أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ
{أَأَنْتُمْ أَشَدُّ} أصعب {خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ} سماء الدنيا التي تلوح فيها أضواء النجوم، فتعريفه تعريف العهد، وهي الكرة الفضائية المحيطة بالأرض ويبدو فيها ضوء النهار وظلمة الليل.
{بسم الله الرحمن الرحيم }
يقول تعالى في سورة النازعات
{أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33)}
انتقال من الاعتبار بأمثالهم من الأمم الذي هو تخويف وتهديد على تكذيبهم الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى إبطال شبهتهم على نفي البعث وهي قوله: {أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} [النازعات:10] وما أعقبوه به من التهكم المبني على توهم إحالة البعث.
{أَأَنْتُمْ أَشَدُّ} أصعب {خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ} سماء الدنيا التي تلوح فيها أضواء النجوم، فتعريفه تعريف العهد، وهي الكرة الفضائية المحيطة بالأرض ويبدو فيها ضوء النهار وظلمة الليل.
والاستفهام تقريري لتقرير إمكان البعث، والمقصود من التقرير إلجاؤهم إلى الإقرار بأن خلق السماء أعظم من خلقهم.
وقيل لهم هنا {أأنتم} بضميرهم ولم يقل: آالإنسان أشد خلقا، وما هم إلا من الإنسان، فالخطاب موجه إلى المشركين الذين عبر عنهم آنفا بضمائر الغيبة من قوله: {يَقُولُونَ} إلى قوله: {فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} [النازعات:14]، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب.
{بَنَاهَا} وبناء السماء: خلقها، استعير له فعل البناء لمشابهتها البيوت في الارتفاع.
قال ابن كثير -رحمه الله- أي جعلها عالية البناء، بعيدة الفناء، مستوية الأرجاء، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء.
والآية خطاب للمكذبين بالبعث من قريش، المتقدم قولهم أول السورة {يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ}، بطريق التبكيت، لتنبيههم على سهولته في جانب القدرة الرباني؛ فإن من رفع السماء على عِظمِها، هيِّنٌ عليه خلقهم وخلق أمثالهم، وإحياؤهم بعد مماتهم.
كما قال سبحانه: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [غافر:57] فجاء الجواب صريحا بأن السماء أشد خلقا منهم.
بل بين ضعف الإنسان في قوله في نفس المعنى: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ} [الصافات:11].
وقال تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم} [يس:81] وفي هذا بيان على قدرته تعالى على بعثهم بعد إماتتهم وصيرورتهم عظاما نخرة.
وجملة {بَنَاهَا} لا تتعلق بالتي قبلها، ولهذا ينبغي للقارئ إذا قرأ أن يقف على قوله أم السماء ثم يستأنف فيقول: بناها.
فالجملة استئنافية لبيان عظمة السماء، أي: بناها الله عز وجل، وقد بين الله سبحانه وتعالى في آية أخرى في سورة الذاريات أنه بناها بقوة فقال: {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات:47]
{رَفَعَ سَمْكَهَا} سقفها {فَسَوَّاهَا} جعلها مستوية تامة كاملة وعدلها بوضع كل جِرم في موضعه وأتقن صنعها فلا ترى فيها تفاوتا.
والفاء للتعقيب. وتسوية السماء حصلت مع حصول سمكها، فالتعقيب فيه مثل التعقيب في قوله: {فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات:23-24]
{وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} جعله مظلماً.. قال ابن جرير: أضاف الليل إلى السماء، لأن الليل غروب الشمس، وغروبها وطلوعها فيها؛ فأضيف إليها لمّا كان فيها، كما قيل: نجوم الليل، إذ كان فيه الطلوع والغروب.
{وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} أبرز نهارها، والضحى: بروز ضوء الشمس بعد طلوعها وبعد احمرار شعاعها، فالضحى هو نور الشمس الخالص؛ وإيثار ذكر الضحى لأنه وقت قيام سلطان الشمس وكمال إشراقها.
قال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} [الإسراء:12]
وإنما جعل إظهار النور إخراج لأن النور طارئ بعد الظلمة، إذ الظلمة عدم وهو أسبق، والنور محتاج إلى السبب الذي ينيره.
{وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ} بعد تسوية السماء على الوجه السابق، وإبراز الأضواء.
{دَحَاهَا} بسطها ومهدها لسُكنى أهلها، وتقلُّبهم في أقطارها.
وذكر الله سبحانه وتعالى في مواضع من القرآن ما يدل على أن الأرض خلقت قبل خلق السماء، ومن ذلك قوله عز وجل:
{قُلْ أَئنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت:9-11]
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29]، و( ثم ) كما هو معلوم للترتيب والتراخي.
قال ابن كثير: الأرض خلقت قبل السماء، ولكن إنما دحيت بعد خلق السماء.
وقوله {دَحَاهَا} قال ابن كثير: تفسيره ما بعده، [أي مهدها وسهل الحياة عليها وذكر لوازم التمكين من الحياة عليها من إخراج الماء والمرعى ووضع الجبال]
وقال أبو حيان: بسطها ومهدها للسكنى والاستقرار عليها ثم فسر ذلك التمهيد بما لا بد منه من إخراج الماء والمرعى وإرسائها بالجبال.
{أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا} بأن فجَّر منها عيوناً وأجرى أنهاراً {وَمَرْعَاهَا} رعْيها وهو النبات.
والاقتصار على المرعى اكتفاء عن ذكر ما تخرجه الأرض من الثمار والحبوب لأن ذكر المرعى يدل على لطف الله بالعجماوات فيعرف منه أن اللطف بالإنسان أحرى، بدلالة فحوى الخطاب، والقرينة على الاكتفاء قوله بعده {مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [النازعات:33].
{وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} جعلها راسية في الأرض تمسك الأرض لئلا تضطرب بالخلق.
{مَتَاعًا لَكُمْ} «المتاع» يطلق على ما ينتفع به مدة، ففيه معنى التأجيل.
{وَلِأَنْعَامِكُمْ} انتفاعاً إلى حين، لأن فائدة ما ذكر من البسط والتمهيد وإخراج الماء والمرعى واصلةٌ إليهم وإلى أنعامهم.
وهذا إدماج الامتنان في الاستدلال لإثارة شكرهم حق النعمة بأن يعبدوا المنعم وحده ولا يشركوا بعبادته غيره.
فالآيات الكريمة مسوقة لتجهيل المشركين وتوبيخهم على كفرهم، مع أنهم يشاهدون بأعينهم ما يدل دلالة واضحة على وحدانية الله تعالى وقدرته، ويعلمون أن من كان كذلك لا يصح أن تترك عبادته إلى عبادة حجر أو نحوه، مما لا يضر ولا ينفع.
فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)
{فَإِذَا جَاءَتِ} والمجيء: هنا مجاز في الحصول والوقوع لأن الشيء المؤقت المؤجل بأجل يشبه شخصا سائرا إلى غاية، فإذا حصل ذلك المؤجل عند أجله فكأنه السائر إذا بلغ المكان المقصود.
{الطَّامَّةُ الْكُبْرَى} الداهية العظمى التي تطمُّ وتعلو على كل هائلة من الأمور، وتفوق أمثالها من نوعها، فتغمر ما سواها بعظيم هولها.
فسُمّيت طامة لأنها تطُّم على كلّ أمر، أي تفوقه شدة وفظاعة مهما كان فظيعاً وعظيماً. مأخوذ من طم الماء، إذا غمر الأشياء.. وهذا الوصف يؤذن بالشدة والهول إذ لا يقال مثله إلا في الأمور المهولة ثم بولغ في تشخيص هولها بأن وصفت بـ {الْكُبْرَى} فكان هذا أصرح الكلمات لتصوير ما يقارن الحادثة من الأهوال.
والمراد بالطامة الكبرى القيامة للحساب والجزاء. كما قال تعالى: {وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر:46].
{يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى} أي يعرض عليه ما قدّم من عمل سواء كان خيراً أم شراً. فيعترف به إذ ليس المقصود من التذكر إلا أثره.. كما قال: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى} [الفجر:23]
يتذكره مكتوباً عنده، يقرأه هو بنفسه، قال الله تعالى: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} [الإسراء:١٣-١٤].. {طائره} عمله يحمله {في عنقه}.
فإذا قرأه تذكر ما سعى أي ما عمل، أما اليوم فإننا قد نسينا ما عملنا، عملنا أعمالاً كثيرة منها الصالح، ومنها اللغو، ومنها السيئ، لكن كل هذا ننساه، وفي يوم القيامة يعرض علينا هذا في كتاب ويقال اقرأ كتابك.. فحينئذ يتذكر ما سعى.
{وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى} أظهِرت نارُ اللهِ لأبصار الناظرين، فرآها الناس عياناً.. وجيء بالفعل المضاعف لإفادة إظهار الجحيم لأنه إظهار لأجل الإرهاب.
وفي مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قال رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا)
{فَأَمَّا مَنْ طَغَى} أفرط في تعديه ومجاوزته حدَّ الشريعة والحق إلى ارتكاب العصيان والفساد والضلال.
{وَآثَرَ} الإيثار: تفضيل شيء على شيء في حال لا يتيسر فيها الجمع بين أحوال كل منهما.
{الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} متاعها وشهواتها وحظوظها، على كرامة الآخرة وما أعدَّ فيها للأبرار.
وهما متلازمان فإن الطاغي عن عبادة الله مؤثر للحياة الدنيا لأنه يتعلل بها عن طاعة الله، ويتلهى بها عن طاعة الله.
وقدم ذكر الطغيان على إيثار الحياة الدنيا لأن الطغيان من أكبر أسباب إيثار الحياة الدنيا فلما كان مسببا عنه ذكر عقبه مراعاة للترتب الطبيعي.
ويفهم من فعل الإيثار أن معه نبذا لنعيم الآخرة. ويرجع إيثار الحياة الدنيا إلى إرضاء هوى النفس، وإنما يعرف كلا الحظين بالتوقيف الإلهي كما عرف الشرك وتكذيب الرسل والاعتداء على الناس والبطر والصلف وما يستتبعه ذلك من الأحوال الذميمة.
وقد زاد هذا المفاد بيانا قوله بعده {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} الآية. وبه يظهر أن مناط الذم في إيثار الحياة الدنيا هو إيثارها على الآخرة، فأما الأخذ بحظوظ الحياة الدنيا التي لا يفوت الآخذ بها حظوظ الآخرة فذلك غير مذموم، وهو مقام كثير من عباد الله الصالحين حكاه الله تعالى عن صالحي بني إسرائيل من قولهم لقارون {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا} [القصص:77].
{فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} مأواه ومرجعه ومقره.
{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} خاف القيام بين يدي الله -عز وجل- للحساب والجزاء.
أو مجاز عن الجلال والمهابة. أي: خاف جلاله وعظمته، فاتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
{وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} هو ما ترغب فيه قوى النفس الشهوانية والغضبية مما يخالف الحق والنفع الكامل.
وشاع الهوى في المرغوب الذميم ولذلك قيل في قوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص:50] أن {بِغَيْرِ هُدًى} حال مؤكدة وليست تقييدا، إذ لا يكون الهوى إلا بغير هدى.. وتعريف {الهوى} تعريف الجنس.
{فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} مصيره يوم القيامة.. أي المقر والمسكن لأن المرء يذهب إلى قضاء شؤونه ثم يرجع إلى مسكنه.
والتعريف في {المأوى} الأول والثاني تعريف العهد. أي مأوى من طغى، ومأوى من خاف مقام ربه. ومثله شائع في الكلام كما في قوله: غُضَّ الطَّرْفَ، أي الطرف المعهود من الأمر أي غُضَّ طَرْفَكَ، وقوله: واملأ السمع، أي سمعك.
يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} إقامتها، أي: متى يُقيمها الله ويكوِّنها، ومتى تقوم على وجه التحديد.. وحكي فعل السؤال بصيغة المضارع للدلالة على تجدد هذا السؤال وتكرره.
قال الناصر: وفيه إشعار بثقل اليوم كقوله: {وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً} [الْإِنْسَاْن:27]، ألا تراهم لا يستعملون الإرساء إلا فيما له ثقل، كمرْسَى السفينة، وإرساء الجبال.
وسؤال الناس عن الساعة ينقسم إلى قسمين:
1/ سؤال استبعاد وإنكار، وهذا كفر كما سأل المشركون النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن الساعة واستعجلوها، وقد قال الله عن هؤلاء: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} [الشورى:18]
وقد كان سؤال المشركين استهزاء واستخفافا لأنهم عقدوا قلوبهم على استحالة وقوع الساعة وربما طلبوا التعجيل بوقوعها وأوهموا أنفسهم وأشياعهم أن تأخر وقوعها دليل على اليأس منها لأنهم يتوهمون أنهم إذا فعلوا ذلك مع الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لو كان صادقا لحمي غضب الله لمرسله سبحانه فبادر بإراءتهم العذاب وهم يتوهمون شؤون الخالق كشؤون الناس إذا غضب أحدهم عجل بالانتقام طيشا وحنقا قال تعالى: {لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً} [الكهف:58].
2/ سؤال عن الساعة يسأل متى الساعة ليستعد لها وهذا لا بأس به، وفي الترمذي عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى قِيَامُ السَّاعَةِ؟ فَقَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ قِيَامِ السَّاعَةِ»؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا»؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ وَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» فَمَا رَأَيْتُ فَرِحَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ الإِسْلَامِ فَرَحَهُمْ بِهَذَا ": «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»
فالناس يسألون النبي -عليه الصلاة والسلام- ولكن تختلف نياتهم في هذا السؤال، ومهما كانت نياتهم ومهما كانت أسئلتهم فعلم الساعة عند الله عز وجل.
{فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} ليس إليك ذِكرُها لأنها من الغيوب، فلا معنى لسؤالهم إياك عنها.
{إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا} منتهى علم الساعة إلى الرب تعالى دون غيره، لا يعلم بذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل.
{إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} ما بعثت إلا لإنذار من يخاف حسابها، وعقاب الله على إجرامه. ولم تكلف علمَ وقت قيامها.
{كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً} العشية من الزوال إلى غروب الشمس {أَوْ ضُحَاهَا} والضحى من طلوع الشمس إلى زوالها، يعني كأنهم لم يلبثوا إلا نصف يوم.
كأن هؤلاء المكذبين بها وبما فيها من الجزاء والحساب، يوم يشاهدون وقوعها، من عظيم هولها، يظنون أنهم لم يلبثوا في الدنيا أو في القبور إلا ساعة من نهار، بمقدار عشية أو ضحاها.
قال قتادة: وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة.
وإضافة الضحى إلى العشية، لِما بينهما من الملابسة؛ لاجتماعهما في يوم واحد.
جمع وترتيب
د/ خالد سعد النجار
alnaggar66@hotmail.com
خالد سعد النجار
كاتب وباحث مصري متميز
- التصنيف: