رواء مكة...(الحلقة الأولى)

منذ 3 ساعات

حين يتجاوز الإبصار الأول إبهار العين إلى انخلاع القلب الحلقة الأولى...)) )


للتوّ، وما يزال في الخاطر ما يملأ الوجدان عاطفةً جياشة، تردّ البال، وتفزع بالفؤاد إلى تمني العودة والأوبة والقفول إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. للتوّ نزلنا بغرفة الفندق فاغتسلنا واتزرنا بإحرامنا في عجل وقد صارت لنا احترافية ودربة في التعامل معه كلباس وساتر غير معهود، ثم هرولنا مسرعين ووجهتنا في عزم غريب بيت الله الحرام...
قلت للتو وطئت القدم أرض البك، حيث الدفق البشري لا ينضب معينه، ولا تكف حركة المشي على أرضه المباركة أبدا. ازدحام لا يحصى، وتقاصف يجعلك سيله المنساب غير متحكم في وجهتك وصوبك، حتى لكأن بوصلة الاتجاه قد أُلغيت، وكأن الجسد المحشور بين الأجساد عنوة، مسوق في تيار لا يقاوم ولا يصارع.
يخيل إليك — وأنت في هذا المشهد — أنك في محشر، لا لملاقاة حساب، بل للقاء عزيز طال شوق المشتاق إليه، وتلهف القلب للقياه، فلطالما تبشبش الفؤاد لحلوله ومقدمه، وهذا ديدن كل من زار وذاق ثم عرف، لا بمنطق حمقى الصوفية، ولا بخبل دراويش القباب والمشاهد والموالد، فمعاذ الله أن يكون هذا الإحساس مواطئا لذلك المسلك المنحرف في إقعاد، وإنما هو إحساس عنوانه أن الإبصار هنا قد تجاوز إبهار العين إلى انخلاع القلب.
ذلك أن ما تراه العين هناك ليس بناء فحسب، فثمة بنايات ضخمة شاهقة باسقة تناطح عنان الغمام خلفناها وراء ظهورنا حيث مسقط الرأس ولم يسبق أن أثر فينا حجمها كل هذا التأثير بل التأثر، فالكعبة المشرفة ليست حجرا مصفوفا، بل أثرا للسجود الأول، ومئنة للاستخلاف البشري على هذه الأرض على شرط العبودية، وإن الزائر ليتنسم أريج الوحي منبعثا في غير انقطاع من تلك البقعة، التي كانت مهبط الرسالات، وملتقى الكتب المنزلة، تبليغا لشرع الله، وتحقيقا لمناط العبودية، وإقامة للحجة الربانية على كل عاقل بالغ ومن ثم مكلف.
وإني — كما غيري — أظل عاجزا عن تصوير وتشخيص ذلك الإحساس الوافد، الغائر، الصائل، الذي يقتحم حرمة القلب بغير استئذان، عند نقطة التلاقي بين سهم الإبصار المرسل وجدار الكعبة لأول وهلة.
 والأكيد الأكيد أن كلنا يكاد يتفق على  أن ما يترتب على تلك الرؤية الأولى وما يردفها ليس قرارا ذهنيا، ولن يكون كذلك، بل هو انفعال فطري مغروس، جاءه تحيين الزيارة في وقته المقدر بأسبابه ومسبباته، فنفخ في رماده الساخن المخلص لبؤرة الموقد الأول، فاشتعلت ناره، وسطع نوره وانتشر في الآفاق ليضيء على الذات وما حولها.

محمد بوقنطار

محمد بوقنطار من مواليد مدينة سلا سنة 1971 خريج كلية الحقوق للموسم الدراسي 96 ـ97 الآن مشرف على قسم اللغة العربية بمجموعة مدارس خصوصية تسمى الأقصى.