أفضل الصدقة
الصدقة من أفضل القربات إلى الله, أجورها عظيمة, وفوائدها كثيرة, وقد وردت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في أفضل الصدقة فمنها:
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين....فالصدقة من أفضل القربات إلى الله, أجورها عظيمة, وفوائدها كثيرة, وقد وردت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في أفضل الصدقة فمنها:
الصدقة عن ظهر غني:
عن حكيم بن حزام رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( «أفضل الصدقة أو خير الصدقة, عن ظهر غنى» ....الحديث)) [متفق عليه]
& قال العلامة ابن باز رحمه الله: (( «خير الصَّدقة ما كان عن ظهر غنًى» )) أفضلها ما كان بعد تسديد حاجة مَن يمونهم.
& قال العلامة العثيمين رحمه الله: صدقة التطوع قد تكون عن ظهر غنى, وقد لا تكون, فتكون عن ظهر غنى إذا تصدق الإنسان بما زاد عن كفايته وكفاية عياله, حتى وإن كان فقيرًا معدودًا من الفقراء, لكن عنده فاضل من قوته, وقوت عياله فتصدق به, فهذا صدقته عن ظهر غني, مثل ذلك: رجل يدخل عليه كل يوم خمسة ريالات, ونفقته وعائلته أربعة ريالات, فتصدق بريال, فصدقته هذه عن ظهر غنى, وهو يعد بهذا الدخل في وقتنا من الفقراء, أي: عرفًا لا شرعًا, لأن دخله مائة وخمسون ريالًا, وهذا المبلغ ليس بشيءٍ عُرفًا, لكن مع ذلك نقول: إن هذا الرجل تصدق بصدقةٍ عن ظهر غنى...فلو قال قائل: أنا سأتصدق بما يأتيني من مالٍ وأبقي أنا وأهلي في حاجة؟ فالجواب: أن هذا ليس بصواب, وليس هذا خير الصدقة, بل خير الصدقة أن تتصدق عن ظهر غنى بالفاضل عن كفايتك وكفاية عائلتك.
الصدقة حال الصحة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه, قال: «قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أيُّ الصدقة أفضل؟ قال: (( أن تصدق وأنت صحيح حريص, تأمل الغنى وتخشى الفقر, ولا تهمل حتى إذا بلفت الحلقوم قلت: لفلانٍ كذا, ولفلانٍ كذا, وقد كان لفلانٍ ))» [متفق عليه] وعند مسلم: (( وأنت صحيح شحيح ))
& قال الإمام النووي رحمه الله: قال الخطابي الشحُّ أعمُّ من البخل...فمعنى الحديث أن الشح غالب في حال الصحة, فإذا سمح فيها وتصدق كان أصدق في نيته, وأعظم في أجره بخلاف من أشرف على الموت وآيس من الحياة, ورأى مصير ماله لغيره, فإن صدقته حينئذ ناقصة بالنسبة إلى حالة الصحة والشحّ رجاء البقاء, وخوف الفقر.
& قال الإمام القرطبي رحمه الله من القرض الحسن...أن يتصدق في حال يأمل الحياة فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الصدقة؟ فقال: (( «أن تعطيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش, ولا تهمل حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا» ))
& قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: في الحديث أن...التصدق في الحياة وفي الصحة أفضل منه بعد الموت, وفي المرض, وأشار صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله: ((وأنت صحيح حريص, تأمل الغنى...الخ)), لأنه في حالة الصحة يصعب عليه إخراج المال غالبًا, لما يخوفه به الشيطان ويزين له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال, كما قال تعالى: ﴿ ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ﴾ [البقرة:268]
& قال العلامة عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله: هذا يدلّ على أن الصدقة في حال الصحة والشح أفضل, لحرصه على المال, فإذا صدر في هذه الحالة دلت على الرغبة فيما عند الله, بخلاف المرض.
صدقة الماء:
عن سعد بن عبادة رضي الله عنه, أن أمه ماتت فقال: «يا رسول الله إن أمي ماتت, أفأتصدق عنها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( نعم )), قال: فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: (( سقي الماء ))» [رواه النسائي, وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي(3425)]
& قال العلامة ابن القيم رحمه الله: أفضل الصدقة ما صادفت حاجة من المتصدق عليه, وكانت دائمة مستمرة, ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( « أفضلُ الصدقة سقيُ الماء» )) وهذا في موضع يقلُّ فيه الماء, ويكثرُ فيه العطش, وإلا فسقي الماء على الأنهار, القنى, لا يكون أفضل من إطعام الطعام عند الحاجة.
& سئل العلامة عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز: هل أفضل الصدقة في حق الميت هي الماء أم أن هناك أفضل منها؟. فأجاب رحمه الله تعالى: جاء في بعض الروايات ما يقتضي أن صدقة الماء من أفضل الصدقات, لكن على كل حال يتحرى حاجة المسكين, بالنقود, بالطعام, بالملابس, بالماء, تختلف الأحوال, فالصدقة كلها خير.
الصدقة على من يعول الإنسان وينفق عليه:
عن أبي هريرة رضي الله عنه, قال: قيل: يا رسول الله, أيُّ الصدقة أفضل.؟ قال: (( «جهد المقل, وابدأ بمن تعول» )) [رواه أبو داود, وصححه الألباني (1471)]
& قال العلامة العثيمين رحمه الله: من فوائد الحديث: أن الأولى والأفضل أن يبدأ بمن يعول, فلو جاء شخص يقول: أنا عندي مال, فعلى من أتصدق: قلنا: على من تعول, ومنهم نفسك, لقوله: (( وابدأ بمن تعول )) أي: إذا أردت أن تتصدق فابدأ بمن تعول, أي: بعائلتك, فإنه أفضل من الأجانب.
صدقة المُقلِّ (قليل المال):
عن عبدالله بن حبشي الخثعمي رضي الله عنه, قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الصدقة أفضل؟ قال: (( جهد المقل ))» [رواه أبو داود, وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود(1471)]
& قال العلامة العثيمين رحمه الله: من فوائد هذا الحديث: أن الصدقة من قليل المال أفضل من الصدقة من كثير المال, لقوله صلى الله عليه وسلم: (( «جهد المقل» ))
والنبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: (( «جهد المقل» )) ...المتصدق الذي ماله قليل في الغالب يصعب عليه أن يتصدق, فتكون صدقته بالنسبة له هو أفضل من الرجل الذي عنده مال, ولا يهمه أن يخرج من ماله ما شاء.
الصدقة على ذي الرحم المضمر للعداوة:
عن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها, قالت: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( «أفضل الصدقة: الصدقةُ على ذي الرحم الكاشح » )) [رواه الطبراني وابن خزيمة وصححه الألباني في صحيح الجامع (1110)]
& قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: الكاشح: المعادي, كأنه يُضمر العداوة في كشحِه, وهي خاصرته, وإنما فضلت الصدقة عليه لمكان مخالفة هوى النفس, فأما من أعطى من يحب فإنما ينفق على قلبه وهواه.
وفي الختام فهذه أحوال ذكر أهل العلم أن الصدقة تكون فيها أفضل, قال الإمام النووي رحمه الله: قال العلماء صدقة التطوع السر فيها أفضل, لأنه أقرب إلى الإخلاص, وأبعد من الرياء وقال: الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجين.
وقال العلامة العثيمين رحمه الله: اعلم أن الصدقة تتفاضل...فالصدقة على الفقير ذي العيال الذي لا يسأل أفضل من الصدقة على فقير لا عيال عنده, أو فقير يسأل الناس, لأن الأول أحوج وأورع وأزهد, والثاني الذي ليس عنده عيال ويسأل, فهذا في الغالب يكون عنده أموال كثيرة, لأنه واحد يسأل فتأتيه أموال كثيرة, وهو لا ينفق, ولذلك يوجد عند بعضهم أموال كثيرة.
كتبه/ فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ
- التصنيف: