فك السحر

منذ 2014-02-20
السؤال:

هل يَجوزُ فَكُّ السِّحر بِالسِّحر؟ وإذَا كانَ الجَوَابُ لا، فما العمل وزَوْجِي مسحورٌ وقَدْ هَجَرَنِي وأولادي مُنْذُ سنين؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فلا يَجوزُ حَلُّ السِّحر عنِ المَسْحُورِ بِسِحْرٍ مِثْلِه؛ لأنَّ التَّداويَ إنَّما يكونُ بِالحلالِ والمُباح، ولم يَجْعَلِ الله شِفاء المُسلمين فيما حرَّم عليْهِم، وقال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا وَلاَ تَدَاوَوْا بِحَرَام» ؛ رواه أبو داود من حديث أبي الدَّرداء - رضِيَ اللَّهُ عنه – وقال ابْنِ مسعودٍ - رضي الله عنه -: «إنَّ الله لَم يَجعَلْ شِفاءَكُم فيما حرَّم عليكم» ؛ رواه البُخاريُّ مُعلَّقًا.


ومن أعظم المحرَّمات السِّحر، فلا يَجوزُ التَّداوِي به، ولا حَلُّ السِّحْرِ بِمِثله؛ فَعَنْ جابرٍ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - سئل عن النُّشْرَة؟ فقال: «هِيَ مِنَ الشَّيطان» ؛ رواهُ أحْمد، قال الحسنُ: النُّشرة من السِّحر.


قال العلامة ابْنُ القيِّم - رحِمه الله تعالى - في "إعلام الموقعين": "والنُّشرة حَلُّ السِّحر عن المسحور، وهي نوعان: حَلُّ سِحْرٍ بسِحْرٍ مِثْلِه؛ وهو الذي من عَمَلِ الشَّيطان، فإنَّ السِّحْرَ مِنْ عَمَلِه، فيتقرَّبُ إلَيْهِ النَّاشِرُ والمُنْتَشِرُ بِما يُحِبُّ فيُبْطِل عملَه عن المسحور، والثَّاني النُّشرة بِالرُّقية والتعوُّذات والدَّعوات والأدْوِية المُباحة، فهَذَا جائزٌ بَلْ مُسْتَحَبٌّ، وعلى النَّوْعِ المَذْمُوم يُحمَلُ قوْلُ الحَسن: لا يَحلُّ السِّحرَ إلا ساحر". انتهى.


وقال الحكمي في "سُلَّم الوصول":

وَحَلُّهُ بِالوَحْيِ نَصًّا يُشْرَعُ        أَمَّا  بِسِحْرٍ   مِثْلِهِ   فَيُمْنَعُ

وعليه؛ فمَنِ ابْتُلِي بسِّحر فليتحلَّ بالصَّبر، وأن يلجَأَ إلى اللَّه - عزَّ وجلَّ - ويعتمِدَ عليه وَحْدَه في كَشْفِ هذا الضُّر، وأن يُعظِمَ الرَّغْبَةَ إليْهِ سبحانه، ويلحَّ عليْهِ بِالدُّعاء وقْتَ السَّحَر، وأَدْبارَ الصلوات، فإنَّه كاشف الضُّرِّ، ومُجيب دعوة المُضطَرّ؛ {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62]، مع أَخْذِه بالأسباب الشرعيَّة من الرُّقَى الشرعيَّة والأدعية النبويَّة ما يُبْطِل به هذا السِّحر، كما يُمْكِن الاستعانَةُ بِبَعْضِ أهْلِ الخَيْرِ والصَّلاح المختصِّين بِالمعالجة بالقرآن مِمَّنْ عُرِفُوا بالوَرَعِ والرُّقْيَة الشرعيَّة.


وليَعْلَمْ أنَّ في ذلك امتحانًا له؛ لِرَفْعِ درجاتِه عند الله إذا صبر واحتسب؛ فقدْ روى الترمذيُّ وابن ماجه من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - عنِ النبي - صلى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: «إنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاءِ وإِنَّ اللَّهَ إذا أَحَبَّ قَوْمًا ابتَلاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فلَهُ الرِّضَا ومَنْ سَخِطَ فلَهُ السَّخَطُ» "؛ حسَّنه الألباني في صحيح الترمذي.
 

ولْيَحْذَرْ كل الحذر من طَرْقِ أبوابِ السَّحرة والكَهَنَةِ والعرَّافين، ولْيَحذَرْ منْ سُؤالِهم أو تصديقهم؛ فإنَّ الدَّاء الحقيقيَّ عِنْدَهم والهلاكَ المبين في أيديهم، ففي صحيح مسلم أنَّ النَّبِيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «مَن أَتَى عَرَّافًا فسَأَلَهُ عن شَيْءٍ لَم تُقْبَلْ له صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» ، وفي مسند الإمام أحمد عن أَبِي هُرَيْرَةَ عن النَّبِيِّ - صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم - قَالَ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بما يَقُولُ فَقَد كَفَرَ بما أُنْزِلَ على مُحَمَّدٍ» ؛ صحَّحه الشيخ الألباني في صحيح الجامع.

والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام