من درر العلامة ابن القيم عن الطب وحفظ الصحة
الطب وحفظ الصحة من المواضيع التي بحثها العلامة ابن القيم رحمه الله, في عدد من كتبه, وقد جمعت بعضًا مما ذكره أسأل الله أن ينفع بها الجميع.
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, أما بعد: فالطب وحفظ الصحة من المواضيع التي بحثها العلامة ابن القيم رحمه الله, في عدد من كتبه, وقد جمعت بعضًا مما ذكره أسأل الله أن ينفع بها الجميع.
[زاد المعاد في هدى خير العباد]
- أصول الطب ثلاثة:
الحمية, وحفظ الصحة, واستفرغ المادة المضره.
- الأدوية الروحانية لها تأثير في حصول الشفاء أعظم من الأدوية الطبيعية
ها هنا من الأدوية التي تشفى من الأمراض ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم وأقيستهم، من الأدوية القلبية، والروحانية، وقوة القلب، واعتماده على الله، والتوكل عليه، والالتجاء إليه، والانطراح والانكسار بين يديه، والتذلل له، والصدقة، والدعاء، والتوبة، والاستغفار، والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف، والتفريج عن المكروب، فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء، ما لم يصل إليه علم أعلم الأطباء، ولا تجربته، ولا قياسه، وقد جربنا نحن، وغيرنا من هذا أموراً كثيرة، ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية،...ومن أعظم علاجات المرض فعل الخير والإحسان والذكر والدعاء والتضرع والابتهال إلى الله والتوبة، ولهذه الأمور تأثير في دفع العلل وحصول الشفاء أعظم من الأدوية الطبيعية.
- ينتفع بطب النبوة من تلقاه بالقبول واعتقاد الشفا به:
ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة, فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول, واعتقاد الشفا به, وكمال التلقي له بالإيمان والإذعان, فهذا القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور – إن لم يتلق هذا التلقي – لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها, بل لا يزيد المنافقين إلا رجساً إلى رجسهم, ومرضاً إلى مرضهم.
- الشبع المفرط يضعف القوى والبدن:
في المسند وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( « ما ملا آدمي وعاءً شراً من بطنٍ, بحسب ابن آدم لُقيمات يُقمن صلبه, فإن كان لابد فاعلاً فثُلُث لطعامه, وثلُثُ لِشرابه, وثُلُث لِنفسه » )) فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أنه يكفيه لُقيمات يُقمن صلبه, فلا تسقط قوته, ولا تضعف معها, فإن تجاوزها, فليأكل في ثلث بطنه, ويدع الثلث الآخر للماء, والثالث للنفس, وهذا من أنفع ما للبدن والقلب, فإن البطن إذا امتلأ من الطعام ضاق عن الشراب, فإذا ورد عليه الشراب ضاق عن النفس, وعرض له الكرب والتعب بحمله بمنزلة حامل الحمل الثقيل, هذا إلى ما يلزم ذلك من فساد القلب, وكسل الجوارح عن الطاعات, وتحركها في الشهوات التي يستلزمها الشبع, فامتلاءُ البطن من الطعام مضر للقلب والبدن.
هذا إذا كان دائماً أو أكثرياً, وأما إذا كان في الأحيان فلا بأس به, فقد شرب أبو هريرة بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم من اللبن, حتى قال: والذي بعثك بالحق, لا أجد له مسلكاً, وأكل الصحابة بحضرته مراراً حتى شَبِعوا.
والشبع المفرط يُضعف القوى والبدن, وإن أخصبه, وإنما يَقوى البدنُ بحسب ما يقبلُ من الغذاء, لا بحسب كثرته.
- لا تعارض بين أحاديث الكي:
تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع:
أحدها: فعله والثاني: عدم محبته له والثالث: الثناء على من تركه والرابع: النهي عنه
ولا تعارض بينها بحمد الله تعالى, فإن فعله يدل على الجواز, وعدم محبته له لا يدل على المنع منه, وأما الثناء على تاركه, فيدل على أن تركه أولى وأفضل, وأما النهى عنه, فعل سبيل الاختيار والكراهة, أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه, بل يفعله خوفاً من حدوث الداء. والله أعظم.
- المريض له مدد من الله يُغذيه به بحسب انكساره وانطراحه بين يدي ربه:
المريض له مدد من الله تعالى يُغذيه به زائداً على ما ذكره الأطباء من تغذيته بالدم, وهذا المدد بحسب ضعفه وانكساره وانطراحه بين يدي ربه عز وجل, فيحصل له من ذلك ما يُوجب له قرباً من ربه, فإن العبد أقربُ ما يكون من ربه إذا انكسر قلبُهُ, ورحمةُ ربه عند ئذٍ قريبة منه, فإن كان ولياً له, حصل له من الأغذية القلبية ما تقوى به قوى طبيعته, وتنتعش به قواه أعظم من قوتها, وانتعاشها بالأغذية البدنية, وكلما قوى إيمانه وحبه لربه, وأنسه به, وفرحُه به, وقوى يقينه بربه, واشتد شوقه إليه ورضاه به وعنه, ووجد في نفسه من هذه القوة ما لا يُعبرُ عنه, ولا يدركه وصف طبيب, ولا يناله علمه.
- علاجه صلى الله عليه وسلم للأمراض:
كان علاجه صلى الله عليه وسلم للمرض ثلاثة أنواع:
أحدها: بالأدوية الطبيعية.
والثاني: بالأدوية الإلهية.
والثالث: بالمركب من الأمرين.
- تفريج نفس المريض, وتطيب قلبه, له تأثير عجيب في شفاء علته وخفتها:
تفريج نفس المريض, وتطيب قلبه, وإدخال ما يسُرُّه عليه, له تأثير عجيب في شفاء علته وخفتها, فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك, فتساعد الطبيعة على دفع المؤذي, وقد شاهد الناس كثيراً من المرضى تنتعش قواه بعيادة من يُحبونه, ويعظمونه, ورؤيتهم لهم, ولُطفهم بهم, ومكالمتهم إياهم, وهذا أحد فوائد عيادة المرضى التي تتعلق بهم, فإن فيها أربعة أنواع من الفوائد: نوع يرجع إلى المريض, ونوع يعود على العائد, ونوع يعود على أهل المريض, ونوع يعود على العامة.
والآيات, والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها.
- الطبيب الكامل الذي يداوي المريض بتفقد قلبه وصلاحه:
والطبيب إذا كان عارفاً بأمراض القلب والروح وعلاجهما, كان هو الطبيب الكامل, والذي لا خبرة له بذلك وإن كان حاذقاً في علاج الطبيعة وأحوال البدن نصف طبيب, وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه وصلاحه, وتقوية روحه وقواه بالصدقة, وفعل الخير, والإحسان, والإقبال على الله والدار الآخرة فليس بطبيب, بل متطبب قاصر.
- الصوم له تأثير عجيب في حفظ الصحة:
ثم إن فيه من إراحة القوى والأعضاء ما يحفظُ عليها قُواها, وفيه خاصية تقتضي إيثاره, وهي تفريحه للقلب عاجلاً وآجلاً.
- العبادات تحفظ الصحة, وتمنع كثير من الأمراض:
قيام الليل من أنفع أسباب حفظ الصحة, ومن أمنع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة, ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب, وفي الصوم الشرعي من أسباب حفظ الصحة ورياضة البدن والنفس,...
- من أعظم علاجات المرض:
ومن أعظم علاجات المرض فعل الخير والإحسان والذكر والدعاء, والتضرع والابتهال إلى الله, والتوبة, ولهذه الأمور تأثير في دفع العلل, وحصول الشفاء أعظم من الأدوية الطبيعية, ولكن بحسب استعداد النفس وقبولها وعقيدتها في ذلك ونفعه.
- الأدوية الإلهية تمنع وقوع الداء وتنفع بعد حصوله:
اعلم أن الأدوية الطبيعية الإلهية تنفعُ من الداء بعد حصوله, وتمنعُ من وقوعه, وإن وقع لم يقع وقوعاً مضراً, وإن كان مؤذياً, والأدوية الطبيعية إنما تنفع بعد حصول الداء, فالتعوذات والأذكارُ إما أن تمنع وقوع هذه الأسباب, وإما أن تحول بينها وبين كمال تأثيرها بحسب كمال التعوذ وقوته وضعفه.
- متى أمكن التداوي بالغذاء لا يُعدل عنه إلى الدواء:
اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوي بالغذاء لا يُعدل عنه إلى الدواء, ومتى أمكن بالبسيط لا يعدلُ عنه إلى المركب.
وقالوا: ولا ينبغي للطبيب أن يولع بسقي الأدوية, فإن الدواء إذا لم يجد في البدن داءً يُحلِّله, أو وجد داءً لا يوافقه, أو وجد ما يوافقه فزادت كميته عليه, أو كيفيته, تشبَّث بالصحة وعبث بها.
- أشياء تزيد في القوى, وأشياء توهنها:
القوى تتضاعف وتزيد بالطيب, كما تزيد بالغذاء والشراب, والدعة والسرور, ومعاشرة الأحبة, وحدوث الأمور المحبوبة. والثقلاء والبغضاء معاشرتهم توهن القوى, وتجلب الهم والغم, وهي للروح بمنزلة الحمى للبدن, وبمنزلة الرائحة الكريهة.
- الأدوية الإلهية هي الأدوية النافعة للسحر:
من أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية, بل هي أدويته النافعة بالذات, فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية, ودفعُ تأثيرها يكون بما يُعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات, والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها.
[الداء والدواء]
- لكل داء دواء
الحمد لله, ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء ))
وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لكل داء دواء, فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله ))
وفي مسند الإمام أحمد من حديث أسامة بن شريك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله لم يُنزل داءً إلا أنزل له شفاءً, علِمَه من علِمَه, وجَهِله من جَهِله ))
وهذا يعمّ أدواء القلب والروح والبدن وأدويتها.
- أسباب الانتفاع بالأذكار والآيات والأدعية
ولكن ههنا أمر ينبغي التفطن له, وهو أن الأذكار والآيات والأدعية التي يستشفى بها ويرقى بها, هي في نفسها نافعة شافية, ولكن تستدعى قبول المحل, وقوة همة الفاعل وتأثيره فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل أو لعدم قبول المنفعل أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء كما يكون ذلك في الأدوية والأدوية الحسية
فالقلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام, وكان للراقي نفس فعالة وهمة مؤثرة أثّر ذلك في إزالة الداء.
كتبه/ فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ
- التصنيف: