المسائل التي يحتج بها مخرجي زكاة الفطر نقودا

منذ 2013-05-28
السؤال:

مما أعلمه عن مشايخنا الأفاضل الألباني والشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين رحمهم الله أنه لا تجوز إخراج زكاة الفطر نقوداً ومن أخرجها نقوداً فلا تجزئه. وقد ألقى إمام مسجدنا درساً يبين فيه جواز إخراج زكاة الفطر نقوداً وأن ذلك هو الأفضل لها، فكان مما قاله:
1. قد أخطأ من قال أن الحنفية فقط هم من انفردوا بإخراج زكاة الفطر نقوداً وللأمانة العلمية فلا بد من أن نقول: أن للإمام أحمد قولان أحدهما يجزئ والآخر لا يجزئ والراجح من مذهبه أنها لا تجزئ، وكذلك للإمام مالك قولان والراجح في مذهبه أنها تجزئ، والشافعية قولاً واحداً على أنها لا تجزئ، والأحناف عكسهم. إذا فقول ونصف على أنها تجزئ وقول ونصف على أنها لا تجزئ.
2. قال ابن حجر في الفتح: وعلى غير عادة البخاري في مخالفته للأحناف أن اتفق معهم في إخراج صدقة الفطر نقوداً وفي جواز إخراج العوض في الزكاة وبوب البخاري باباً سماه (باب العوض). ومن الأحاديث التي استدل بها هذا الشيخ على قوله: حديث معاذ بن جبل حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ليأخذ منهم زكاة الحبوب والثمار (الزروع) فقال لهم: ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة. وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. إن جاز تغير النوع في زكاة المال (الأعلى) جاز للأدنى وهي زكاة الفطر. ومعاذ بن جبل قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: أعلمهم بالحلال والحرام معاذ. وحديث جابر حين بعثه على الصدقة فأراد أن يأخذ من رجل بنت مخاض فقال له الرجل بنت مخاض صغيرة خذ مكانها بنت لبون فقال له جابر: لا، فاحتكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي لجابر: خذها منه إن رضي بها نفسه. أو كما قال صلى الله عليه وسلم فدل على جواز تغير النوع. وذكر ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي إسحاق السبيعي -وهو أصدق أهل زمانه- أنه قال: أدركتهم -أي الصحابة- وهم يعطون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام. وذكر ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى ولاته في الأمصار أن صدقة الفطر نصف صاع على كل إنسان أو القيمة نصف درهم. وكان في عصر عمر بن عبد العزيز ثلاثة آلاف صحابي ولم ينكر عليه أحد، وسكوت الصحابة إقرار منهم على ذلك. وروي عن الحسن قوله: لا بأس أن تعطى الدراهم في صدقة الفطر. وكتب أبو بكر الصديق لأبي سعيد الخدري: أن من كانت زكاته بنت مخاض ولم يكن عنده إلا بنت لبون خذها منه وأعطه الفرق (عشرين درهماً وشاة). وفي هذا جواز إعطاء القيمة. وهناك باب كامل في مصنف ابن أبي شيبة في (جواز إخراج زكاة الفطر دراهم) فمن أراد الاستزادة فعليه بالرجوع إليه.
3. ورد عن عثمان وعلي ومعاوية والحسن وابن عباس أنهم أجازوا إخراج نصف مد من قمح الشام بدلاً من مد القمح المدني. (وهؤلاء قد غيروا نص الحديث).
4. قال محمد بن الحسن الشيباني رداً على الشافعية: إن التزمنا بالنص كما تريدون فلا يجوز أن تخرج الزكاة غير هذه الأصناف الخمسة سواء أرز أو من قوت أهل البلد، ولا بد أن تكون بالصاع النبوي ونحن قوم ليس عندهم صاع نبوي فماذا نفعل؟ فرد الشافعية: اشتروه من عندنا، فرد الشيباني: وإن كان بيننا وبينكم حرب ماذا نفعل؟ فسكت الشافعية ولم يجيبوا. وإذا فتحنا باب القياس والاجتهاد بإخراجها من غالب قوت أهل البلد فلا بد أن نسمح للأحناف القياس وهو إخراجها نقوداً.
5. أجمع أهل العلم على أن المراد (بالطعام) المذكور بالحديث هو (القمح).
6. أورد الإمام مالك بسند صحيح: ""، والفقراء يحتاجون في هذا اليوم للمال ولا يطلبون الطعام.
7. من قال بإخراجها نقوداً: أبو حنيفة والبخاري والراجح من مذهب مالك والثوري والحسن البصري وغيرهم. فأرجو الرد من فضيلتكم وتوضيح الحق والصواب.

الإجابة:

أولاً: هذا الكلام يَفتَقِر إلى التأصيل العلمي، وكان الإمام أحمد رحمه الله يقول: أكثر ما يُخطئ الناس في التأويل والقياس. وها هنا قياس مع النصّ، والقياس مع النصّ باطل! وقد قرّر الأئمة أن الأصول لا يُقاس بعضها على بعض. قال الإمام القرطبي: الأصول لا يُرَدّ بعضها إلى بعض قياساً، وهذا ما لا خلاف فيه بين علماء الأمة، وإنما تُرَدّ الفروع قياسا على الأصول. فَزَكاة الفِطر أصل وليست فَرْعاً، فالقياس هنا خاطئ من جهتين: الأولى: وجود النصّ، الثانية: كون الْمَقِيس أصلاً، وليس من باب (إلْحاقُ فَرْعٌ بأصْل)!

ثانياً: في المسألة نصّ صحيح صريح، وهو قول ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال ابن عمر رضي الله عنهما: "" (رواه البخاري ومسلم). وفي رواية لمسلم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَرَ بِزَكاة الفطر صاع من تمر أو صاع من شعير. وحديث أبي سعيد رضي الله عنه، قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: "" (رواه البخاري ومسلم). وفي رواية للبخاري: قال: "". فهذه الأحاديث صريحة في فِرْض رسول الله صلى الله عليه وسلم لزكاة الفِطر من الطّعام، وأمره بذلك. فهل يَصحّ القياس مع وجود النصّ الْجَليّ؟! لا يصحّ القياس عند جميع الأصوليين! إذا فالقياس على زكاة المال قياس مع الفوارق، ومع اختلال أركان القياس، فسَقَط القياس. وبقي الأصل، وهو النصّ الصحيح الصريح في المسألة. وإذا صحّ النص في المسألة، فلا يَجوز العُدول عنه إلى غيره. ومن ردّ النص الصحيح فإنه يُخشى عليه من الزيغ والفتنة! قال تعالى: {} قال القرطبي: "بهذه الآية احتج الفقهاء على أن الأمر على الوجوب، ووجهها أن الله تبارك وتعالى قد حذر من مخالفة أمره وتوعد". اهـ. جاء رجل إلى مالك بن أنس فسأله، فقال: قال رسول الله كذا، فقال: أرأيت لو كان كذا؟ قال الإمام مالك: {} فقال مالك: أو كلما جاء رجل أجدل من الآخر رُدّ ما أنزل جبريل على محمد؟! كما أن ردّ النصوص الصحيحة الصريحة ليس من شأن أهل الإيمان! قال تعالى: {}. قال العلامة القاسمي في تفسيره (محاسِن التأويل): اعْلَم أن كل حديث صَحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن رواه جامِعو الصِّحاح، أو صَحَّحَه مَن يُرْجَع إليه في التصحيح من أئمة الحديث، فهو مما تشمله هذه الآية، أعْنِي قوله تعالى: {} فحينئذٍ يَتعيّن على كل مؤمن بالله ورسوله الأخْذ به وقبوله ظاهراً وباطنا، وإلا بأن الْتَمَس مخارِج لِردِّه أو تأويله، بِخلاف ظاهره، لِتَمذهُبٍ تَقَلَّدَه، وعَصَبيّة رُبِّـيَ عليها كما هو شأن الْمُقَلِّدَة أعداء الحديث وأهله فيَدخُل في هذا الوعيد الشديد المذكور في هذه الآية، الذي تقشعّر له الجلود، وتَرجف منه الأفئدة. واتّفَقَتْ كلمة الأئمة على ردّ أقوالهم إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى سُنّتِه قال الشافعي في مسنده وفي الرسالة: أخبرني أبو حنيفة بن سماك بن الفضل اليماني قال: حدثني بن أبي ذئب عن المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح: من قُتِلَ له قتيل فهو بِخَير النَّظَرَين؛ إن أحب أخذ العَقْل، وإن أحب فَلَه القَوَد. فقال: أبو حنيفة: فقلت لابن أبي ذئب: أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدري، وصاح عليّ صياحا كثيراً، ونال مَنِّي! وقال: أُحَدِّثُك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول: تأخذ به؟ نعم آخذ به، وذلك الفَرْضُ عليّ وعلى مَن سَمِعَه، إن الله عز وجل اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه، واختار لهم ما اختار له على لسانه، فعلى الخلق أن يَتَّبِعُوه طائعين أو داخرين، لا مَخْرَج لِمُسْلِم من ذلك. قال: وما سكت عَنِّي حتى تمنيت أن يسكت! وهذا واجب كل مسلم أن يُسلِّك للنصوص، ويَنقاد لها. قال العلامة الطيبي في شرح (المشكاة) فيما نقله عنه القاسمي: عَجبتُ ممن سُمِّي بالسُّنِّي، إذا سمِع مِن سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وله رأي، رَجّـح رأيه عليها! وأي فَرْق بينه وبين المبتدِع؟! وها هو ابن عمر وهو من أكابر الصحابة وفقهائها كيف غضِب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهَجَر فلذة كبِدِه لِتلك الْهَنَة؟ عِبرة لأولي الألباب. اهـ.

ثالثاً: ما أورده القائل بهذا القول من أقوال عن بعض الصحابة أو من بَعدهم، ليست بِحجّة، لأن قول الصحابي إنما يكون حجّة في حال عدم المخالَفة، فإن الصحابي إذا خالَفَه غيره من الصحابة لزِم الترجيح بين أقوالهم من خلال مُرجِّحات خارجية بسطها أهل العلم في واضعها، كما أن قول الصحابي حُجّة إذا لم يُخالِف النصّ. ومُعارَضَة النصّ بِقول صحابي خَلل في الاستدلال! كيف؟ النص الثابت من سُنّته صلى الله عليه وسلم حُجّة بالإجماع، والسُّنَّة هي المصدر الثاني للأدلّة، بِلا خِلاف. وقول الصحابي من الأدلّة المختَلَف فيها. فإذا عُورِض الحديث الصحيح بِقول الصحابي كان هذا مُعارَضَة للدليل الذي لم يُختَلَف فيه بالذي اختُلِف فيه! قال ابن القيم: ولا يُتْرَك الحديث الصحيح المعصوم لمخالَفَة رواية له، فإن مخالفته ليست معصومة. اهـ. فلا يُعارَض قول النبي صلى الله عليه وسلم بِقول غيره من البشر كائنا من كان، ولو كان قول أبي بكر وعمر وقد أُمِرنا بالاقتداء بهما، ولذا لما قال ابن عباس رضي الله عنهما تمتع النبي صلى الله عليه وسلم -أي في الحج- فقال عروة بن الزبير: نـهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: ما يقول عُريّة؟! قال: يقول: نـهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون. أقول قال النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: نـهى أبو بكر وعمر. رواه الإمام أحمد وغيره. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الناس: إنه لا رأي لأحد مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يُنكِرون مُعارَضة النص بأقوالهم، بل بأقوال آبائهم وإن كانت لهم أقدام صِدق في الإسلام؛ فهذا ابن عمر يَترك قول أبيه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع ما عُرِف عن ابن عمر رضي الله عنهما من بِـرِّه بأبيه رضي الله عنه. ولقد سئل عبد الله بن عمر عن متعة الحج، فأمَر بها، فقيل له: إن أباك نَهَى عنها! فقال: إن أبي لم يُرِد ما تقولون، فلما أكثروا عليه، قال: أفَرسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تَتَّبِعُوا أم عُمر؟! قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "مع عِلْمِ الناس أن أبا بكر وعمر أعْلَم ممن هو فوق ابن عمر وابن عباس، ولو فُتِح هذا الباب لَوَجَب أن يُعْرَض عن أمر الله ورسوله، ويَبْقَى كل إمام في أتباعه بِمَنْزِلة النبي صلى الله عليه وسلم في أمته، وهذا تبديل للدِّين يُشْبِه ما عاب الله به النصارى في قوله: {}". اهـ. وروى البيهقي في السنن الكبرى من طريق أبي غطفان أن ابن عباس كان يقول في الأصابع: عشر عشر، فأرسل مروان إليه، فقال: أتُفْتِي في الأصابع عشر عشر، وقد بلغك عن عمر رضي الله عنه في الأصابع، فقال ابن عباس: رَحِم الله عمر، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحقّ أن يُتَّبَع من قول عمر رضي الله عنه. أما أقوال مَن بَعْد الصحابة من التابعين فَمَنْ بَعدَهم فليستْ حُجّة على الْخَلْق. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس أحد إلا يُؤخذ من قوله ويدع غير النبي صلى الله عليه وسلم. رواه الطبراني في الكبير. وقال الهيثمي: ورجاله مُوَثَّقُون. وقال مجاهد: ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا يُؤخذ من قوله ويُترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري في (قُرة العينين) وأبو نعيم في (الحلية). واشتهر عن الإمام مالك قوله: كل أحد يُؤخَذ من قوله ويُترك إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم. قال ابن عبد البرّ: فالغلط لا يَسْلَم منه أحد، والكمال ليس لِمَخْلُوق، وكل أحد يُؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم. وقال: وليس من العلماء أحد إلاّ وهو يُؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال في مسألة أخرى: ولم يُعَرِّجُوا على قول عمر وابن مسعود، وليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الإمام الذهبي: وكل إمام يُؤخذ من قوله ويُترك إلاّ إمام المتقين الصادق المصدوق الأمين المعصوم صلوات الله وسلامه عليه. فيا لله العجب! من عَالِم يُقَلِّد دِينه إماما بَعَيْنِه في كل ما قال، مع عِلمه بما يَرِد على مذهب إمامه من النصوص النبوية. فلا قوة إلا بالله.

والخلاصة أن الحديث إذا صحّ فلا يجوز أن يُعارَض بقول أحدٍ، كائنا من كان. ولا يُعدَل عن قوله صلى الله عليه وسلم إلى قول غيره، ولا عن فِعله إلى فِعل غيره. قال الإمام ابن خزيمة: ليس لأحَدٍ قَول مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صح الخبر. ولم يصح عن المعصوم صلى الله عليه وسلم أنه أذِن في إخراج القيمة في صدقة الفِطر. مع أنه عليه الصلاة والسلام ما خُيِّر بين أمرين إلا أَخَذَ أيْسَرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه. كما قالت عائشة رضي الله عنها. والحديث مُخرّج في الصحيحين. والدراهم والدنانير معروفة في زمنه صلى الله عليه وسلم، ولم يأذن بإخراج زكاة الفِطر منها، فعُلِم أنه لو كان يجوز لأذِن فيه ولو لواحد من أصحابه. ولا يُظنّ بأصحابه ولا بالأئمة الأعلام مُخالفة أمره مُخالَفة صريحة. ومن وَقَعَتْ منه مُخالَفة للنص فهو معذور، وبَسْطُ هذه الأعذار في رسالة (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) لشيخ الإسلام ابن تيمية. والله تعالى أعلم.

عبد الرحمن بن عبد الله السحيم

الداعية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في مدينة الرياض