صنائع المعروف لا تضيع

منذ 4 ساعات

جمعت الجيرة رجلين كريمين زمناً طويلاً، فكان كلٌّ منهما للآخر نِعم الأخ ونِعم الجار؛ تألفت بينهما القلوب قبل البيوت، وتوثقت عُرى المودة قبل المصالح.

جمعت الجيرة رجلين كريمين زمناً طويلاً، فكان كلٌّ منهما للآخر نِعم الأخ ونِعم الجار؛ تألفت بينهما القلوب قبل البيوت، وتوثقت عُرى المودة قبل المصالح.

ثم شاء الله أن تمتد تلك الصلة إلى شراكةٍ في متجرٍ لبيع المواد الغذائية، فتولى أحدهما أمر المتجر قيام الأمين الحريص، لا يعرف تفريطاً ولا يرضى تقصيراً.

وكان من تمام أمانته وإحسانه أن جعل لشريكه في نهاية كل شهر نصيباً وافراً من الأرباح، يقارب ألفين وخمسمائة ريال، فضلاً عمَّا تحتاجه أسرته من مؤونة ومواد غذائية، فاستقام حالهما على ذلك أعواماً ثمانية، لا يعكِّر صفوهما خلاف، ولا ينقصه وفاء.

وذات يومٍ ألمَّت الحاجة بالرجل الذي لا يقوم على المتجر، فاحتاج إلى مبلغ كبير من المال، فعرض حصته فيه على شريكه، فقبِل دون تردد، وأعطاه حقه كاملاً غير منقوص، ومضى كلٌّ في حال سبيله على خير.

ومضت ثلاث سنوات، فإذا بالرجل الذي باع حصته ينتقل إلى جوار ربه، مخلفاً وراءه أرملة وثلاثة أبناء.

فما كان من شريكه القديم إلا أن نهض بحق الإخاء، مبتغيا بذلك وجه الله، فتقدَّم إلى الأرملة، وأخبرها أنه سيستمر في إعطائها ما كان يعطي زوجها من رزقٍ شهري، وسألها ألا تُخبر أبناءها ببيع أبيهم حصته، ليظلوا يأتون إلى المتجر بلا حرج، ويأخذوا حاجتهم كما يفعل أبناؤه دون تردد.

وظل هذا الرجل الشهم موفياً بعهده هذا طيلة سبع سنوات كاملة، حتى يسَّر الله لأكبر أبناء الأرملة عملاً وراتباً مجزياً، فلما جاءها الرجل كعادته يحمل العطاء، أخبرته بأن الله قد أغناهم، وشكرته، وأكثرت له الدعاء، ثم جمعت أبناءها وكشفت لهم حقيقة ما صنع جارهم الكريم، فعرفوا قدره، وأدركوا عظيم إحسانه.

وتتابعت الأيام، وتوظف الابنان الآخران، وتحسنت أحوال الأسرة، وكثر خيرهم.

ولم تمضِ سوى ثلاث سنوات على وفاة والدهم، حتى انتقل ذلك الرجل الكريم نفسه إلى جوار ربه، مخلفاً ثلاث بنات وأمهن.

وهنا ظهر معدن الوفاء؛ إذ جمعت الأرملة الأولى أبناءها الثلاثة، واقتطعت من راتب كل واحد منهم ألف ريال، وجعلت تعطيها للأرملة الثانية وبناتها، حفظاً للجميل، ورداً للإحسان بإحسان. واستمر ذلك سنوات، حتى بارك الله للبنات، فتزوجن برجال كرام، قاموا بحقهن خير قيام، فعندها توقفت الأم عن الأخذ مكتفية بما بين يديها من رزق، وهي حامدة شاكرة.

ولا أدري أيُّ الأمرين أبلغ أثراً في النفس: شهامة رجلٍ كفل أبناء جاره بعد موته لسنوات طوال، أم نُبل امرأةٍ حفظت المعروف وردَّت الفضل بفضل وإحسان؟ ولكن الله من واسع فضله لا يضيع أجر المحسنين.

والله الهادي.