الدَّين المُقَسَّط -المؤجل- لا يمنع الزكاة

منذ 2014-05-06
السؤال:

 اشترى شقةً بالتقسيط لمدة عشر سنوات بمبلغ مئة وعشرين ألف دولار، وإنه يملك أموالاً تبلغ أكثر من نصاب الزكاة، فهل تلزمه الزكاة في هذا المبلغ، أفيدونا؟ 

الإجابة:

البيع بالتقسيط من أبرز المعاملات التجارية في الأسواق المحلية وغيرها، وتشمل ظاهرة البيع بالتقسيط مختلف النشاطات الاقتصادية، كالعقارات والأراضي والسيارات والأثاث والأدوات الكهربائية وغيرها، وإقبال الناس على الشراء بالتقسيط فيه تسهيلٌ وتخفيفٌ عليهم، على الرغم من كون سعر البيع بالتقسيط أعلى من البيع الحاضر. ومن المعلوم أن بعض الناس وخاصةً التجار يقدمون على الشراء بالتقسيط، مع أن الثمن متوفرٌ لديهم، ليستثمروا أموالهم، وقد تأتيهم أرباحٌ أكثر بكثير من الزيادة التي يدفعونها في بيع التقسيط. فواقع السوق يقول ليس الفقير هو الذي يشتي بالتقسيط فقط!

والبيع بالتقسيط جائزٌ شرعاً ولا مانع منه كما دلت عليه أدلةٌ كثيرةٌ ليس هذا محل ذكرها. إذا تقرر هذا فإن مسائل الديون وعلاقتها بالزكاة من المسائل المختلف فيها قديماً وحديثاً، ومسألة الدَّين المُقَسَّط -المؤجل- وأثره في الزكاة، من المسائل التي تحتاج إلى مزيدٍ من البحث، وخاصةً مع انتشار ظاهرة البيع بالتقسيط كما أسلفت، وقد اختلف الفقهاء في أثر الدَّين على الزكاة، هل يُسقَط من المال الزكوي أم لا؟ والذي أرجحه بعد دراسة أقوال الفقهاء وأدلتهم أن الدَّين المُقَسَّط -المؤجل- لا يمنع الزكاة، كما في السؤال المذكور أعلاه، وبالتالي فمن كان عليه دينٌ مقسطٌ -مؤجلٌ- على شهورٍ أو سنوات، يلزمه أن يزكي ما بيده من أموال، ولا يحسم الدَّين المُقَسَّط -المؤجل- من وعاء الزكاة، ما عدا القسط الذي يؤديه وقت زكاته، فهذا القسط يُحسم من الوعاء الزكوي قبل إخراج الزكاة. وهذا قول لبعض الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة كما في نوازل الزكاة ص70 للدكتور الغفيلي ورجحه.

ومن المعلوم أن بعض الفقهاء المتقدمين قالوا إن الدَّين مطلقاً لا يمنع الزكاة وهو قول الشافعي في الجديد وحماد وربيعة والظاهرية وأحمد في رواية، ومن المعاصرين العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز والعلامة محمد العثيمين والعلامة مصطفى الزرقا، وهو ترجيح اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية. قال الشيخ ابن حزم: [إسقاط الدَّين زكاة ما بيد المدين لم يأت به قرآنٌ ولا سنةٌ صحيحةٌ ولا سقيمةٌ ولا إجماعٌ، بل جاءت السنن الصحاح بإيجاب الزكاة في المواشي والحب والتمر والذهب والفضة، بغير تخصيص مَنْ عليه دين ممن لا دين عليه] المحلي6/135. وقال الإمام النووي: [الدَّين هل يمنع وجوب الزكاة؟ فيه ثلاثة أقوال... فالحاصل أن المذهب وجوب الزكاة سواء كان المال باطناً أو ظاهراً أم من جنس الدَّين أم غيره. قال أصحابنا سواء دين الآدمى ودين الله عز وجل، كالزكاة السابقة والكفارة والنذر وغيرها] المجموع5/344. وقال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز: [وأما الدَّين الذي عليه فلا يمنع الزكاة في أصح أقوال أهل العلم] مجموع فتاوى الشيخ ابن باز 14/189. وقال العلامة محمد العثيمين: [والذي أرجحه أن الزكاة واجبة مطلقاً، ولو كان عليه دين ينقص النصاب، إلا دَيْناً وجب قبل حلول الزكاة فيجب أداؤه، ثم يزكي ما بقي بعده] الشرح الممتع6/39. وقال العلامة مصطفى الزرقا: [الدَّين المؤجل والمُقَسَّط (غير الحال) لا يمنع الزكاة على المال الذي لدى الشخص، وإنما الذي يطرح من الزكاة هو الدَّين الحال الخاضع للمطالبة حالاً حين وجوب الزكاة بحولان الحول، وبناءً عليه تجب الزكاة في المال الذي يأخذه الشخص قرضاً فيتملكه ويعمل به، ما دام دين القرض المذكور مقسطاً أو مؤجلاً، وليس مطالباً به في الحال دفعةً واحدةً] فتاوى مصطفى الزرقا ص137-138. وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة9/189: [الصحيح من أقوال العلماء أن الدَّين لا يمنع من الزكاة، فقد كان عليه الصلاة والسلام يرسل عماله وخرَّاصه لخرص الثمار، ولم يقل لهم انظروا هل أهلها مدينون أم لا؟]. وقد تأملت في كلام ابن رشد الحفيد في هذه المسألة، ووجدت أن ما قاله في آخر المسألة: [والأشبه بغرض الشرع إسقاط الزكاة عن المدين، لقوله عليه الصلاة والسلام فيها «صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» والمدين ليس بغني] بداية المجتهد1/131.

أقول إن واقع الحال اليوم مغاير لما قاله ابن رشد، لأننا نرى كثيراً ممن يشترون بالتقسيط لسنوات، هم من الأغنياء وليسوا فقراء. ومما يدل لهذا القول عموم قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]. فالمال الذي بيد منْ عليه دينٌ مؤجلٌ داخلٌ في عموم النص، بل هو يستثمره وينميه. قال الشيخ العلامة ابن باز: [يجب على من لديه مال زكوي أن يؤدي زكاته إذا حال عليه الحول، ولو كان عليه دينٌ في أصح قولي العلماء؛ لعموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة على من لديه مالٌ تجب فيه الزكاة إذا حال عليه الحول ولو كان عليه دينٌ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر عماله بأخذ الزكاة ممن عليه زكاة، ولم يأمرهم أن يسألوهم هل عليهم دينٌ أم لا؟ ولو كان الدَّين يمنع، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم عماله أن يستفسروا من أهل الزكاة هل عليهم دين] مجموع فتاوى الشيخ ابن باز14/51-52.

وسئل الشيخ العلامة العثيمين عن شخص عنده رأس مال قدره مائتا ألف ريال وعليه دين قدره مائتا ألف ريال بحيث يدفع منه كل سنة عشرة آلاف، فهل عليه زكاة؟ فأجاب: نعم، تجب الزكاة في المال الذي في يده، وذلك لأن النصوص الواردة في وجوب الزكاة عامةٌ، ولم تستثنِ شيئاً، لم تستثنِ مَنْ عليه دينٌ. وإذا كانت النصوصُ عامةً وجب أن نأخذ بها، ثم إن الزكاة واجبة في المال، لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 103]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال: («أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً في أموالهم» فبين الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أن الزكاة في المال، وليست في ذمة الإنسان، والدَّين واجبٌ في ذمته، فالجهة منفكة، فتجب زكاة المال الذي بيدك، والدَّين واجبٌ في ذمتك، فهذا له وجهة، وهذا له وجهة. فعلى المرء أن يتقي ربه ويخرج الزكاة عمَّا في يده، ويستعين الله تعالى في قضاء الدَّين الذي عليه، ويقول: اللهم اقضِ عني الدَّين وأغنني من الفقر. وربما يكون أداء زكاة المال الذي بيده سبباً في بركة هذا المال ونمائه، وتخليص ذمته من الدَّين، وربما يكون منع الزكاة منه سبباً في فقره، وكونه يرى نفسه دائماً في حاجة وليس من أهل الزكاة، واحمد الله عز وجل أن جعلك من المعطين ولست من الآخذين] مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين18/39.

ومما يدل على أن الدَّين المؤجل لا يمنع الزكاة، أن مالك المال يتصرف فيه كما يشاء، كأن يستثمره ويتاجر فيه، كما أن الدَّين الذي عليه ليس مطلوباً حالاً، وقد تطول مدة التقسيط لتبلغ سنوات عشر أو عشرين كما في شراء الشقق والأراضي بالتقسيط. ومما يؤيد ذلك أن الديون المُقَسَّطة على أقساط طويلة المدى لا تمنع من الحج، كمن اشترى داراً بثمنٍ مقسطٍ على عشر سنوات، يؤدي في كل شهرٍ قسطاً. [ويؤيد ذلك ما قاله فقهاء الحنابلة في زكاة الفطر، فإنهم قالوا لا يمنعها الدَّين إلا بطلبه] مجموع فتاوى الشيخ العثيمين18/38.

وأما استدلال من قال بأن الدَّين مطلقاً يمنع وجوب الزكاة، بما رواه مالك عن الزهري عن السائب بن يزيد أن عثمان رضي الله عنه كان يقول: [هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دَيْن فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم) وفي رواية: (فمن كان عليه دين فليقض دينه، وليزك بقية ماله) وهذا لا حجة فيه، فمن أدى الدَّين، فليس عليه فيه زكاة، والنزاع هو فيمن لم يؤد الدَّين، واحتفظ بالمال لينتفع به، فهل تسقط عنه الزكاة؟ www. islam-qa. Com

وقال العلامة العثيمين: [وأما أثر عثمان رضي الله عنه فإننا نسلم أنه إذا كان على الإنسان دينٌ حال، وقام بالواجب وهو أداؤُه فليس عليه زكاة؛ لأنه سيؤدي من ماله، وسَبْقُ الدين يقتضي أن يقدم في الوفاء على الزكاة؛ لأن الزكاة لا تجب إلا إذا تمًّ الحول، والدَّين سابق، فكان لسبقه أحق بالتقديم من الزكاة. ونحن نقول لمن اتقى الله، وأوفى ما عليه: لا زكاة عليك إلا فيما بقي، أما إذا لم يوف ما عليه، وماطل لينتفع بالمال، فإنه لا يدخل فيما جاء عن عثمان، فعليه زكاته] الشرح الممتع 6/18.

وخلاصة الأمر أن البيع بالتقسيط جائز وهو من أبرز المعاملات التجارية في الأسواق ويعم مختلف النشاطات الاقتصادية، والذي أرجحه بعد دراسة أقوال الفقهاء وأدلتهم أن الدَّين المُقَسَّط -المؤجل- لا يمنع الزكاة، وبالتالي فمنْ كان عليه دينٌ مقسطٌ -مؤجلٌ- على شهورٍ أو سنوات، يلزمه أن يزكي ما بيده من أموال، ولا يُحسَم الدَّين المُقَسَّط–المؤجل-من وعاء الزكاة، ما عدا القسط الذي يؤديه وقت زكاته، فهذا الدَّين يُحسم من الوعاء الزكوي قبل إخراج الزكاة. والله الهادي إلى سواء السبيل. 

حسام الدين عفانه

دكتوراه فقه وأصول بتقدير جيد جداً، من كلية الشريعة جامعة أم القرى بالسعودية سنة 1985م.