أحسن الأداء ودع النتائج لله

منذ 15 ساعة

القرآن الكريم يُصحِّح هذه الزاوية، عندما يُبيِّن أن غاية الابتلاء في الحياة ليست النتائج الظاهرة، وإنما كيفية الأداء؛ يقول الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}

كثيرٌ من الناس يعيشون حالةَ حيرةٍ داخلية؛ يعبدون الله، ويجتهدون في الطاعات، ويعملون في حياتهم لسنواتٍ طويلة، ثم يتساءلون بمرارة: أين الأثر؟ أين النتائج؟ لماذا لا نرى تغييرًا في قلوبنا، أو في أحوالنا، أو في واقعنا؟ هذا السؤال يتكرر في العبادات، كما يتكرر في التجارة، وفي طلب العلم، وحتى في التمارين الرياضية؛ غير أن المشكلة في الغالب لا تكون في أصل العمل، بل في زاوية النظر إليه.

 

القرآن الكريم يُصحِّح هذه الزاوية، عندما يُبيِّن أن غاية الابتلاء في الحياة ليست النتائج الظاهرة، وإنما كيفية الأداء؛ يقول الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2]. فالميزان الإلهي لا يقيس كثرة العمل ولا سرعة الثمرة، وإنما يقيس الإحسان في العمل: صدق النية، وصحة طريقة الأداء، وحضور القلب، والاستمرار دون مَلَل أو استعجال.

 

وعند التأمل في الأوامر الشرعية، نجد أن الله تعالى لم يكلِّف عباده بالنتائج أصلًا، بل كلَّفهم بالأداء، يقول سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].

 

فالأمر هنا بالعبادة، وبالإخلاص، وبإقامة الصلاة، وبإيتاء الزكاة، ولم يأتِ أمرٌ واحد يطالب العبد بأن يضمن أثر العبادة أو نتيجتها؛ لأن النتائج ليست في يد الإنسان، وإنما هي في يد الله.

 

ومن هنا يتضح أن التركيز على الكيفية والنية والإحسان في الأداء هو جوهر الدين، في حين أن الانشغال المفرط بالنتائج قد يكون سببًا في ضياع الإخلاص وضعف الاستمرار، فالذي يراقب النتائج باستمرار قد يصاب بالإحباط، وقد يشعر بأن عبادته بلا قيمة، وقد يتوقف عن العمل قبل أوانه، ناسيًا أن الله لا يحاسب العبد على ما ليس في قدرته.

 

أما النتائج، فإنها مضمونة بوعد الله، لكنها تأتي في وقتها وبصورتها التي يختارها سبحانه، يقول الله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 272]، ويقول ويطمئن القلوب بقوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7]، ويؤكد القاعدة العامة: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30]، فالخير لا يضيع، ولكن قد يُؤخَّر، وقد يُصرَف في صورة أخرى أصلح للعبد.

 

وعلى العكس، فإن التركيز على النتيجة وحدها قد يفسد العمل نفسه، فالمصلِّي الذي لا يُركِّز على حسن أداء الصلاة يراقب: "ماذا تغيَّر في حياتي؟" قد يغفل عن أخطائه في الخشوع، أو عن ضعف حضوره القلبي، أو عن خلل في إخلاصه؛ ولهذا حَذَّر القرآن من صلاةٍ بلا إحسان، فقال: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} [الماعون: 4 - 6]، فالمشكلة ليست في الصلاة ذاتها، بل في طريقة أدائها.

 

ويمكن تقريب المعنى بمثالٍ بسيط من حياتنا اليومية: من يذهب إلى المعهد الصحي أو النادي الرياضي بانتظام، ثم يفحص جسده كل يوم بحثًا عن نتيجة سريعة، سيُصاب بالإحباط، أما مَنْ يُركِّز على أداء التمارين بشكل صحيح، والالتزام، والصبر، فإن النتيجة تأتي تلقائيًّا مع الوقت، وكذلك العبادة والعمل في ميزان الله.

 

وخلاصة الأمر أن الطريق الأصدق للطُّمَأْنينة والقبول هو أن ينشغل العبد بما كُلِّف به، ويترك ما لم يُكلَّف به، يُحسِن الأداء، ويُخلِص النيَّة، ويُتقِن العمل، ثم يَكِل النتائج إلى الله، فمن فعل ذلك عاش مطمئنًّا، واستمر ثابتًا، وكان على يقين بأن الله لا يضيِّع جهدًا، ولا يُخيِّب عبدًا أحسن العمل وتوكَّل عليه.

________________________________
الكاتب: د. ألف شكور
المصدر: الألوكة