من مواعظ العلامة ابن القيم

منذ 15 ساعة

للعلامة ابن القيم رحمه الله مواعظ ذكرها في عدد من كتبه, وقد جمعتُ بفضل من الله وكرمه بعضًا مما ذكره, أسأل الله  الكريم أن ينفع بها الجميع.

 

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, أما بعد: فللعلامة ابن القيم رحمه الله مواعظ ذكرها في عدد من كتبه, وقد جمعتُ بفضل من الله وكرمه بعضًا مما ذكره, أسأل الله  الكريم أن ينفع بها الجميع.                 

                                  [زاد المعاد إلى خير العباد]

  • مهر المحبة والجنة بذل النفس والمال لمالكهما:

أخبر سبحانه أنه {﴿ إنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ ﴾} [التوبة:110] وأعاضهم عليها الجنة, وأن هذا العقد والوعد قد أودعه أفضل كتبه المنزلة من السماء, وهي التوراة والإنجيل والقرآن, ثم أكد ذلك بإعلامهم أنه لا أحد أوفى بعهده منه تبارك وتعالى, ثم أكد ذلك بأن أمرهم بأن يستبشروا ببيعهم الذي عاقدوه عليه, ثم أعلمهم أن ذلك هو الفوز العظيم

فليتأمل العاقد مع ربه عقد هذا التبايع ما أعظم خطره وأجله, فإن الله عز وجل هو المشتري, والثمن جنات النعيم, والفوز برضاه, والتمتع برؤيته هناك, والذي جرى على يده هذا العقد أشرف رسله وأكرمهم عليه من الملائكة والبشر, وإن سلعة هذا شأنها لقد هيئت لأمرٍ عظيمٍ وخطبٍ جسيمٍ:

قد هيؤوك لأمر  لو فطـنت له          فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

مهر المحبة والجنة بذل النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين, فما للجبان المعرض المفلس وسوم هذه السلعة.

                      [مدارج السالكين في منازل السائرين]

  • من هُدِي في الدنيا إلى صراط الله المستقيم, هُدِى  إليه في الآخرة:

من هُدِي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم, الذي أرسل به رسوله, وأنزل به كتابه, هُدِى هناك إلى صراط الله المستقيم المُوصل إلى جنته ودار ثوبه, وعلى قدر ثبوت قدمه على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار, يكون ثبات قدمه على الصراط المستقيم على متن جهنم, وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط فمنهم من يمرُّ كالبرق ومنهم من يمرُّ كالطرف ومنهم من يمرُّ كشدِّ الركاب ومنهم من يسعى سعياً ومنهم من يمرُّ مشياً ومنهم من يحبو حبواً ومنهم المخدوش المسلَّم, ومنهم المكردس في النار, فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا, حذو القُذَّة بالقُذَّة جزاءً وفاقاً {﴿ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾} [النمل: 90]ولينظر الشهوات والشبهات التي تعوقه عن سيره على هذه الصراط المستقيم فإنها الكلاليب التي بجنبتي ذاك الصراط تخطفه وتعُوقه عن المرور عليه إن كثرت هنا وقويت, فكذلك هي هناك, {﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ﴾} [فصلت:46]

  • ما أنفع روعة الانتباه من رقدة الغافلين:

أول منازل العبودية: اليقظة. وهي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين. والله ما أنفع هذه الروعة ! وما أعظم قدرها وخطرها! وما أشدَّ إعانتها على السلوك! فمن أحسَّ بها فقد أحسَّ والله بالفلاح, وإلا فهو في سكرات الغفلة, فإذا انتبه شمر لله بهمته إلى السفر إلى منازله الأولى وأوطانه التي سُبي منها..

فحيَّ على جنات عدن  فإنها          منازلك الأولى وفيها المخيم

ولكننا سبي العدو فهل ترى          نــــــــعود إلى أوطاننا    ونُسلَّمُ 

  • رفيق العبد في سلوكه الصراط المستقيم الذين أنعم الله عليهم

لما كان طالبُ الصراط المستقيم طالب أمرٍ أكثرُ الناس ناكبون عنه, مريد لسلوك طريق مُرافقُه فيها في غاية العزة, والنفوسُ مجبولة على وحشة التفرُّد وعلى الأنس بالرفيق نبه الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريق وأنهم هم الذين {﴿ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا﴾} [النساء:69] فأضاف الصراط إلى الرفيق السالكين له وهم الذين أنعم الله عليهم ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه, وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط هم الذين أنعم الله عليهم, فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له فإنهم هم الأقلون قدراً وإن كانوا الأكثرين عدداً,...وكلما استوحشت في تفردك فانظر إلى الرفيق السابق واحرص على اللحاق بهم وغُضَّ الطرف عمن سواهم فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً وإذا صاحوا بك في طريق سيرك فلا تلفت إليهم, فإنك متى التفت إليهم أخذوك أو عاقوك.

  • أولياؤه إذا شاهدوا أحوال أعدائه ازدادوا له خضوعاً وافتقاراً وانكساراً:

أولياؤه المتقون, إذا شاهدوا أحوال أعدائه ومقته لهم, وغضبه عليهم, وخذلانه لهم, ازدادوا له خضوعاً وذُلاً وافتقاراً وانكساراً, وبه استعانةً, وإليه إنابةً, وعليه توكلاً, وفيه رغبةً, ومنه رهبةً, وعلموا أنه لا ملجأ لهم منه إلا إليه, وأنه لا يعيذهم من بأسه إلا هو, ولا ينجيهم من سخطه إلا مرضاته, فالفضل بيده أولاً وآخراً.

  • أعظم الناس خذلاناً من تعلق بغير الله:

أعظم الناس خذلاناً من تعلق بغير الله, فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظمُ مما حصل له ممن تعلق به, وهو معرض للزوال والفوات, ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحرِّ والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت.

  • أنينُ المذنبين أحبُّ إليه من زجل المسبِّحين المُدلِّين!:

تعيرك لأخيك بذنبه أعظم إثماً من ذنبه وأشدُّ من معصيته, لما فيه من صولة الطاعة, وتزكية النفس وشكرها, والمناداة عليها بالبراءة من الذنب, وأن أخاك هو الذي باء به, ولعل كسرته بذنبه وما أحدث له من الذلة والخضوع والإزراء على نفسه, والتخلص من مرض الدعوى والكبر والعجب, ووقوفه بين يدي الله ناكس الرأس خاشع الطرف منكسر القلب أنفع له وخير له من صولة طاعتك, وتكثرك بها, والاعتداد بها, والمنة على الله وخلقه بها, فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله! وما أقرب هذا المُدِلَّ من مقت الله! فذنب تذلُّ به لديه أحبُّ إليه من طاعة تُدلُّ بها عليه, وأنينُ المذنبين أحبُّ إليه من زجل المسبِّحين المُدلِّين! ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دواءً استخرج به داء قاتلاً هو فيك ولا تشعر.

  • لا يأمن كرَّات القدر وسطواته إلا أهل الجهل بالله:

فلله في أهل طاعته ومعصيته أسرار لا يعلمها إلا هو, ولا يطالعها إلا أهل البصائر, ولا يأمن كرَّات القدر وسطواته إلا أهل الجهل بالله, وقد قال تعالى لأعلم الخلق, وأقربهم إليه وسيلةً: {﴿ وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا﴾} [الإسراء:74] وقال يوسف الصَّديق: {﴿ إِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّي كَيۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَيۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ }  [يوسف:33] وكان عامة يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم : « (( لا, ومقلب القلوب ))» «» وقال: (( « ما من قلبٍ إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن, إن شاء أن يقيمه أقامه, وإن شاء أن يُزيغه أزاغه» )) ثم قال: (( «اللهم مقلِّب القلوب ثبت قلوبنا على دينك» )) (( «اللهم مصرف القلوب صرَّف قلوبنا على طاعتك» )) 

  • علل النفوس وحظوظها تمنع من وصول الأعمال إلى الله عز وجل:

كم في النفوس من علل وأغراضٍ وحظوظٍ تمنع الأعمال أن تكون لله خالصة وأن تصل إليه!  وإن العبد ليعمل العمل حيث لا يراه بشر البتة وهو غير خالص لله, ويعمل العمل والعيون قد استدارت عليه نطاقاً, وهو خالص لوجه الله, ولا يميز هذا من هذا إلا أهل البصائر وأطباء القلوب العالمون بأدوائها وعللها.

فبين العمل وبين القلب مسافة, وفي تلك المسافة قطَّاع تمنع وصول العمل إلى القلب, فيكون الرجل كثير العمل وما وصل منه إلى قلبه محبة ولا خوف ولا رجاء, ولا زهد في الدنيا ورغبة في الآخرة, ولا قوة في أمره, فلو وصل أثر الأعمال إلى قلبه لاستنار وأشرق, ورأى الحق والباطل, وميَّز بين أولياءه وأعدائه فأوجب له ذلك المزيد من الأحوال.

ثم بين القلب وبين الرب مسافة, وعليها قطاع تمنع وصول العمل إليه من كبر وإعجاب وإدلالٍ, ورؤية العمل ونسيان المنة, وعلل خفية لو استقصى في طلبها لرأى العجب, ومن رحمة الله سترها على أكثر العُمال, إذ لو رأوها وعاينوها لوقعوا فيما هو أشد منها, من اليأس والقنوط والاستحسار وترك العمل.

الموت موتان: موت إرادي وموت طبيعي فمن أمات نفسه موتاً إرادياً كان موته الطبيعي حياةً له, ومعنى هذا أن الموت الإرادي هو قمع الشهوات المردية, وإخماد نيرانها المُحرقة...فحينئذٍ يتفرغ القلب والروح للتفكر فيما فيه كمال العبد ومعرفته...فإذا مات موته الطبيعي كانت بعده حياة روحه بتلك العلوم النافعة والأعمال الصالحة...التي حصلت له بإماتة نفسه فتكون حياته هاهنا على حسب موته الإرادي في هذه الدار وهذا موضع لا يفهمه إلا ألباء الناس وعقلاؤهم.

  • كن واعظًا لنفسك وقلبك:

قال أبو حفص لأبي عثمان النيسابوري رحمهما الله: إذا جلست للناس فكن واعظاً لقلبك ونفسك ولا يغرنك اجتماعهم عليك فإنهم يراقبون ظاهرك والله يراقب باطنك

[رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه]

  • العبد مفتقر إلى الهداية في كل لحظةٍ ونفسٍ:

العبد مفتقر إلى الهداية في كل لحظة ونفس، في جميع ما يأتيه ويذره، فإنه بين أمور لا ينفك عنها:

أحدها أمور قد أتاها على غير وجه الهداية جهلًا، فهو محتاج إلى أن يطلب الهداية إلى الحق فيها،

أو يكون عارفًا بالهداية فيها، فأتاها على غير وجهها عمدًا، فهو محتاج إلى التوبة منها، أو أمور لم يعرف وجه الهداية فيها علمًا ولا عملًا، ففاتته الهداية إلى علمها ومعرفتها، وإلى قصدها وإرادتها وعملها، أو أمور قد هُدي إليها من وجه دون وجه، فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها، أو أمور قد هُدي إلى أصلها دون تفاصيلها، فهو محتاج إلى هداية التفصيل.

وكذلك أيضًا ثمَّ أمور هو محتاج إلى أن يحصل له فيها من الهداية في المستقبل مثل ما حصل له في الماضي، وأمور هو خال عن اعتقاد حق أو باطل فيها، فهو محتاج إلى هداية الصواب فيها، وأمور يعتقد أنه فيها على هُدى وهو على ضلالة ولا يشعر، فهو محتاج إلى انتقاله عن ذلك الاعتقاد بهداية من الله.

وأمور قد فعلها على وجه الهداية، وهو محتاج إلى أن يهدي غيره إليها ويرشده وينصحه ... فهدايته للغير وتعليمه ونُصحه، يفتح له باب الهداية، فإن الجزاء من جنس العمل، فكلما هدى غيره وعلَّمه، هداه الله وعلمه، فيصير هاديًا مهديًّا.

           [اجتماع الجيوش الإسلامية على حرب المعطلة والجهمية]

  • فهم المعاد وتفاوت الناس في أحواله:

هذا الباب يفتح لك أبوابًا عظيمة، مِن فَهْمِ المعاد، وتفاوت الناس في أحواله، وما يجري فيه من الأمور المتنوعة: فمنها: خفَّة حمل العبد على ظهره وثقله إذا قام من قبره، فإنه بحسب خِفَّة وزره وثقله، إن خفَّ خف، وإن ثقلَ ثقل.

ومنها: استظلاله بظل العرش، أو ضحاؤه للحر والشمس، إن كان له من الأعمال الصالحة الخالصة والإيمان ما يظله في هذه الدار من حرِّ الشرك والمعاصي والظلم استظل هناك في ظل أعماله تحت عرش الرحمن، وإن كان ضاحيًا هنا للمناهي والمخالفات والبدع والفجور ضحى هناك للحرَّ الشديد.

ومنها: طول وقوفه في الموقف ومشقته عليه وتهوينه، إن طال وقوفه في الصلاة ليلًا أو نهارًا لله، وتحمَّل لأجله المشاق في مرضاته وطاعته، خفَّ عليه الوقوف ذلك اليوم وسهل عليه، وإن آثر الراحة هنا والدعة والبطالة والنعمة، طال عليه الوقوف هناك ذلك اليوم، واشتدت مشقته عليه.

ومنها: أن ورود الناس في الحوض وشربهم منه يوم العطش الأكبر بحسب ورودهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشربهم منها، فمن وردها في هذه الدار وشرب منها وتضلع، وَرَدَ هناك حوضه وشرب منه وتضلَّع، فله صلى الله عليه وسلم حوضان عظيمان، حوض في الدنيا وهو سنته وما جاء به، وحوض في الآخرة، فالشاربون من هذا الحوض في الدنيا هم الشاربون من حوضه يوم القيامة، فشارب ومحروم، ومستقل مستكثر، فمن ظمئ من سنته في هذه الدنيا ولو يكن له منها شرب، فهو في الآخرة أشدُّ ظمأً وأحرُّ كبدًا.

ومنها: أن ثقل ميزانه هناك بحسب تحمُّل ثقل الحق في هذه الدار، لا بحسب مجرد كثرة الأعمال، وإنما يثقل الميزان باتباع الحق والصبر عليه، وبذله إذا سُئل وأخذه إذا بُذل.

ومنها: قسمة الأنوار في الظلمة دون الجسر، فإن العبد يُعطى من النور هناك بحسب قوة إيمانه ويقينه، وإخلاصه ومتابعته للرسول صلى الله عليه وسلم في دار الدنيا.

فمنهم: من يكون نوره كالشمس، ودون ذلك كالقمر، ودونه كأشد كوكب في السماء إضاءة، 

ومنهم من يكون نوره كالسراج في قوته وضَعفه، وما بين ذلك.

ومنهم: من يُعطى نورًا على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ أُخرى، بحسب ما كان معه من نور الإيمان في دار الدنيا، فهذا هو النور بعينه أبرزه الله لعبده في الآخرة ظاهرًا يُرى عيانًا بالأبصار، ولا يستضيء به غيره، ولا يمشي أحد إلا في نور نفسه، إن كان له نور مشى في نوره، وإن لم يكن له نور أصلًا لم ينفعه نور غيره.

ومنها: أن مشيهم على الصراط في السرعة والبطء بحسب سرعة سيرهم وبطئه على صراط الله المستقيم في الدنيا، فأسرعهم سيرًا هنا أسرعهم هناك، وأبطؤهم هنا أبطؤهم هناك.

وأشدهم ثباتًا على الصراط المستقيم هنا أثبتهم هناك، ومن خطفته كلاليب الشهوات والشبهات والبدع المضلة هنا، خطفته الكلاليب التي كأنها شوك السعدان هناك، ويكون تأثير الكلاليب فيه هناك على حسب تأثير كلاليب الشهوات والشبهات والبدع فيه ها هنا، فناجٍ مسلَّمٌ، ومخدوشٌ مُسلَّمٌ، ومخزول؛ أي: مقطع بالكلاليب مكردس في النار كما أثرت فيهم تلك الكلاليب في الدنيا، جزاءً وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد.

[الرسالة التبوكية]

  • الهجرة إلى الله ورسوله:

الهجرة إلى الله ورسوله فرض عين على كل أحد في كل وقت، ولا انفكاك لأحد من وجوبها، وهي مطلوب الله ومراده من العباد؛ إذ الهجرة هجرتان:

هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، وهذه أحكامها معلومة، وليس المراد الكلام فيها.

والهجرة الثانية: هجرة بالقلب إلى الله ورسوله، وهذه هي المقصودة هنا، وهذه هي الهجرة الحقيقية، وهي الأصل، وهجرة الجسد تابعة لها، وهي هجرة تتضمن (من) و(إلى)، فيهاجر بقلبه من محبة غير الله إلى محبته، ومن عبودية غيره إلى عبوديته، ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه، ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذُّلِّ له والاستكانة له إلى دعاء ربه وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له.

وهذا هو بعينه معنى الفرار إليه؛ قال تعالى: {﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾ } [الذاريات: 50]، فالتوحيد المطلوب من العبد هو الفرار من الله إليه.

وهذه الهجرة تقوى وتضعف بحسب قوة داعي المحبة وضعفه، فكلما كان داعي المحبة في قلب العبد أقوى، كانت هذه الهجرة أقوى وأتم وأكمل، وإذا ضعف الداعي ضعفت الهجرة، حتى إنه لا يكاد يشعر بها علمًا، ولا يتحرك بها إرادة.

وعن هاتين الهجرتين يُسأل كلُّ عبد يوم القيامة وفي البرزخ، ويُطالب بهما في الدنيا، فهو مطالب بهما في الدور الثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار.

                             [كتاب: الروح]

  • اليقظة من سنة الغفلة أولُ مفاتيح الخير:

اليقظة أولُ مفاتيح الخير, فإن الغافل عن الاستعداد للقاء ربه والتزود لمعاده بمنزلة النائم, بل أسوأُ حالاً منه فإن الغافل يعلم وعد الله ووعيده وما تتقاضاه أوامر الرب تعالى ونواهيه وأحكامه من الحقوق, ولكن يحجبه عن حقيقة الإدراك ويُقعده...سنةُ القلب وهي غفلته التي رقد فيها فطال رقوده وركد وأخلد إلى نوازع الشهوات. فاشتدَّ إخلاده وركوده وانغمس في غمار الشهوات واستولت عليه العادات ومخالطة أهل البطالات...فهو في رقاده مع النائمين, وفي سكرته مع المخمورين. فمتى انكشفت عن قلبه سنة هذه الغفلة بزجرةٍ من زواجر الحق في قلبه, استجاب فيها لواعظ الله في قلب عبده المؤمن, أو هِمَّة عليَّةٍ أثارها معمول الفكر في المحل القابل, فضرب بمعمول فكره, وكبَّر تكبيرة أضاءت له منها قصورُ الجنة.

فأنارت له تلك الفكرة نوراً رأى في ضوئه ما خُلِق له وما سيلقاه بين يديه من حين الموت إلى دخول دار القرار ورأى سرعة انقضاء الدنيا, وعدم وفائها لبنيها, وقتلها لعُشَّاقها وفعلها بهم أنواع المثلات فنهض في ذلك الضوء على ساق عزمه قائلاً {﴿يا حَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ﴾} [الزمر:56] فاستقبل بقية عمره التي لا قيمة لها مستدركاً ما فات, محيياً ما أمات, مستقيلاً بها ما تقدم له من العثرات, منتهزاً فرصةَ الإمكان التي إن فاتت فته جميع الخيرات.ثم يلحظ في نور تلك اليقظة نعمة ربه عليه من حين استقر في الرحم إلى وقته وهو يتقلب فيها ظاهراً وباطناً ليلاً ونهاراً يقظةً ومناماً سراً وعلانيةً فلو اجتهد على إحصاء أنواعها لما قدر ويكفى أن أدناها نعمة النفس ولله عليه في كل يوم أربعة وعشرون ألف نعمة فما ظنُّك بغيرها

ثم يرى في ضوء ذلك النور أنه آيس من حصرها وإحصائها, عاجز عن أداء حقِّها, وأن المنعم بها إن طالبه بحقوقها استوعب جميع أعماله حقَّ نعمةٍ واحدة منها, فيتيقن حينئذ أنه لا مطمع له في النجاة إلا بعفو الله ورحمته وفضله.

ثم يرى في ضوء تلك اليقظة أنه لو عمل أعمال الثقلين من البرِّ لاحتقرها إلى جنب عظمة الرب تعالى وما يستحقه بجلال وجهه وعظيم سلطانه. هذا لو كانت أعمالُه منه, فكيف وهي مجرد فضل الله ومنته وإحسانه, حيث يسرها له, وأعانه عليها.

ثم تبرقُ له في نور تلك اليقظة بارقة أخرى, يرى في ضوئها عيوب نفسه وآفات عمله, وما تقدم له من الجنايات والإساءات وهتك الحرمات, والتقاعد عن كثير من الحقوق والواجبات.فإذا انضم ذلك إلى شهود نعم الله عليه وأياديه لديه رأى أن حقَّ المنعم عليه في نعمه وأوامره لم يُبقِ له حسنة واحدةً يرفع بها رأسه. فتطامن قلبه, وانكسرت نفسه, وخشعت جوارحه, وسار إلى الله ناكس الرأس بين مشاهدة نعمه, ومطالعة جناياته وعيوب نفسه وآفات عمله.

ثم تبرق له بارقة أخرى, يرى في ضوئها عزة وقته, وخطره وشرفه, وأنه رأس مال سعادته, فيبخل به أن يضيعه فيما لا يقربه إلى ربه, فإن في إضاعته الخسران والحسرة والندامة, وفي حفظه وعمارته الربح والسعادة, فيشحُّ بأنفاسه أن يضيعها فيما لا ينفعه يوم معاده.

ثم يلحظ في ضوء تلك البارقة ما تقتضيه يقظته من سنةِ غفلته: من التوبة والمحاسبة والمراقبة, والغيرة لربه أن يؤثر عليه غيره, وعلى حظه من رضاه وقربه وكرامته أن يبيعه بثمن بخس في دار سريعة الزوال, وعلى نفسه أن يُملك رقَّها لمعشوق لو فكر في منتهى حسنه ورأى أخره بعين بصيرته لأنِفَ لها من محبته.

                   [طريق الهجرتين وباب السعادتين]

  • من عرف طريقًا موصلة إلى الله ثم تركها:

من...عرف طريقاً موصلة إلى الله, ثم تركها, وأقبل على إرادته وراحاته وشهواته ولذاته, وقع في آبار المعاطب, وأودع قلبه سجون المضايق, وعُذب في حياته عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين, فحياته عجز وغم وحزن, وموته كمد وحسرة, ومعاده أسف وندامة, قد فرط عليه أمره, وشُتِّت عليه شمله, وأحضرت نفسه الغموم والأحزان, فلا لذة الجاهلين, ولا راحة العارفين, يستغيث فلا يُغاث, ويشتكي فلا يُشكى, قد ترحلت أفراحه وسروره مدبرةً, وأقبلت آلامه وأحزانه وحسراته مقبلة, قد أبدل بأنسه وحشةً, وبعزه ذلاً, وبغناه فقراً, وبجمعيته تشتتاً.

ذلك بأنه عرف طريقه إلى الله, ثم تركها ناكباً عنها مكباً على وجهه, فأبصر ثم عمى, وعرف ثم أنكر, وأقبل ثم أدبر, ودُعي فما أجاب, وفُتح له فولى ظهره الباب قد ترك طريق مولاه, وأقبل بكليته على هواه.

فلو نال بعض حظوظه, وتلذذ براحاته وشهواته, فهو مقيد القلب عن انطلاقه في فسيح التوحيد, وميادين الأُنس, ورياض المحبة, وموائد القرب.

قد انحط بسبب إعراضه عن إلهه الحق إلى أسفل سافلين...قبر يمشي على وجه الأرض, فروحه في وحشةٍ في جسمه, وقلبه في ملالٍ من حياته, يتمنى الموت ويشتهيه, ولو كان فيه ما فيه, حتى إذا جاء الموت على تلك الحال – والعياذ بالله – فلا تسأل عما يحل به من العذاب الأليم بسبب وقوع الحجاب بينه وبين مولاه الحق, وإحراقه بنار البعد عن قربه والإعراض عنه, وقد حيل بينه وبين سعادته وأمنيته.

فمن أعرض عن الله بالكلية أعرض الله عنه بالكلية, ومن أعرض الله عنه لزمه الشقاء والبؤس والبخس في أحواله وأعماله, وقارنه سوء الحال وفساده في دينه ومآله, فإن الرب تعالى إذا أعرض عن جهة دارت بها النحوس, وأظلمت أرجاؤها, وانكشفت أنوارها, وظهر عليها وحشة الإعراض, وصارت مأوى للشياطين, وهدفاً للشرور, ومصباً للبلاء.

فالمحروم كل المحروم من عرف طريقاً إليه, ثم أعرض عنها, أو وجد بارقة من حبه ثم سُلِبها, لم ينفذ إلى ربه منها

قد مضت عليه برهة من أوقاته, وكان همه الله, وبغيته قربه ورضاه وإيثاره على كل ما سواه, على ذك يصبح ويمسي, ويظل وبضحى, وكان الله في تلك الحال وليه, لأنه ولي من تولاه, وحبيب من أحبه ووالاه, فأصبح في سجن الهوى ثاوياً, وفي أسر العدو مقيماً, وفي بئر المعصية ساقطاً, وفي أودية الحيرة والتفرقة هائماً, معرضاً عن المطالب  العالية إلى الأغراض الخسيسة الفانية.             

                                  [الفوائد]

  • من أعجب الأشياء:

من أعجب الأشياء: أن تعرفه ثم لا تحبه, وأن تسمع داعية ثم تتأخر عن الإجابة, وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره, وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له, وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته, وأن تذوق عُصرة القلب عند الخوض في غير حديثه والحديث عنه ثم لا تشتاق إلى انشراح الصدر بذكره ومناجاته, وأن تذوق العذاب عند تعلق القلب بغيره ولا تهرب منه إلى نعيم الإقبال عليه والإنابة إليه!! وأعجب من هذا علمك أنك لا بد لك منه وأنك أحوج شيءٍ إليه وأنت عنه معرض وفيما يبعد عنه راغب.

                           [مفتاح دار السعادة]

  • من لم يلن لكلام الله وزواجره ومواعظه فإن أمامه المُلين الأعظم:

فيا عجبا من مضغة لحم أقسى من هذه الجبال ! تسمع آيات الله تتلى عليها, ويُذكرُ الرب تبارك وتعالى, فلا تلينُ ولا تخشع ولا تُنيب فليس بمُستنكر لله عز وجل ولا يخالف حكمته أن يخلق لها ناراً تُذيبها إذا لم تلِن لكلامه وذكر زواجره ومواعظه.

فمن لم يلِن لله في هذه الدنيا قلبه, ولم ينب إليه, ولم يُذبه بحبه والبكاء من خشيته, فليتمتع قليلاً فإن أمامه المُلين الأعظم, وسيُردُ إلى عالم الغيب والشهادة فيرى ويعلم

فائدة: يقول العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه "  الفوائد" :القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجع فيه المواعظ.

             كتبه/ فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ