إدراك قيمة الوالدين قبل رحيلهما
والله إن الحياة بعد الوالدين ليست كالحياة بوجودهما؛ كل شيء سيتغير؛ ستكبر سنوات فجأة؛ سيتغير طعم كل شيء، حتى الهواء الذي تستنشقه سيتغير
رجل كبير؛ رزقه الله مالًا وأولادًا، يفوق عدد أولاده وأحفاده وأولادهم المئة والخمسين وأكثر؛ زرته قبل أسابيع، ووجدته وحده هو وزوجه، وجلست معه قليلًا، ثم ذهبت.
زرت بعده رجلًا آخر في القرية نفسها، وقلت له: أتيت الآن من فلان؛ فبادرني بقول: فلان دائما أزوره وأجده وحده مع كثرة أولاده!
تعجبت من كلامه؛ ووقر في نفسي: أن العبرة ليست بكثرة الولد؛ بل ببركتهم؛ فقد يُرزق الوالدان ولدًا واحدًا ويملأ أوقاتهما، ويسعدهما، ويغنيهما عن كل شيء..
مرّ ابني في المستشفى فإذا برجل كبير يطلب منه المساعدة؛ فأخذه معه؛ ولمّا حدثني؛ تأملت في حاله: عنده عشرة أولاد كلهم سافر وتركه وحيدًا، هو وزوجه؛ بعضهم مضطرٌ وبعضهم يريد الدنيا؛ وكان بإمكانه أن يكون قريبًا منهما، يبرهما، وستأتيه الدنيا راغمة..
كثير ينسون والديهم جريًا خلف الدنيا؛ ويظنون أن الدنيا ستدوم، وأن الحال سيبقى؛ حتى يأتيهم اتصال يخبرهم بالرحيل..
كنت أقول لها: زوري أمك، سافري لأمك؛ فتؤجل، وتعتذر، فأتاه اتصال لا يُنسى: أمك ماتت..
فبكت بكاء مرًا؛ وقالت: أريد الذهاب إليها؛ فقلت: فات الأوان؛ فلن تضمك كما كانت، ولن تهش وتبش، وترحب، وتستنشق رقبتك كما تفعل الأمهات مع البنات؛ والآن أنت في مرحلة: بر ما بعد الموت.
يقول لي: بعدما خرجت من المستشفى ذهبت لقبر أمي، وأخبرتها: أني طيب وبخير.
لا يغرك الشيطان بأن الوالدين يكفيهما أن ترسل آخر الشهر: مبلغًا من المال، وتتصل بهما عن بعد؛ وتقول: كيف الحال؟!
اقترب منهما، اقترب، اقترب أكثر، فثمّ الجنة..
وإن كنت مضطرًا للبعد، فزرهما باستمرار، ولا تنقطع وقتا طويلًا، وكلما زرتهما عوّض أيام البعد؛ كي يقل ندمك بعد الفراق..
والله إن الحياة بعد الوالدين ليست كالحياة بوجودهما؛ كل شيء سيتغير؛ ستكبر سنوات فجأة؛ سيتغير طعم كل شيء، حتى الهواء الذي تستنشقه سيتغير...
سيُغلق باب من أبواب الجنة؛ كان سهلًا قريبا منك، قال ﷺ «رَغِمَ أنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ» ، قيلَ: مَنْ؟ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: « مَن أدْرَكَ أبَوَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ -أحَدَهُما أوْ كِلَيْهِما- فَلَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ».
________________________________________
الكاتب: أ. د. مرضي بن مشوح العنزي
- التصنيف: