بين الأمانة والتوعير

منذ 9 ساعات

لفت نظري مرةً أن بعض من يتكلمون عن طلب العلم يبدؤون حديثهم بتعداد ما فيه من مشقة، كأنهم يضعون حارساً على الباب قبل أن يُفتح.

لفت نظري مرةً أن بعض من يتكلمون عن طلب العلم يبدؤون حديثهم بتعداد ما فيه من مشقة، كأنهم يضعون حارساً على الباب قبل أن يُفتح. وحين يُسألون يقولون: نحن نصدق مع الناس ولا نُجمّل. والحق أن ثمة فرقاً دقيقاً يستحق الوقوف عنده: بين أن تصدق في وصف الطريق، وبين أن تُحوّل هذا الصدق إلى أداة تثبيط. الأول أمانة، والثاني توعير مُلبَّس.

والمشكلة أن كثيراً مما يُقال تحت راية “الواقعية” هو في جوهره تضخيم للعقبة حتى تبدو الغاية بعيدة لا تُنال. وقد فطن العلماء إلى هذا؛ فالوعظ في أصله لم يُشرع ليُثقّل، بل ليُحيي.

وقد أشار ابن الوزير اليماني -رحمه الله- في الروض الباسم إلى هذا المعنى بدقة، فذكر أن "التعرُّضُ لذكر المشاقّ التي في طلب العلم والحج والجهاد وسائر أعمال البر على سبيل التوعير لمسالكها، والإحالة لبلوغ مراتبها، عكسُ ما جاءت به الشرائع ودعت إليه الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وكان عليه الأئمة والعلماء والوعاظ ..

وإنما السنّة تيسير الأمور على مَن عسرت عليه، وتذكير القلوب الغافلة، وتنشيط النفوس الفاترة، ولهذا شُرِعت الخطب، وصنف الوعاظُ كتبَ الوعظ، ودوّن الحفّاظ أحاديث الرقائق، لتسهيل ما يصعب على النفوس، وتقريب ما تباعد على أهل القصور."

________________
ابن الوزير اليماني (ت ٨٤٠هـ)، الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم ﷺ (١: ٨٢-٨٣).

________________________________
الكاتب: علي آل حوّاء