وسائل بثّ الإلحاد المعاصر

منذ 4 ساعات

لم يعد الإلحاد في زماننا نتاج حالة نفسية منهارة أو ردة فعل لمعاناة قاسية أو شذوذاً فكرياً معزولاً..؛ بل صار مشروعاً عالمياً واسعاً، يحمل رؤية واضحة، ويقود استراتيجية محكمة، تُسخّر لأجلها الأموال، والأقلام، والعدسات، والجامعات، والمؤسسات ومراكز البحث.

لم يعد الإلحاد في زماننا نتاج حالة نفسية منهارة أو ردة فعل لمعاناة قاسية أو شذوذاً فكرياً معزولاً أو صدى خافتاً لعقول أنهكها السؤال والحيرة؛ بل صار مشروعاً عالمياً واسعاً، يحمل رؤية واضحة، ويقود استراتيجية محكمة، تُسخّر لأجلها الأموال، والأقلام، والعدسات، والجامعات، والمؤسسات ومراكز البحث.  

ومما لا يمكن إغفاله أن التحوّل المفصلي الذي صنع هذا الزخم كان بعد حادثة 11 سبتمبر، والتي وإن كانت بشعة في ذاتها، إلا أنها استُثمرت استثماراً ذكياً من دعاة الإلحاد لتسويق الخوف من الدين وتصويره عدواً لأمن البشرية واستقرارها. 

فقد كتب دوكنز مقالته الشهيرة في الجارديان بتاريخ 15 سبتمبر قائلاً باختزال فاضح: "إن عالماً مليئاً بالأديان يشبه شوارع مليئة بالمسدسات المحشوة بالرصاص"، وبلا شك فتلك ملاحظة تستحق البحث والدراسة من أجل معرفة الخفايا الحقيقية لذلك التحول السريع وغير المتدرج، حتى إنه يمكن القول بأنه قد وُلد في أعقاب تلك اللحظة مباشرة ما يشبه "الصحوة الإلحادية" العالمية، فتحول موقف عامة الملاحدة من الحياد الهادئ إلى الدعوة الصدامية التي تعمل على محاولة نزع الدين من جذوره والقيام بسحق الإيمان في الضمير الإنساني. 

وبسبب ذلك فقد غدا الإلحاد اليوم موضوعاً حاضراً في فضاءات الإعلام التقليدي والجديد، وأصبحت رموزه نجوماً جماهيرية تتلقى التصفيق وتُعطى المنابر وتكرم بالجوائز. 
ولم تعد الفكرة الإلحادية تسكن مقعدها النخبوي، بل دخلت إلى المقاهي، والمدارس، وحقائب الأطفال، وهواتف المراهقين. 

ولم يكن هذا الصعود نتيجة قوة برهان أو نظرا لسطوع حجة عقلانية تمسك بتلابيب العقل، بل نتيجة فلسفة تسعى أول ما تسعى إلى إسقاط الدين ومقوماته، وإلى توسيع دائرة الشهوات ومظاهر التحلل والانفلات، وإلغاء سلطة الأخلاق، وإلى تبرير المصلحة والمنفعة ولو على حساب وجود الإنسان وإنسانيته.  

فالإلحاد الجديد لا يخاطب العقل بقدر ما يخاطب الشهوة، ولا يهاجم الإيمان بالدليل بقدر ما يهاجمه بالتشويه، وبفتح بوابات اللذة والمنفعة التي تجعل من الدين عبئاً يهرب من قيوده الدينية والأخلاقية من يريد الانحلال تحت مظلة إلحادية. 

وحين يتأمل المرء أدبيات هذه الحركة الإجرامية يجد أنها قد رفعت لافتات الحداثة، وقدّست الذات والعقل إلى حد التأليه، ونفخت في إنجاز العلم التجريبي حتى كادت أن  تجعل من القدرة على صناعة آلة دليلاً على أن الحياة والعقل والوعي يمكن أن تنشأ من الجماد بلا خالق.  

وخلطت بين مفاهيم الحرية والانحلال، وبين رفض الإرهاب ورفض الدين والإله، ومارست السخرية من المقدسات بوصفها مهارة فكرية وحرية شخصية، وشرعت بتزوير حقائق الدين والتاريخ ثم إعادة تقديمها للناس بصورة تمجّد الزور وتطمس الحقيقة وتطفئ النور والهدى والفضيلة. 

كما يجد أنها عملت في نسق المغالطات المصادمة للموضوعية والمعتمدة على الاختزال والانتقائية والتعميم وتشتيت الانتباه والتضخيم والعناد والجرأة على الجزم وعدم احترام التخصص والإخراج عن السياق ورفض الإجابات الموضوعية المزلزلة لدعاوى ربط الدين بالجهل والعنف والتعصب، ووصمه بكونه حاضنة الممارسة الإرهابية، المرفوضة عقلاً وجماهيراً وهو ما ساهم في إعطائها كل ذلك الزخم الشعبي الكبير. 

 وفي هذا السياق، يقول ستيفن وينبرج الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء: (ينبغي أن يفيق العالم من كابوس الديانات الذي طال،  ينبغي علينا كعلماء أن نفعل أي شيء من أن أجل أن نخفف من قبضة الدين، ولا شك أن هذا سيكون عطاؤنا الأكبر للحضارة). 

كما يلحظ أنها تستند إلى خدمة مشاريع الهيمنة والنفوذ التي تمارسها القوى والجهات الغربية النافذة، يقول ويرليمان: (لقد كسب الملحدون الجدد الدعاية والاهتمام الخاص والزخم في وسائل الإعلام الأمريكية؛ لأنهم - كما يقول لو سافاج- يقدمون غطاء فكريا للإمبريالية الغربية). 
ويقول: ( الملحدون الجدد أصبحوا أصوليين علمانيين، ويبيعون إيمانهم لمصالح أمريكا، إنهم يعانون مما أسماه الطبيب النفسي: روبرتجاي ليفتون: متلازمة القوة العظمى)، وهو ما يعني أن الإلحاد ما كان له أن يشيع إلا من خلال التماهي مع مصالح وأجندات الأطماع الغربية. 
وقد اتخذ الملحدون الجدد أشكالاً ووسائل عدة في تسويق إلحادهم الجديد والدعوة إليه، ولعل من أبرزها: 
 
أولاً: إنتاج المعرفة الإلحادية، إذ تم تدوين مجموعة من التآليف المتعددة، والتي شكلت  
-بحسب د. العجيري- القوة الدافعة للإلحاد الجديد وكانت بمثابة نواته الصلبة، واستطاعت أن تحدث جلبة كبيرة في الفضاء العام بسبب جودة الأسلوب، وسحر العبارة، وجاذبية التناول، ومباشرة الطرح، واستخدام أسلوب الكتابة الشعبية السهلة القريبة المتنوعة المناسبة لسائر الفئات العمرية والثقافية، وهو ما ساهم بقوة في نقل الأفكار الإلحادية من دوائرها النخبوية الضيقة إلى ساحات الجماهيرية العامة.
بل إن من المصنفات ما قد كتبت خصيصا