الصلاة
إن من محاسن ديننا هذه الصلوات الخمس التي هي ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين وعموده الذي لا يقوم بناؤه إلا عليه، فلا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، ومن حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة.
إن من محاسن ديننا هذه الصلوات الخمس التي هي ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين وعموده الذي لا يقوم بناؤه إلا عليه، -فلا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة(1)-، ومن حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة.
ولقد اختصت الصلاة بخصائص ليست لغيرها من العبادات؛ منها:
١- أنها فرضت في السماء، فرضها الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من غير واسطة، ليلة المعراج.
٢- ومنها: أنها أول ما فرض من أحكام الإسلام بعد الشهادتين.
٣- ومنها: أنها فرضت في مكة قبل الهجرة.
٤- ومن ذلك: أنها تجب في جميع الأحوال، فهي واجبة في الصيف وفي الشتاء، وفي السلم وفي، وفي الحرب، وفي حالة الصحة والمرض، وتجب على كل مكلف على الغني والفقير والذكر والأنثى، والحر والعبد.
٥- ومما اختصت به: أنه يؤمر بها في سن مبكرة من حين التمييز، قال رسول الله ﷺ: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» (٢).
٦- ومن خصائصها: أنه يكفر من تركها قال رسول الله ﷺ: «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (3)، وقال عبد الله بن شقيق التابعي الجليل رحمه الله -كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة (4).
وفي مجتمعنا - ولله الحمد والمنة - نشهد صورًا وضيئة من صور الاعتناء بها، فما أكثر ما نرى الرجال والنساء إذا حانت الصلاة بادروا إلى إقامتها. فهذه كانت منهمكة في عملها وشؤون بيتها فلما وجبت فريضة الله عليها قطعت أعمالها وأشغالها وقامت تؤدي ما أوجب الله عليها؛ التماسا لرضاه.
وهؤلاء الرجال والنساء مسافرون ولهم غاية يريدون الوصول إليها، ولكن لما حان وقت الصلاة أوقفوا سيارتهم وقاموا ركعا سجدًا يؤدون فريضة الله ثم واصلوا سيرهم. إلى غير ذلك من الصور الوضيئة.
ولكن مع ذلك هناك من يُقَصِّر، فمن النساء من لا تكمل الطهارة، وقد قال رسول الله ﷺ: «لا يقبلُ الله صلاةٌ بغيرِ ظهور» (5)، إما بسبب وجود ما يحول دون وصول الماء إلى البشرة، أو بسبب عدم إسباغ الوضوء على الأعضاء المفروضة، أو غير ذلك.
ومن النساء من اعتادت تأخير الصلاة إلى آخر وقتها، وفي الحديث عن النبي ﷺ: «تلك صلاة المنافق يجلس يَرْقُبُ الشمس حتى إذا كانت بين قَرْنَي الشيطان قام فَنَقَرَها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا».
وصلاة العشاء قد ورد استحباب تأخيرها عن أول وقتها؛ لكن من النساء من يؤخرنها حتى يفرغن من جميع أعمالهن وأشغالهن، فإذا هن في حالة من التعب والإعياء والرغبة في النوم، فيصلينها بكسل وعدم خشوع ولا حضور قلب، وليس لابن آدم من صلاته إلا ما عقل؛ بل ربما تمادى بعضهن في التأخير حتى تجاوزن نصف الليل. هذا وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم من يعذب بأن يهشم رأسه بالحجارة - نسأل الله العافية والسلامة .. ثم يعود صحيحًا كما كان، ثم يهشم وهكذا لا يزال في العذاب، فلما سأل عنه؟ قيل له: هذا هو الذي يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة).
أيتها المسلمة:
إن تأخير الصلاة عن وقتها عمدًا من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر؛ بل إن من يفعل ذلك فإنه يخشى على دينه، نسأل الله العافية والسلامة. وقد يقول قائل : أليس النوم عذرًا في تأخير الصلاة عن وقتها ؛ لحديث: رفع القلم عن ثلاثة ومنهم: النائم حتى يستيقظ (6)؟
فالجواب أن النوم عذر في حق من عزم على القيام للصلاة ولكن غلبه النوم، أما من لم يعزم على القيام ولم يتخذ سببًا للاستيقاظ فإنه لا يعذر؛لأنه مفرط. والواجب على كل مسلم ومسلمة أن يأخذ بالأسباب المعينة له على القيام لصلاة الفجر، ومنها التبكير بالنوم لصلاة الفجر، واستعمال المنبه والتعاون بين أفراد الأسرة، فتوقظ المرأة زوجها والرجل امرأته، والوالد ولده، وهكذا.
لكن العجيب أن الشيطان يغوينا بمثل ما أغوى به أبوينا ، فقد أسكنهما الله الجنة وأباح لهما أن يأكلا منها حيث شاءا رغدًا؛ إلا تلك الشجرة، فلم يزل الشيطان يوسوس لهما ويُغلي قدرها في نفسيهما حتى أكلا منها.
وها هو يعيد معنا المكيدة بنفس الأسلوب، فقد أباح الله لنا النوم متى ما شئنا ما لم يصرفنا عن طاعة؛ لكن النفس لا تحرص عليه ولا تَتَشَبَّتُ. إلا إذا وافق وقت صلاة.
أيتها المسلمة:
اعرفي شأن الصلاة واعلمي أن لها ثمرات معجلة غير ما ادخره الله لأهلها حين يودعون في قبورهم فتشفع لهم أعمالهم، وحين يقوم الناس لرب العالمين.
فمن ثمراتها العاجلة: أن الله يحفظ بها العبد، فيكون في ذمة الله وحفظه وكلاءته؛ يحفظه في بدنه وعقله وماله وأهله وذريته، قال رسول الله ﷺ: «احفظ الله يحفظك» (7).
ولصلاة الفجر خصوصية في هذا خرج مسلم في صحيحه عن رسول الله أنه قال: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يَطْلُبَنَّكم الله من ذمته بشي (8)، معناه -والله تعالى أعلم: احذر أن تتعرض لمن هو في ذمة الله (9).
ومما يبين شأن الصلاة وكونها سببًا لأن يُحفظ العبد في نفسه وفي عرضه: ما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قَدِمَ إبراهيم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس، فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنكِ امرأتي يغلبني عليك، فإن سألكِ فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلمُ في الأرضِ مسلما غيري وغيرك. فلما دخل أرضَهُ رآها بعض أهل الجبار، أتاه فقال له: لقد قدمَ أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها فأتي بها، فقام إبراهيم إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة، فقال لها: ادعي الله أن يُطلق بيدي ولا أضرك، ففعلت، فعاد فقُبِضَتْ أشدَّ من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك ففعلت، فعاد، فقُبِضَتْ أشدَّ من القبضتين الأوليين، فقال: ادعي الله أن يُطْلِقَ يدي فَلَكِ اللهَ أن لا أضرَّكِ، ففعلت وأُطْلِقَتْ يده، ودعا الذي جاءَ بها فقال له: إنَّما أتيتني بشيطان ولم تأتِني بإنسان فأَخْرِجُها من أرضي وأَعْطِها هاجر قال: فأقبلت تمشي، فلما رآها إبراهيم انصرف(10)، فقال لها : مَهْيَمُ (11)؟ قالت: خيرًا، كفَّ الله يد الفاجر وأَخْدَمَ خادِمًا» (12).
كذلك من آثارها العاجلة: النشاط، وانشراح الصدر.
روى البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يعقد الشبطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاثَ عُقد يضرب مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فإن توضأ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فإن صلى انْحَلَّتْ عُقَدُه كلها، فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيثَ النَّفْسِ كسلان».
ولو أردنا استقصاء آثار الصلاة وثمراتها وفوائدها لطال بنا المقام، لكن لعل فيما ذكر تنبيها لمن في قلبه حياة.
___________________________________
(1) أي لا نصيب له. «المؤلف»
(٢) أخرجه أبو داود (٤٩٥)، قال النووي: حديث حسن رواه أبو داود بإسناد حسن». المؤلف»
(3) أخرجه مسلم (۸۲). (4) أخرجه الترمذي (٢٦٢٢).
(5) أخرجه النسائي في المجتبى (۱۳۹)، وابن ماجه (۲۷۳)، وأخرجه مسلم (٢٢٤) بلفظ : ولا تُقبل صلاةٌ بغير طَهُورٍ».
(6) أخرجه أبو داود (٤٣٩٨)، والترمذي (١٤٢٣) والنسائي في المجتبى (٣٤٣٢)، وابن ماجه (٢٠٤١)، قال في صحيح الجامع: صحيح». «المؤلف».
(7) أخرجه أحمد في مسنده (٢٦٦٩)، والترمذي (٢٥١٦).
(8) أخرجه مسلم (٦٥٧).
(9) بنظر : دليل الفالحين لطرق الصالحين (٥٣٦/٦).
(10) يعني من الصلاة التي كان فيها . المؤلف».
(11) أي: ما شأنك وما خبرك «المؤلف».
(12) أخرجه البخاري (۲۲۱۷)، ومسلم (۲۳۷۱) واللفظ له.
______________________________________
المصدر: مجموع رسائل ومحاضرات الشيخ فهد بن سليمان القاضي رحمه الله.
فهد بن سليمان القاضي
١٣٧٧هـ - 1441 هـ . تدرّج في التعليم النظامي، وتخرج بكلية الشريعة بالرياض، ثم عمِل في التعليم العام معلما في المرحلة الثانوية عشرين عاما، وتقاعد تقاعدا مبكرا عام 1419هـ، وتفرّغ بعد التقاعد لأعمال الدعوة إلى الله، وتوفي ليلة الثلاثاء 16 ربيع الأول 1441هـ، عن ثلاث وستين سنة وأشهر.
- التصنيف: