مزيّفو الوعي

منذ يوم

الوعي الصادق، هو الذي يقف مع الحق لا مع الأحزاب والجماعات لمجرد كونها أحزابا وجماعات تنتسب للإسلام والدعوة مهما زاغت هنا أو زلت هناك، ويزن المواقف بالعدل لا بالانتماء والعاطفة..

ما أخطر أن يُزوَّر الوعي باسم الوعي، وأن يُخدع الناس بشعاراتٍ ظاهرها الحق والدين، وباطنها التلبيس والتعصب والتضليل.

لقد تعاقبت على الأمة خطاباتٌ تُعيد تشكيل العقول وفق أهواء سياسية ومواقف حزبية لا وفق ميزان الحق ولا منطق العدل؛ فترفع طرفًا إلى مصاف القداسة وإن كان موغلا في النجاسة ومسرفا في القتل والتدمير وبأسم الإسلام زعموا، وتُسقط آخر في مهاوي الإدانة المطلقة، لا لشيء إلا لأن هذه الجماعة أو ذلك الحزب يعاديه، ويتعامل في الوقت نفسه مع من هو أشد زيغا منه.

وقد قيل لنا قبل عقود: هذا الفاجر القتال“مسلم متدين” وإن ظلم وفجر، وذاك “علماني بعثي” وإن كان حائط الصد الاول ضد المشروع الصفوي المدمر، فاغتيل الوعي، وضاعت البوصلة، وكانت النتيجة أن دفعت الأمة أثمانًا باهظة من دمائها وأوطانها واستقرارها.

واليوم يُعاد المشهد نفسه ومن الجهات نفسها دون أن تتعلم في أكثر من ٣٠ سنة شيئا، ولكن  بصورة أكثر فجاجة؛ فتُدان أنظمةٌ بأخطائها – ولا إشكال أن يدان المخطئ – لكن في المقابل يُغض الطرف عن جرائم موثقة، وعدوان صريح، وتدخلات مدمرة، فقط لأن الفاعل يرفع شعارًا دينيًا أو يتوشح بعبارات المقاومة.

فأيُّ وعيٍ هذا الذي يرى الزيغ والظلم في جهة فيستنفر له، ثم يعمى عن أضعافه المضاعفة في جهة أخرى؟
وأيُّ ميزانٍ هذا الذي يُحرّم العدوان هنا، ويسكت عنه أضعافه المضاعفة أيضا هناك؟، وليس هذا فحسب، بل إنه ليهدد بقية دول الإسلام التي لم يدمرها بعد بالاحتلال والتدمير، وليهدد بصريح عبارته، وبالحشود التي يجمعها من كل اتجاه الحرمين الشريفين.

وبلا شك فإن تبرير الجرائم تحت أي لافتة، دينية كانت أو سياسية أو حزبية، ليس وعيًا بل خيانة للوعي وإجهاضا عليه، وليس نصرةً للحق بل تزييفا للحقائق وتدنيسا لها.

وإن من المؤلم حقًا أن يتحول بعض من يُفترض فيهم البيان إلى أدوات تزييف، يهوّنون فيه من الدماء، ويُسكتون  فيه عن العدوان على مقدرات شعوب المسلمين وبلدانهم، ويُلبسون على العامة ويفتنونهم باسم الشريعة، ويُزيّنون انحيازهم الفاجر باسم الحكمة، ويُسوّقون تناقضهم الفج على أنه فقهٌ بالواقع.

مع أن الحقيقة التي لا ينبغي أن تُطمس، هي: أن الظلم مرفوض أيًّا كان مصدره، وأن الدم معصوم أيًّا كان صاحبه، وأن العدوان مدانٌ كائنًا من كان فاعله، وأنه لا يجوز الركون إلى الذين ظلموا بكل حال.

وأن الوعي الصادق، هو الذي يقف مع الحق لا مع الأحزاب والجماعات لمجرد كونها أحزابا وجماعات تنتسب للإسلام والدعوة مهما زاغت هنا أو زلت هناك، ويزن المواقف بالعدل لا بالانتماء والعاطفة، ويرفض أن يكون بوقًا لأي مشروعٍ يعبث بأمن الأمة واستقرارها، قرب منه أو بعد.

فاحذروا يا قوم تزييف الوعي، ولا تغرنكم مظاهر متكلميه، فإنه أشد خطرًا من الجهل؛ لأن الجاهل يُعلَّم فيتعلم، أما المفتون المضل، فإنه يَضلّ ويُضلّ معه غيره.
والله الهادي