]

والمقصود التنويه بعظيم ما يقع فيه من الجزاء بالثواب والعقاب وهو نتيجة أعمال الناس من يوم وجود الإنسان في الأرض.

وفي هذا عود على بدء في أول السورة وهو إذا كانوا يتساءلون مستغربين أو منكرين ليوم القيامة فإنهم سيعلمون حقا، وها هو اليوم الحق لا لبس فيه ولا شك ليرونه عين اليقين.

{{فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا}} من الأوب، أي الرجوع ،كقوله تعالى: {إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} [الرعد:36]، أي رجوعي، أي فليجعل أوبا حسنا للقاء ربه.. فقوله: {إِلَى رَبِّهِ} دل على أنه مآب خير لأن الله لا يرضى إلا بالخير.

قال ابن جرير: "أي: فمن شاء اتخذ بالتصديق بهذا اليوم الحق، والاستعداد له والعمل بما فيه، النجاةَ له من أهواله، مرجعاً حسناً يؤوب إليه".

والتقدير: فإذا علمتم ذلك كله فمن شاء اتخاذ مآب عند ربه فليتخذه، أي فقد بان لكم ما في ذلك اليوم من خير وشر فليختر صاحب المشيئة ما يليق به للمصير في ذلك اليوم.

وهذا التفريع من أبدع الموعظة بالترغيب والترهيب عندما تسنح الفرصة للواعظ من تهيؤ النفوس لقبول الموعظة.

وفيه اعتبار مشيئة العبد فيما يسلك والله تعالى أعلم.

قال ابن عثيمين: "أي من شاء عمل عملاً يؤوب به إلى الله ويرجع به إلى الله، وذلك العمل الصالح الموافق لمرضاة الله تعالى.

وقوله: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا} قيدتها آية أخرى وهي قوله تعالى: {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير:۲۸-۲۹] يعني أننا لنا الخيار فيما نذهب إليه لا أحد يكرهنا على شيء؛ لكن مع ذلك خيارنا وإرادتنا ومشيئتنا راجعة إلى الله وما تشاءون إلا أن يشاء الله وإنما بين الله ذلك في كتابه من أجل أن لا يعتمد الإنسان على نفسه وعلى مشيئته بل يعلم أنها مرتبطة بمشيئة الله، حتى يلجأ إلى الله في سؤال الهداية لما يحب ويرضى. لا يقول الإنسان أنا حر أريد ما شئت وأتصرف كما شئت، نقول الأمر كذلك لكنك مربوط بإرادة الله عز وجل".

{{إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ}} خوفناكم، فالإنذار: الإخبار بحصول ما يسوء في مستقبل قريب.

وعبر عنه بالمضي لأن أعظم الإنذار قد حصل بما تقدم من قوله: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا لِلْطَّاغِينَ مَآبًا} إلى قوله: {فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا} [النبأ:21-30]

{{عَذَابًا قَرِيبًا}} يعني عذاب الآخرة وقربه؛ لأن مبدأه الموت، فليس بين الإنسان وبينه إلا أن يموت.

ويوم القيامة قريب، ولو بقيت الدنيا ملايين السنين فإنه قريب {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات:٤٦].

وقيل: قرب العذاب مستعمل مجازا في تحققه وإلا فإنه بحسب العرف بعيد، قال تعالى: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا} [المعارج:6-7]، أي لتحققه فهو كالقريب.

والمقصود من هذه الجملة الإعذار للمخاطبين بقوارع هذه السورة بحيث لم يبق بينهم وبين العلم بأسباب النجاة وضدها شبهة ولا خفاء.

فالخبر مستعمل في قطع العذر وليس مستعملا في إفادة الحكم لأن كون ما سبق إنذارا أمر معلوم للمخاطبين.

وافتتح الخبر بحرف التأكيد للمبالغة في الإعذار بتنزيلهم منزلة من يتردد في ذلك.

{{يَوْمَ يَنْظُرُ}} من نظر العين أي البصر، والمعنى: يوم يرى المرء ما قدمت يداه من حصول جزاء عمله له، فعبر عنه بالنظر لأن الجزاء لا يخلو من أن يكون مرئيا لصاحبه من خير أو شر، ونظيره قوله تعالى: {لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ} [الزلزلة:6]

{{الْمَرْءُ}} اسم للرجل، والاقتصار على المرء جري على غالب استعمال العرب في كلامهم، فالكلام خرج مخرج الغالب في التخاطب لأن المرأة كانت بمعزل عن المشاركة في شؤون ما كان خارج البيت.

والمراد: ينظر الإنسان من ذكر أو أنثى، ما قدمت يداه. وهذا يعلم من استقراء الشريعة الدال على عموم التكاليف للرجال والنساء إلا ما خص منها بأحد الصنفين لأن الرجل هو المستحضر في أذهان المتخاطبين عند التخاطب.

وتعريف {الْمَرْءُ} تعريف الجنس المفيد للاستغراق مثل {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [العصر:2-3].

{{مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ}} ينظر جزاءه من خير أو شرّ.. فلا يختص بما عمله من السيئات فقد قال تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ} [آل عمران:30]

{{وَيَقُولُ الْكَافِرُ}} من شدة ما يرى من الهول وما يشاهده من العذاب.

وخص بالذكر من عموم المرء الإنسان الكافر الذي يقول {يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا} لأن السورة أقيمت على إنذار منكري البعث فكان ذلك وجه تخصيصه بالذكر، أي يوم يتمنى الكافر أنه لم يخلق من الأحياء فضلا عن أصحاب العقول المكلفين بالشرائع، أي يتمنى أن يكون غير مدرك ولا حساس بأن يكون أقل شيء مما لا إدراك له وهو التراب، وذلك تلهف وتندم على ما قدمت يداه من الكفر.

وذكر وصف الكافر يفهم منه أن المؤمن ليس كذلك لأن المؤمن وإن عمل بعض السيئات وتوقع العقاب على سيئاته فهو يرجو أن تكون عاقبته إلى النعيم

{{يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا}} تحتمل ثلاثة معان

المعنى الأول: يا ليتني كنت تراباً فلم أخلق، لأن الإنسان خُلق من تراب .

المعنى الثاني: يا ليتني كنت ترابًا فلم أبعث، يعني كنت ترابًا في أجواف القبور.

المعنى الثالث: أنه إذا رأى البهائم التي قضى الله بينها وقال لها كوني تراباً فكانت تراباً قال: يا ليتني كنت تراباً أي كما كانت هذه البهائم والله أعلم

وهذا كله تحذير شديد وحث أكيد على السعي الحثيث لفعل الخير وطلب النجاة في اليوم الحق وقاناه اللهُ بمنِّه وكرمِه ونسأل الله السلامة والعافية

وهذه الآية جامعة لما جاء في السورة من أحوال الفريقين وفي آخرها رد العجز على الصدر من ذكر أحوال الكافرين الذين عرفوا بالطاغين وبذلك كان ختام السورة بها براعة مقطع.

 

 

جمع وترتيب

د/ خالد سعد النجار

alnaggar66@hotmail.com

 

خالد سعد النجار

كاتب وباحث مصري متميز