رمضان موسمٌ ربح عظيم

منذ 9 ساعات

رمضان شهرُ الصيام والقيام، وميدانُ القرآن والذكر والدعاء والبذل والجهاد، وشهرُ ليلةِ القدر؛ فهو موسمٌ تُضاعف فيه الحسنات، وتتنزّل فيه الخيرات، وتُستدرّ البركات، وتفيض الرحمات، وتُمحى الزلات، وتكثر فيه عِتقُ الرقاب من النيران.

رمضان شهرُ الصيام والقيام، وميدانُ القرآن والذكر والدعاء والبذل والجهاد، وشهرُ ليلةِ القدر؛ فهو موسمٌ تُضاعف فيه الحسنات، وتتنزّل فيه الخيرات، وتُستدرّ البركات، وتفيض الرحمات، وتُمحى الزلات، وتكثر فيه عِتقُ الرقاب من النيران.

وككل موسمٍ عظيم، لا يُنال خيرُه مجازفة، ولا تُدرك غاياتُه ارتجالًا؛ فمن أراد الغنمَ الكبير فيه، احتاج إلى تخطيطٍ واعٍ، وتهيؤٍ نفسيٍّ يليق بعظمة الشهر، وإعدادٍ عمليٍّ يسبقه. وإلا فقد يمرّ به الموسم فلا يدخله حقيقة، وإن دخله لم يُحسن دوام المقام بقلبه فيه، وإن أتمّه خرج منه دون الربح الوفير الذي كان يأمله ويُمنّي نفسه به.


ولعل من أعظم وجوه الاستعداد لهذا الموسم المبارك ما يلي:
أولًا: تصحيح النية وتجديدها أن يُقبل على الشهر وقد صحّح نيته قبله، ثم يُلازم تجديدها في أثنائه؛ فإن الإخلاص، وإن سهل تصوّره، عسُر تحقيقه، والنوايا متقلّبة، لا تستقيم للعبد إلا بمجاهدةٍ صادقة، ومراقبةٍ واعية، وافتقارٍ دائم إلى الله تعالى.

فالعبد أحوج ما يكون إلى توفيق الله وتسديده، إذ:
إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى فأولُ ما يجني عليه اجتهاده.

ثانيًا: تعظيم الله في القلب أن يُعظّم الله تعالى غايةَ التعظيم، وأن يستقبل الشهر وربُّه جلّ في علاه أعظمُ محبوبٍ لديه وأجلُّ مقصود؛ فإن تعظيم الله أصلُ العبادة وروحُها، ومن أعظم دوافع الطاعة. فالمحبّ لمن يحب مطيع، ومن عظّم الله حقّ تعظيمه هابه ورجاه، وكثر ذكره له، واشتدّ حرصه على مرضاته، وصار الله أحبَّ إليه من كل ما سواه.

ثالثًا: التدرّب العملي قبل الدخول أن يُدرّب نفسه على أعمال الشهر قبل حلوله، حتى إذا أقبل رمضان وجد نفسه مهيّأة، والعبادة عليه يسيرة، والإتقان حاضرًا؛ فإن من لم يتهيّأ للسباق قبل حينه، لم يكن من السابقين فيه، ولا من الظافرين بجائزته.

رابعًا: التفقّه في أحكام رمضان وهديه أن يتفقّه في أحكام الصيام وآدابه ومستحبّاته، ويعرف مكروهاته ومبطلاته، كما يتعلّم أحكام القيام، والاعتكاف، والذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، والبذل والإحسان، ويطالع الهدي النبوي في ذلك كله؛ فالمتابعة شرط في قبول العمل كما الإخلاص، وقد قال ﷺ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».

خامسًا: اختيار الرفقة الصالحة أن يختار رفقةً تعينه على تصفية النية، وتكميل العمل، ومحاسبة النفس ومجاهدتها، والاستكثار من الخير؛ فإن الصاحب ساحب، والمرء على دين خليله. وليحذر صحبة البطّالين، وهم من لا يعينون على دينٍ ولا دنيا؛ إذ كثيرًا ما يُحذَر من صحبة أهل السوء الظاهرين، ويُغفل عن صحبة مبدّدي الأوقات، ومن لا نفع في مجالستهم.

سادسًا: مراعاة حال القلب ورتب الأعمال أن يركّز على الأعمال التي يجد قلبه فيها أقبل على الله تعالى، ويرى إخلاصه فيها أتم، وانتفاعه منها أعظم؛ فالعبرة بحضور القلب وصدق التوجّه، لا بمجرد كثرة العمل.
وعليه أن يوازن بين الإكثار والإتقان، وبين التلاوة والتدبر، وبين الإطالة والخشوع، وبين العزلة والخلطة، وأن يكون أعظم همّه إقامة الفرائض على أكمل وجه، فإن التفريط فيها شديد، مع الاشتغال بما ينفعه وما يرضي ربه عنه، وترك ما لا يعنيه.
كما ينبغي أن يتفقّه في رُتب الأعمال بعامّة، وفي مراتبها بالنسبة له بخاصّة؛ فإن الطاعة الفاضلة في الأصل قد تكون مفضولة في حقّه، والعكس بالعكس.

سابعًا: معرفة مداخل الشيطان وسدّها أن يتعرّف على مداخل الشيطان إليه، ويسعى لسدّ الثغرات التي ينفذ منها عليه، مع لزوم الاستعاذة بالله آناء الليل وأطراف النهار؛ فإن من استعاذ بالله أعاذه، ومن استحفظه نفسه حفظه.
اللهم بلّغنا رمضان بقلوبٍ معظِّمة، ونفوسٍ مخلِصة، وهمة عالية، وأعمالٍ متقبَّلة، ولا تجعل حظّنا منه مجرد تقليد الناس بغفلة، واكتبنا فيه من عبادك المخلصين.
والله الهادي.