التأمين والديّات وما يتعلق بذلك

منذ 2007-01-30
السؤال: هذا السؤال عما يتعلق بحوادث السير والضمان الذي فيها، وما يتعلق بالديات وإسقاطها في هذا الباب؟
الإجابة: إن السيارة عجماء جماد، وكل تصرف نشأ عن حركتها فهو على سائقها، فما كان منه عمداً خوطب فيه بالعمد، وما كان منه خطأ خوطب فيه بخطاب الخطأ، فالعمد يتحمل السائق المسؤولية فيه وحده، والخطأ تتحمل العاقلة فيه المسؤولية والسائق واحد منها، ولا عبرة بالمالك، فالسائق سواءً كان مالكاً أو غير مالك هو المسئول، لأن حركة هذا الجماد ما حصلت إلا بتصرفه هو.

فإن حصل اصطدام بين سيارتين فكانت إحداهما على خطها الذي ينبغي أن تسلكه، وكانت الأخرى قد غايرت فخالفت السير فتلك هي المعتدية، التي خالفت السير هي المعتدية، وهذا المنصوص عليه في الفقه في السفينة المصعدة والهابطة، أن المصعدة هي التي تتحمل المسؤولية، قد نص مالك على ذلك في المدونة ونص عليه أحمد في عدد من الروايات عنه، فالسفينة المصعدة هي التي يتحكم صاحبها لأنها القادمة من أعلى، بخلاف الصاعدة فصاحبها غير متحكم، فلذلك إذا خالفت السير فسارت في مسارٍ غير مسارها فهي ظالمة، فصاحبها سائقها هو المسئول وحده، وإذا حصل خطأ مشترك من السائقين فكلٌ على حسب خطئه، وينبغي أن يقوم ذلك أهل الخبرة والمعرفة، فهذا أخطأ بنسبة عشرين بالمائة وهذا أخطأ بنسبة ثمانين بالمائة، فيكون الضمان والجناية على قدر ذلك.

أما ما يتعلق بالدية: فدية الخطأ على العاقلة إن كان للرجل الجاني عاقلة، كالسائق مثلاً إذا كان له عاقلة فكان من قبيلة معروفة فيها قرابة الألف من الرجال فيلزم شرعاً أن يتكافؤوا فيما بينهم وأن يقدموا الدية منجمة على ثلاث سنين تحل بأواخرها وهي دية الخطأ مخمَّسة، وجمعها ليس حقاً واجباً على القبيلة بل هو لأولياء الدم، فما في جمعها من التكاليف عليهم هم وليس على العاقلة، وإن كان السائق ليس له قبيلة ولا عاقلة فالدية على أهل الديوان، فإن كان مثلاً السائق من سائقي السيارات الكبيرة فهم جميعاً يدي بعضهم عن بعض، أو كان من الشرطة فالشرطة جميعاً يدي بعضهم عن بعض، أو من المعلمين فيدي بعضهم عن بعض، أو من الإداريين فيدي بعضهم عن بعض، وهكذا فالدواوين يدي بعضها عن بعض، فكل ديوان، ديوان عمل موحد كالأطباء والمهندسين ونحو ذلك فيدي بعضهم عن بعض ويتحمل الديوان كله، المسجلون في هذا الديوان جميعاً يتحملون أقساطاً بحسب ذلك، وهذه الدية إذا جرت عادة قبيلة من القبائل على إسقاطها أن لا تأخذ الدية من قبائل أخرى أو من جيرانها أو أن لا تأخذها أصلاً من أحد تكرماً وتعففاً، فإن كان ورثة الميت من البالغين جميعاً فقد أسقطوا حقهم كسائر قبيلتهم وهذا أمر محمود شرعاً لأنه مجرد إسقاط حق، وإن كان فيهم أصبياء يتامى فلا يحل إسقاط حقهم، بل لابد من أن تجمع لهم القبيلة مالاً مقابل حقهم، فالدية ميراث عن هذا الميت، فما كان من ورثته من البالغين فقد أسقطوا حقهم، وما كان في ورثته من الأصبياء الذين هم يتامى فلابد أن يُعطوا حقهم، وهذا الحق يمكن الصلح عنه، فهو كما ذكرنا منجم على ثلاث سنوات يحل بأواخرها، فإذا كان معجلا فسيكون أقل طبعاً من المؤجل، وإذا كان مجموعاً لهم لا يتكلفون شيئاً في جمعه فسيكون أيضاً أقل مما لو تولوا هم الجمع، فلذلك يمكن أن يعطوا ويصالحوا على أقل من نصيبهم من الدية.

بالنسبة للتقويم الذي يوجد لدى المحاكم وهو تقويم قديم كان قديماً بتسعمائة ألف أوقية أيام كانت الأوقية ذات ثمن، ثم زيد فيه إلى مليون ومائتي ألف، وهو الحال الآن الذي يحكم به عند المحاكم وهو تقويم قديم جداً للإبل وتغير السعر به تماماً، ولم يعد منظوراً إليه، فبلادنا هذه العبرة فيها بأثمان الإبل: فالدية فيها مائة بعير مخمسة على الأسنان على أسنان الإبل، وقيمة الإبل من المعلوم أنها ارتفعت كثيراً، وأن قيمة الأوقية انخفضت كثيراً، فلذلك لابد لمن أراد حكم الشرع في هذا أن ينظر إلى قيمة الإبل وأن لا ينظر إلى مجرد تقويمٍ قديمٍ لدى المحاكم فهذا لا اعتبار له.

وما يتعلق بالتأمين على السيارات والتصرفات: فالتأمين عقد فاسد مطلقاً لما فيه من تحميل الغير المسؤولية، ومن أقدس المبادئ بل أقدس المبادئ القانونية وأقدمها شخصية الجريمة لقول الله تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى}، وقد جاء في القرآن في أربعة مواضع أن لا تزر وازرة وزر أخرى، والنبي صلى الله عليه وسلم بين كذلك أن الإنسان هو المسئول عن تصرفه في عدد من الأحاديث الكثيرة، وقد جاء بيانه أيضاً في سورة يوسف في قول الله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: {مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظَالِمُونَ}، فتحميل الغير ما لم يتحمله هو من الظلم البين: {إِنَّا إِذاً لَظَالِمُونَ}، فلذلك عقد التأمين عقد فاسد ولا يلزم به شيء، وإنما يفعله المسلمون اليوم إكراهاً وإجباراً فقط، فيدفعون هذه النقود إكراهاً فقط أنهم مكرهون على دفعها، لكن لا يترتب عليه أية تبعة، وإن أخذ منه مال في مقابل الجناية يمكن أن يسقط مقابله من الدية عن العاقلة فقط، فالعاقلة بما أنها مؤسسة اجتماعية ومسؤوليتها مشتركة يمكن أن يخفف عنها من الدية في مقابل ما أخذ من التأمين فقط نعم.

فالجريمة شخصية لا يمكن أن تتعدى للغير، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر، والتأمين هو من عقود الغرر، لأن الإنسان قد لا يصيب شيئاً أصلاً، فيدفع مالاً في غير مقابل، وقد يشجعه أيضاً التأمين على تجاوز السرعة أو حتى عدم الاحتياط في الأمور.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ الددو على شبكة الإنترنت.

محمد الحسن الددو الشنقيطي

أحد الوجوه البارزة للتيار الإسلامي وأحد أبرز العلماء الشبان في موريتانيا و مدير المركز العلمي في نواكشوط.