جيفة الكذب

منذ 23 ساعة

إذا تأملتَ في البنية التحتية للخطايا، لوجدتَ أن الكذب يمثل مؤسسةً كاملةً لتفريخ الرذائل، وبوابةً عريضةً تتسلل منها بقية الآثام...

إذا تأملتَ في البنية التحتية للخطايا، لوجدتَ أن الكذب يمثل مؤسسةً كاملةً لتفريخ الرذائل، وبوابةً عريضةً تتسلل منها بقية الآثام، مصداقاً جلياً للبيان النبوي القاطع: «وإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ».

وإن الخطيئة بطبيعتها تستوحش، وتحتاج دائماً إلى الكذب لتتخذ منه جداراً تتكئ عليه لتبرير وجودها والتستر على قبحها.

وبمجرد فتح المرء هذا الباب، يجد نفسه مدفوعاً بقوة نحو الغش، والمداهنة، والظلم، ليرقع كذبته الأولى بسلسلة متصلة من الأكاذيب والخطايا اللاحقة، حتى يغدو الشر منهجاً متكاملاً في حياته، وتتحقق فيه النهاية المفزعة للحديث ذاته: «وما يَزالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ ويَتَحَرَّى الكَذِبَ حتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا». ويبدد هذا المتحرّي طاقته في ابتكار الحيل، ورتق الفجوات الواسعة في رواياته المختلقة. 

وأسوأ محطات هذا الانحدار، ذلك المشهد الذي يندى له الجبين، حين يتحول الكاذب إلى أضحوكة مبكية. يتحدث بملء فيه، متوهماً ببراعته في تزييف الحقائق، ومستمعوه يطوون في صدورهم يقيناً تاماً بكذبه، يسايرونه شفقةً أو احتقاراً.

وتلك هي العقوبة النفسية المعجلة: عيش الإنسان في سجن من الوهم، وتجرده من سكون النفس، تحقيقاً للقاعدة النبوية العميقة في تشريح الوجدان: «فإنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، والكَذِبَ رِيبَةٌ». ويتأكد له في أعماق نفسه حقيقة كونه ممثلاً فاشلاً، ينال من جمهوره تصفيق السخرية والتكذيب، ويحمل في جوفه علةً تورثه ذلاً واضطراباً مستمراً، كما قرر الوحي الحكيم في وصف أصحاب هذه الآفة: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا  وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}.

________________________________
الكاتب: علي آل حوّاء