بين السوق والمنبر

منذ يوم

بين وضع الناس في السوق البارحة، وجلوسهم أمام تالي خطبة الجمعة الموحدة اليوم...!!!

بين تواجدي في السوق بالأمس، وجلوسي بين يدي تالي الخطبة اليوم، تمتد فجوة موجعة، لا تكاد تخفى على عين متأملة، ولا على قلب لا يزال فيه بقية إحساس.
لقد كنت واقفا أمام دكان بائع الخضر، أرقب وجوه الناس، من أولئك البسطاء الضعفاء الذين لا يملكون من أمرهم إلا السعي بين أثمان المضاربين صعودًا في غير هبوط، وكلنا ذلك الإنسان تحت رحمة الله، نلوذ بحوله وقوته... غير أن المشهد كان أثقل من أن يُحتمل، من تشخيص مواطن بسيط يساوم، ثم يتأفف، ثم ما يطفق أن ينصرف، كأنما يُدفع دفعا إلى الفرار، يمر من بائع إلى آخر، يكرر المحاولة ذاتها، ويعود بخفيّ حنين، كأن السوق قد أُغلقت أبوابها في وجهه دون أمل في أن تفتح.
مأساة تتكرر، على نحو يكاد يصير عادة يومية في ظل حكومة "بني فرقش" يخرج المرء بقفته من بيته متوجسا خيفة من غول الأسعار، ثم ما يفتأ أن يعود بعد هنيهة بها خاوية على عروشها، يتمتم بالحوقلة، ويسترجع في صمت موجع، لقد جاوزت الأسعار حدّها، فتخطّت القدرة الشرائية لمن لا يملكون قوت يومهم، حتى صار التسوق أشبه بجولة في ساحة اختبار لا في سوق للمعاش.
ثم جاء اليوم… فجلست أستمع إلى الخطبة الموحدة، وهي تُتلى بعبارات منغومة، تُدين المبذرين، وتصفهم بأنهم إخوان الشياطين كما جاء في صحيح الوحي ولا اعتراض أبدا، وإنما ملمح الاستدراك على المناسبة والسياق...
عندها تسللت إليّ تلك الحيرة الثقيلة: إن كان هذا وصف الوحي للمسرفين، فأين يُوضع أولئك الذين يعبثون بأقوات الناس؟!! أولئك الذين يضاربون في الأسعار، ويقتاتون على ضيق الفقراء، ويتسللون لواذا إلى جيوبهم باسم السوق الحر والتجارة الفاجرة العداوة؟!! بأي وصف يُنعتون، وتحت أي كفة ميزان يوزنون؟
 ثم ما ألبث متسائلا في حيرة وسدارة: عن أيّهما أولى بالإنكار العاجل غير الفاجر في الخصومة: فقير قد يخطئ في تدبير ما لا يملك أصلا، أم من يتلاعبون بما يملكه الناس جميعا؟ وعن أيّهما أحق بأن يُسلّط عليه ضوء الخطاب: من يعاني في هامش العيش، أم من يُوسّع هذا الهامش حتى يبتلعوا غيرهم وينطوي في جوف جشعهم آمال الشعب قاطبة؟
ولذلك ليست القضية ولم تكن في ذم التبذير، فهذا مبدأ مستقيم لا مراء فيه ولا اعتراض عليه، ولكن التلبيس والاحتيال في تنزيل الخطاب على واقع مختلّ، يهلك في مناخه الموبوء الفقير الضعيف قبل أن يُساءل القوي المغتصب، ويُعاتب ويلام ويجلد بسوط الوعظ والخطابة المحتاج صاحب الفاقة والعوز الاجتماعي قبل أن يوقف ويحاسب ويؤدب العابث.
إنها لمفارقة مؤلمة، تجعل المرء يتساءل لا عن صدق النصوص، ولكن عن مواضع توجيهها، وعن عدل توزيع خطابها!!! 
إن بين السوق والمنبر، سيظل السؤال معلقا في أنين حالم: متى يستقيم الميزان، فيُخاطب ويحاسب كل بقدر أثره، كما يلام ويعاتب ويُحاسب كل بقدر ما في يده؟
إنها – والله – لحال تنذر بما لا يُحمد عقباه، إن لم يُتدارك الأمر ببصيرة عادلة، ويد من بأس شديد تنصف الضعيف، وتأخذ على كف المتلاعب، فتعيد للخطاب روح نصوصه التي جاءت لإقامة العدل لا لإثقال كاهل المثقلين، تعالى إسلامنا العظيم عن الظلم أو قبول الظلم أو التستر على معشر الظالمين تحت ظلال نصوصه الوارفة الظل والرحمة... 
نسأل الله السلامة، والعفو، والعافية.

محمد بوقنطار

محمد بوقنطار من مواليد مدينة سلا سنة 1971 خريج كلية الحقوق للموسم الدراسي 96 ـ97 الآن مشرف على قسم اللغة العربية بمجموعة مدارس خصوصية تسمى الأقصى.