من درر العلامة ابن القيم عن أصناف الناس

منذ 4 ساعات

الناس أصناف, وقد بحث العلامة ابن القيم رحمه الله, هذا الموضوع في عدد من كتبه, وقد جمعتُ بفضل من الله وكرمه بعضًا مما ذكره, أسأل الله  الكريم أن ينفع بها الجميع

 

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, أما بعد: فالناس أصناف, وقد بحث العلامة ابن القيم رحمه الله, هذا الموضوع في عدد من كتبه, وقد جمعتُ بفضل من الله وكرمه بعضًا مما ذكره, أسأل الله  الكريم أن ينفع بها الجميع.                 

                           [مفتاح دار السعادة]

ناس بالصورة وشياطين بالحقيقة:

الموصوفون بقوله: {﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾} [الأنفال:22] هذا الضرب شرُّ البريَّة, يضيِّقون الديار, ويُغلُون الأسعار.

عند أنفسهم أنهم يعلمون ولكن ظاهراً من الحياة الدنيا وهو عن الآخرة هم غافلون

ويتعلمون ولكن ما يضرهم ولا ينفعهم.

ويتكلمون ولكن بالجهل ينطقون.

ويؤمنون ولكن بالجبت والطاغوت يؤمنون.

ويعبدون ولكن يعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم.

ويجادِلون ولكن بالباطل ليدحضوا به الحق.

ويتفكرون ويبيتون ولكن ما لا يرضى من القول يبيتون.

ويدعون ولكن مع الله إلهاً آخر يدعون. ويذكرون ولكن إذا ذكروا لا يذكُرون.

ويصلون ولكنهم من المصلين الذين عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون

ويحكمون ولكن حكم الجاهلية يبغون.

ويكتبون ولكن يكتبون الكتاب بأيديهم, ثم يقولون: هذا من عند الله, ليشتروا به ثمناً قليلاً, فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون.

ويقولون: إنما نحن مصلحون ألا إنهم المفسدون ولكن لا يشعرون, وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس, قالوا: أنؤمن كما آمن السفهاء ؟! ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون......فهذا الضرب ناس بالصورة وشياطين بالحقيقة

الناس ثلاثة:

الأول: العالم الرباني

الثاني: المتعلم على سبيل النجاة.

الثالث: الهمج الرعاع

الهمج من الناس:

الهمج من الناس: حمقاهُم  وجهلتهم....هؤلاء من أضرِّ الخلق على الأديان, فإنهم الأكثرون عدداً الأقلون عند الله قدراً, وهم حطب كل فتنة, بهم توقدُ ويُشبُّ ضِرامها, فإنها يعتزلها أولو الدين, ويتولاها الهمجُ الرعاع.

                   [طريق الهجرتين وباب السعادتين]

الناس قسمان: عِلية, وسفلية:

الناس قسمان: عِلية, وسفلة, فالعلية من عرف الطريق إلى ربه, وسلكها قاصداً للوصول إليه, وهذا هو الكريم على ربه, والسفلة من لم يعرف الطريق إلى ربه, ولم يتعرفها, فهذا هو اللئيم الذي قال الله تعالى فيه: {﴿ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ ﴾}   [الحج:18]

                                    [كتاب: الفروسية]

الناس ثلاثة:

الناس ثلاثة: رجل، ونصف رجل، ولا شيء.

فالرجل من اجتمع له إصابة الرأي والشجاعة، فهذا الرجل الكامل.

ونصف الرجل: وهو من انفرد بأحد الوصفين دون الآخر.

والذي هو لا شيء: من عري من الوصفين جميعًا.

                          [الكلام على مسألة السماع]

الناس ثلاثة أقسام في عبودية الجوارح:

في كل جارحة من جوارح العبد عبودية تخصُّه, وطاعة مطلوبة منها, خُلقت لأجلها وهُيئت لها. والناس بعد ذلك ثلاثة أقسام:

أحدها: من استعمل تلك الجوارح فيما خُلقت له وأٌريد منها, فهذا هو الذي تأجر الله بأربح التجارة, وباع نفسه لله بأربح البيع.

الثاني: من استعملها في لم تُخلق له, ولم يُخلق لها, فهذا هو الذي خاب سعيه وخسرت تجارته, وفاته رضي ربه عنه وجزيلُ ثوابه, وحصل على سخطه وأليم عقابه.

الثالث: من عطل جوارحه وأماتها بالبطالة, فهذا أيضاً خاسر أعظم خسارة, فإن العبد خُلق للعبادة والطاعة لا للبطالة, وأبغض الخلق إلى الله البطال الذي لا في شغل الدنيا ولا في سعى الآخرة, فهذا كلّ على الدنيا والدين.

                                        [الفوائد]

حال الناس في الدنيا:

الناس في الدنيا معذبون على قدر هممهم بها.

             [اجتماع الجيوش الإسلامية على حرب المعطلة والجهمية]

الناس قسمان: أهل الهدى والبصائر، وأهل الجهل والظلم:

الناس قسمان:

أهل الهدى والبصائر الذين عرَفوا أن الحق فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله، وأن كل ما عارَضه فشُبهات يُشتبه على مَن قلَّ نصيبُه من العقل والسمع أمرها، فيظنها شيئًا له حاصل ينتفع به وهي:  {﴿ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴾} [النور: 39، 40].وهؤلاء هم أهل الهدى ودين الحق، أصحاب العلم النافع والعمل الصالح الذين صدَّقوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أخباره ولم يعارضوها بالشبهات، وأطاعوه في أوامره، ولم يضيعوها بالشهوات، فلا هم في علمهم من أهل الخوض الخراصين الذين هم في غمرة ساهون، ولا هم في عملهم من المستمتعين بخلاقهم الذين حبطتْ أعمالُهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون.

أضاء لهم نور الوحي المبين، فرأوا في نوره أهل الظلمات في ظلمات آرائهم يعمهون، وفي ضلالتهم يتهوَّكون، وفي ريبهم يترددون، مغترين بظاهر السراب، ممحلين مجدبين مما بعث الله تعالى به رسوله من الحكمة وفصل الخطاب.

القسم الثاني: أهل الجهل والظلم الذين جمعوا بين الجهل بما جاء به، والظلم باتباع أهوائهم، الذين قال الله تعالى فيهم: { ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ﴾}  [النجم: 23]، وهؤلاء قسمان:

أحدهما: الذين يَحسبون أنهم على علم وهدى، وهم أهل جهل وضلال، فهؤلاء أهل الجهل المركب الذين يجهلون الحق ويعادونه ويعادون أهله، وينصرون الباطل ويوالونه ويوالون أهله، وهم يحسبون أنهم على شيء ألا أنهم هم الكاذبون، فهم لاعتقادهم الشيء على خلاف ما هو عليه بمنزلة رائي السراب الذي يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، فهكذا هؤلاء أعمالهم وعلومهم بمنزلة السراب الذي يخون صاحبه أحوج ما هم إليه ... وصارت تلك الشبهات الباطلة التي كان يظنها علومًا نافعة كذلك هباءً منثورًا، فصارت أعماله وعلومه حسرات عليه.

القسم الثاني من هذا الصنف: أصحاب الظلمات، وهم المنغمسون في الجهل بحيث قد أحاط بهم من كل وجهٍ، فهم بمنزلة الأنعام، بل هم أضل سبيلًا، فهؤلاء أعمالهم التي عملوها على غير بصيرة، بل بمجرد التقليد واتباع الآباء من غير نور من الله.

{﴿ كَظُلُماتٍ ﴾}  جمع ظُلمة، وهي ظلمة الجهل، وظلمة الكفر، وظلمة الظلم واتباع الهوى، وظلمة الشك والريب، وظلمة الإعراض عن الحق الذي بعث الله تعالى به رسله صلوات الله وسلامه عليهم، والنور الذي أنزله معهم ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، فإن المعرض عما بعث الله تعالى به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق يتقلب في خمس ظلمات: قوله ظُلمة، وعمله ظُلمة، ومدخله ظُلمه ومصيره إلى الظُّلمة، فقلبه مظلم ووجهه مظلم، وكلامه مظلم، وحاله مظلم.

                         [التبيان في أيمان القرآن]

أكثر الناس في غفلة عن المراد من إيجادهم:

أكثر الخلق لا ينظرون في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار، ولا يتفكرون في قلة مقامهم في دار الغرور، ولا في رحيلهم وانتقالهم عنها، ولا أين يرحلون وأين يستقرون، قد... شملتهم الغفلة، وغرتهم الأماني التي هي كالسراب، وخدعهم طول الأمل، فكأن المقيم لا يرحل، وكأن أحدهم لا يُبعَث ولا يُسأل، وكأن مع كل مقيم توقيع من الله لفلان بن فلان بالأمان من عذابه، والفوز بجزيل ثوابه.

يسعون لما لا يدركون، ويتركون ما هم به مطالبون، ويعمرون ما هم عنه منتقلون، ويخربون ما هم إليه صائرون.

والعجب كل العجب من غفلة من تُعد لحظاته، وتُحصى عليه أنفاسه، ومطايا الليل والنهار تسرع به ولا يتفكر إلى أين يُحمل، ولا أي منزل يُنقل.

وإذا نزل بأحدهم الموت قلِق لخراب ذاته وذهاب لذاته، لا لما سبق من جناياته، ولا لسوء منقلبه بعد مماته، فإن خطرت على قلب أحدهم خطرة من ذلك، اعتمد على العفو والرحمة، كأنه يتقين أن ذلك نصيبه ولا بد.

فلو أن العاقل أحضر ذهنه، واستحضر عقله، وسار بفكره، وأنعم النظر وتأمل الآيات - لفهِم المراد من إيجاده، ولنظرت عين الراحل إلى الطريق، ولأخذ المسافر في التزود، والمريض في التداوي.

والحازم يعد لما يجوز أن يأتي، فما الظن بأمر متيقن؟

                       [الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب]

الناس بالنسبة إلى الهدى والعلم ثلاث طبقات:

جعل النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالنسبة إلى الهدى والعلم ثلاث طبقات:

الطبقة الأولى: ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام, وهم الذين قاموا بالدين علماً وعملاً ودعوةً إلى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم.

الطبقة الثانية: حفظت النصوص, وكان همها حفظها وضبطها, فوردها الناس وتلقوها منهم, فاستنبطوا منها, واستخرجوا كنوزها.

فهاتان الطائفتان هما أسعد الخلق بما بعث الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم, وهم الذين قبلوه ورفعوا به رأساً.

الطبقة الثالثة: أشقى الخلق, الذين لم يقبلوا هدى الله ولم يرفعوا به رأساً, فلا حِفظَ, ولا فهم, ولا رواية, ولا دراية, ولا رعاية {﴿ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾}  [الفرقان:44] فهم الذين يضيقون الديار, ويُغلون الأسعار, إن هم أحدهم إلا بطنه وفرجه, فإن ترقت همتهُ فوق ذلك كان همُّه – مع ذلك – لباسه وزينته – فإن ترقَّت همَّته فوق ذلك كان في داره وبستانه ومركوبه, فإن ترقَّت همَّته فوق ذلك, كان همُّه في الرياسة والانتصار للنفس [الكلبية, فإن ارتفعت همَّته عن نصرة النفس الكلبية, كان همُّه في نصرة النفس السبعية] وأما النفس المَلَكِية فلم يُعطها أحد من هؤلاء.

فإن النفوس ثلاثة: كلبية, وسبُعية, ومَلَكية.

فالكلبية: تقنع بالعظم, والكسرة, والجيفة, والعذرة.

والسَّبُعية: لا تقنع بذلك, بل بقهر النفوس, والاستيلاء عليها بالحق والباطل.

وأما المَلَكية: فقد ارتفعت عن ذلك وشمرت إلى الرفيق الأعلى فهمتها العلم والإيمان

                     كتبه/ فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ