قلق المقامات العالية

منذ يوم

كلما زاد الإنسان نضجًا، وتعمّق إحساسه بأهمية أمرٍ ما، تضاعف في قلبه الخوف من فقدانه الأمور لا نقصانها، فالذي يقف على القمة يرى الهاوية بوضوح أكبر بكثير ممن يقف في السفح.

كثيرًا ما نقف متعجبين أمام نصوص تركها لنا كبار الأنبياء والأئمة، كالدعاء القرآني العظيم لإبراهيم عليه السلام، إمام الحنفاء ومحطم الأوثان، حين قال: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ}، أو دعاء يوسف عليه السلام في قمة تمكينه: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا} ويمتد هذا المسلك إلى ورثتهم من العلماء، كقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمتُ بعدُ إسلامًا جيِّدًا”، وما نُقل عن الإمام أحمد بن حنبل في مرض وفاته حين كان يردد: “لا بعد.. لا بعد” خوفًا على إيمانه في اللحظات الأخيرة.

في التفسير الشائع، يميل كثيرون إلى تبسيط هذه المسألة المركبة واعتبارها مجرد “تواضع”. لكن التأمل في مسلك هؤلاء الكبار يكشف بُعدًا آخر تمامًا؛ إنه ليس تواضعًا بالمعنى الدارج، بل هو إدراك حقيقي ومرعب لقيمة ما يملكون.

القاعدة هنا مطردة: كلما زاد الإنسان نضجًا، وتعمّق إحساسه بأهمية أمرٍ ما، تضاعف في قلبه الخوف من فقدانه الأمور لا نقصانها، فالذي يقف على القمة يرى الهاوية بوضوح أكبر بكثير ممن يقف في السفح.

هكذا هو الحال في مقامات الإيمان؛ إن الخوف من فقدانه كله ليس نقصًا في اليقين، بل هو فضيلة المرحلة المتقدمة من النضج؛ حيث يصبح الإيمان بمعانيه الكبرى رأس مالٍ ضخم، ويصبح الحفاظ عليه هو الهاجس الأعظم الذي يصغر أمامه كل شيء.

______________________________________
الكاتب:  بدر آل مرعي