أحكام ومآل المكرَه على القتال في صف الكفار

منذ 2014-12-10
السؤال:

قال الله تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين. هل كفر إبليس لاستكباره أم لأنه لم يمتثل لأمر الله؟ وإن كان كفره لأنه لم يطع الله، فهل كل من لم يطع الله كافر؟ وسؤال آخر: لقد سمعت شيخا يقول: من يعلم أنه يفعل معصية، وهو يصر عليها، فيكفر. وهل يحق لقبيلة مسلمة أن تحارب قبيلة أخرى مسلمة بدأتها بالقتال؟ وهل إذا قاتل المسلم بجانب الكافر في خندق ضد المسلم في خندق آخر، فهل يجوز قتله وقتاله في ضوء الحديث: إذا التقت سيوف المؤمنين، فالقاتل والمقتول في النار؟ وما تفسير هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ... " في ضوء حد القاتل في الشريعة؟ أفيدوني أثابكم الله.
 

الإجابة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: فقد ذكر أهل العلم أن كفر إبليس كفر إباء واستكبار، كما قال تعالى: إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ {البقرة:34}.

وقال ابن القيم في المدارج: وأما كفر الإباء والاستكبار فنحو كفر إبليس، فإنه لم يجحد أمر الله، ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار... انتهى.
وليس كل من لم يطع الله تعالى في الواجبات الشرعية كافرًا، ما لم يكن منكرًا للوجوب، بل هو عاص. 

وقد اتفق أهل السنة على أن العاصي لا يكفر بالذنب, ولو كان مصرًّا عليه، ما لم يستحله، ولكن الإصرار على المعاصي خطره عظيم؛ فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: .. ويل للمصرين، الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون.. رواه أحمد، وصححه الألباني. وراجع في عدم التكفير بالذنب الفتوى رقم: 213577. 

ويحق لمن بُدِئ بالقتال أن يدافع الصائل بما يدفع به شره متبعًا في ذلك الأخف فالأخف.

وإذا شارك المسلم الكفار في ظلمهم للمسلمين والاعتداء عليهم: فيجوز قتاله، ولكنا نرجو للمقتول المسلم إذا قتل أن يرزقه الله الرحمة والغفران إن كان مكرهًا على القتال في صف الكفار, وأن يبعث يوم القيامة على حسب نيته, ففي صحيح البخاري عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: يغزو جيش الكعبة, فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم، قالت: قلت: يا رسول الله, كيف يخسف بأولهم وآخرهم, وفيهم أسواقهم، ومن ليس منهم؟ قال: يخسف بأولهم وآخرهم, ثم يبعثون على نياتهم. وفي حديث أم سلمة عند مسلم فقلت: يا رسول الله, فكيف بمن كان كارهًا؟ قال: يخسف به, ولكن يبعث يوم القيامة على نيته.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند كلامه على ما روى البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يغزو جيش الكعبة, فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم، قالت: قلت: يا رسول الله, كيف يخسف بأولهم وآخرهم، وفيهم أسواقهم، ومن ليس منهم؟ قال: يخسف بأولهم وآخرهم, ثم يبعثون على نياتهم. قال: وفي حديث أم سلمة عند مسلم فقلت: يا رسول الله, فكيف بمن كان كارها؟ قال: يخسف به, ولكن يبعث يوم القيامة على نيته. أي: يخسف بالجميع لشؤم الأشرار, ثم يعامل كل أحد عند الحساب بحسب قصده. قال المهلب في هذا الحديث: أن من كثّر سواد قوم في المعصية مختارا أن العقوبة تلزمه معهم. قال: واستنبط منه مالك: عقوبة من يجالس شربة الخمر وإن لم يشرب، وتعقبه ابن المنير بأن العقوبة التي في الحديث هي: الهجمة السماوية, فلا يقاس عليها العقوبات الشرعية, ويؤيده آخر الحديث حيث قال: ويبعثون على نياتهم، وفي هذا الحديث: أن الأعمال تعتبر بنية العامل، والتحذير من مصاحبة أهل الظلم، ومجالستهم، وتكثير سوادهم إلا لمن اضطر إلى ذلك. انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة 5/121 عند كلامه على الكفار: "وقد يقاتلون وفيهم مؤمن يكتم إيمانه، يشهد القتال معهم، ولا يمكنه الهجرة، وهو مكره على القتال، ويُبعث يوم القيامة على نيته، كما في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "يغزو جيش هذا البيت، فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم" فقيل: يا رسول الله، وفيهم المكره؟ فقال: "يُبعثون على نياتهم". اهـ.

وقال شيخ الإسلام أيضًا في الفتاوى: إن التتار فيهم المكره وغير المكره ..... ومن أخرجوه معهم مكرها، فإنه يبعث على نيته, ونحن علينا أن نقاتل العسكر جميعه إذ لا يتميز المكره من غيره. وقد ثبت في الصحيح: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: {يغزو هذا البيت جيش من الناس, فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم فقيل: يا رسول الله, إن فيهم المكره؟ فقال: يبعثون على نياتهم}. والحديث مستفيض عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من وجوه متعددة، أخرجه أرباب الصحيح عن عائشة, وحفصة, وأم سلمة. ففي صحيح مسلم: عن أم سلمة قالت: {قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يعوذ عائذ بالبيت, فيبعث إليه بعث, فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم. فقلت: يا رسول الله, فكيف بمن كان كارها؟ قال: يخسف به معهم, ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته} .... فالله تعالى أهلك الجيش الذي أراد أن ينتهك حرماته المكره فيهم وغير المكره. مع قدرته على التمييز بينهم مع أنه يبعثهم على نياتهم. فكيف يجب على المؤمنين المجاهدين أن يميزوا بين المكره وغيره, وهم لا يعلمون ذلك، بل لو ادعى مدع أنه خرج مكرها لم ينفعه ذلك بمجرد دعواه. كما روي: {أن العباس بن عبد المطلب قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- لما أسره المسلمون يوم بدر: يا رسول الله, إني كنت مكرها. فقال: أما ظاهرك فكان علينا، وأما سريرتك فإلى الله}. بل لو كان فيهم قوم صالحون من خيار الناس, ولم يمكن قتالهم إلا بقتل هؤلاء لقتلوا أيضا, فإن الأئمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين، وخيف على المسلمين إذا لم يقاتلوا, فإنه يجوز أن نرميهم ونقصد الكفار, ولو لم نخف على المسلمين, جاز رمي أولئك المسلمين أيضًا في أحد قولي العلماء. ومن قتل لأجل الجهاد الذي أمر الله به ورسوله هو في الباطن مظلوم كان شهيدا, وبعث على نيته, ولم يكن قتله أعظم فسادا من قتل من يقتل من المؤمنين المجاهدين, وإذا كان الجهاد واجبا، وإن قتل من المسلمين ما شاء الله, فقتل من يقتل في صفهم من المسلمين لحاجة الجهاد ليس أعظم من هذا, بل قد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- المكره في قتال الفتنة بكسر سيفه، وليس له أن يقاتل وإن قتل, كما في صحيح مسلم عن أبي بكرة: {قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتن، ألا ثم تكون فتن، القاعد فيها خير من الماشي, والماشي فيها خير من الساعي, ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله, ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه, ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه, قال: فقال رجل: يا رسول الله, أرأيت من لم يكن له إبل, ولا غنم, ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر, ثم لينج إن استطاع النجاة, اللهم هل بلغت, اللهم هل بلغت, اللهم هل بلغت. فقال رجل: يا رسول الله, أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى إحدى الصفين أو إحدى الفئتين، فيضربني رجل بسيفه أو بسهمه، فيقتلني؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك, ويكون من أصحاب النار}. ففي هذا الحديث: أنه نهى عن القتال في الفتنة, بل أمر بما يتعذر معه القتال من الاعتزال أو إفساد السلاح الذي يقاتل به. وقد دخل في ذلك المكره وغيره، ثم بين أن المكره إذا قتل ظلما كان القاتل قد باء بإثمه وإثم المقتول، كما قال تعالى في قصة ابني آدم عن المظلوم: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين}، ومعلوم أن الإنسان إذا صال صائل على نفسه، جاز له الدفع بالسنة والإجماع، وإنما تنازعوا: هل يجب عليه الدفع بالقتال؟ على قولين؛ هما روايتان عن أحمد: إحداهما: يجب الدفع عن نفسه ولو لم يحضر الصف. والثانية: يجوز له الدفع عن نفسه. وأما الابتداء بالقتال في الفتنة: فلا يجوز بلا ريب, والمقصود: أنه إذا كان المكره على القتال في الفتنة ليس له أن يقاتل, بل عليه إفساد سلاحه, وأن يصبر حتى يقتل مظلوما, فكيف بالمكره على قتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام: كمانعي الزكاة, والمرتدين, ونحوهم؟ فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل، وإن قتله المسلمون, كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين, وكما لو أكره رجل رجلا على قتل مسلم معصوم، فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين, وإن أكرهه بالقتل، فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس, فليس له أن يظلم غيره فيقتله, لئلا يقتل هو ..... اهـ.

وأما حديث الصحيحين: "إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ"

فإنه لا يتناول من قاتل دفاعا عن نفسه, وذلك لما صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد. رواه الترمذي، وغيره، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

ولما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله, أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك. قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله. قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد. قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار.

وأما حد القاتل العمد فهو: القتل إن لم يعف أولياء الدم، كما أشارت إليه الآية, ولكن القصاص وغيره من الحدود لا يقيمه إلا السلطان أو نائبه, كما نص عليه النووي في المجموع.

وأما عن تفسير الآية فقد قال الطبري في تفسيره:يعني تعالى ذكره بقوله: كتب عليكم القصاص في القتلى: فرض عليكم، فإن قال قائل: أفرض على ولي القتيل القصاص من قاتل وليه؟ قيل: لا، ولكنه مباح له ذلك، والعفو وأخذ الدية. فإن قال قائل: وكيف قال: كتب عليكم القصاص؟ قيل: إن معنى ذلك على خلاف ما ذهبت إليه، وإنما معناه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى، أي: أن الحر إذا قتل الحر، فدم القاتل كفء لدم القتيل, والقصاص منه دون غيره من الناس، فلا تجاوزوا بالقتل إلى غيره ممن لم يقتل، فإنه حرام عليكم أن تقتلوا بقتيلكم غير قاتله.... اهـ.
والله أعلم.

الشبكة الإسلامية

موقع الشبكة الإسلامية